واشنطن ـ «القدس العربي»: رفض مساعدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استنتاجات تشير إلى ان الإدارة الأمريكية تفضل فوز المرشحة مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية الفرنسية. إذ قال رينيس بريبوس ان ترامب لا يدعم على الاطلاق لوبان في السباق الانتخابي، ولكن العديد من المحللين لاحظوا نوعا من الاعجاب المتبادل عبر الأطلسي بسبب الأفكار الشعبوية المتوافقة بين الطرفين مع رسالة شعبية وموقف مناهض للمهاجرين.
والتقط المصورون صورا للمرشحة اليمينية الفرنسية وهي تتناول البوظة في برج ترامب، وحصلت لوبان على أكبر مجاملة سياسية يمكن ان تحصل عليها، حيث غرد ترامب في صفحته الخاصة على «تويتر» بانها ستحصل على صوته لو كانت أمريكية. ورأى الكثير من المراقبين في تصريحات لترامب تفيد بان الهجوم الإرهابي في باريس له تأثير كبير على الانتخابات الفرنسية بانها تشير إلى دعم قوى من البيت الأبيض للوبان.
ولم يحدد ترامب ما هو «التأثير الكبير» للهجوم الإرهابي في باريس ولكن من السهل تخمينه، فالتغريدات كانت مفهومة على انها تأييد ضمني لزعيمة حزب الجبهة الوطنية التي تعارض الهجرة وتردد الكثير من الهرطقة مثل الحديث المتكرر عن التأثير غير المبرر للإسلام في المجتمع الفرنسي وبعبارة أخرى يستخدم رئيس الولايات المتحدة سلطته للتدخل في السياسة الداخلية لبلد متحالف.
وتمثل هذه التعليقات انذارا في أوروبا والولايات المتحدة تجاه التزام واشنطن بالمؤسسات الكبيرة في القارة بما في ذلك الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي بعد أسابيع من الإشارات المطمئنة من ترامب وإدارته، وهناك اعتقاد ان ستيفان بانون، كبير الاستراتيجيين في إدارة ترامب، الذي أشاد بالحركات القومية في القارة قد يؤثر على وجهة نظر ترامب ناهيك عن ملاحظة ان ترامب لا يستطيع كبح نفسه.
ولم يتدخل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في الحياة السياسية منذ خروجه من البيت الأبيض ولكنه قام بمحادثة هاتفية مع المرشح الرئاسي الفرنسي إيمانويل ماكرون، ولم يعلن أوباما عن تأييد رسمي للمرشح ولكن، من الواضح، انه كان داعما قويا لماكرون. وفي انعكاس للانقسام داخل الحزب الديمقراطي للولايات المتحدة فقد أيدت مجموعة من السياسيين الذين قادوا حملة المرشح السابق بيرني ساندرز المرشح اليساري جان لوك ميليشون وقاموا بعملية مقارنة وتشبيه بكفاحه السياسي مع ساندرز بما في ذلك تلقي الاتهامات الزائفة نفسها من الخصوم السياسيين.
ووقع مجموعة من المشاهير، بمن في ذلك نعوم تشومسكي، واوليفر ستون، ومارك روفالو، وايف انسلر، ونانسي فريزر وداني غلوفر عريضة تدعو الناخبين الفرنسيين إلى تفادي الاضطرار بين الوضع الليبرالي القائم على تأسيس الشركات والمعتقدات الشعبوية في كراهية الأجانب.
ومن الصعب قياس تأثير تدخل أوباما الذي يحظى بشعبية في فرنسا، وتجدر الإشارة إلى انه تدخل ضد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قبل التصويت، وذهب إلى بريطانيا لشن حملة ضده ولكن الناس اختاروا الخروج من الاتحاد، وعلى النقيض من ذلك، يرى العديد من المحللين انه من الممكن ان يكون تأييد أوباما له تأثير غير مقصود من تعزيز اليمين المتطرف بمن في ذلك المرشحة القومية المعروفة بكراهية الأجانب لوبان التي لديها بعض التشابه مع قادة حركة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ويدعم ماكرون تخفيضات لا تحظى بشعبية كبيرة في نظام المعاشات التقاعدية، بما في ذلك رفع السن التقاعدي للحصول على استحقاقات كاملة من 65 إلى 67 عاما، وهذه السياسة قاسية جدا مقارنة من الزيادة التي أقرتها الولايات المتحدة للاستفادة التامة من نظام الضمان الاجتماعي في عام 1983 والفارق هنا ان أمريكا أعطت العمال المتضررين عقودا من الاشعار المسبق في حين تم ضرب العمال الذين يقتربون من التقاعد على حين غرة، ولحسن الحظ، لم يتبع أوباما هذا النوع من البرامج الاجتماعية ردا على الركود الكبير بل حاول الدفع باتجاه تخفيض نــســبة البــطـــالة وخلــق فرص جديدة من العمل وهي سياسة لا يركز عليها ماكرون.
ولكن المشاكل التي يعاني منها المرشح الفرنسي الوسطي من وجهة نظر أمريكية لا تقارن مع المشاكل العميقة التي تواجه لوبان، وهي على حد تعبير الكثير من المحللين تفوق المشاكل التي واجهت ترامب قبل فوزه المفاجئ مما يعني الشك في تقديرات استطلاعات الرأي والخبراء، وهناك نظرية طرحها العديد من المراقبين تفيد ان لوبان قد تحصل على الكثير من الدعم الخفي في اللحظات الأخيرة من الناخبين الذين لم يقرروا تماما مثل تجربة ترامب، فالناخب الأمريكي صوت لترامب في يوم الانتخابات ولكنه لم يفصح عن هذه الرغبة خشية ان يقال انه يؤيد المرشح الذي لا يلتزم بالصواب السياسي خشية التعرض لاتهامات بانه متحيز تجاه مجموعة أقلية دينية أو عرقية.
في نهاية المطاف، فوز لوبان سيعني، بلا شك، انقلابا كبيرا للحركة القومية اليمينية التي يعتبر ترامب من أحد محاورها، والرسالة هنا متشابهة لأولئك الذين تعود أفكارهم وجذورهم الايدلوجية إلى الفاشية في منتصف القرن الماضي، وهي ان الهجرة ستجعل فرنسا أقل فرنسية، والعدو هنا بالطبع هو الإسلام حيث هرعت لوبان إلى اعلان ان الإسلام عبارة عن «ايديولوجية استبدادية وحشية أعلنت الحرب على امتنا الحضارية» في حين حاول أوباما كبح هذه الموجة عبر دعوة صريحة للناخب الفرنسي للدفاع عن (القيم الليبرالية) وفي الواقع، تبدو الأمور في باريس وكأنها معركة بالوكالة بين ترامب وأوباما ولكن مستقبل فرنسا وأوروبا، على ما يبدو، في أيدي الناخبين الذين يخفون مشاعرهم الحقيقية.