الجزائر 13- رويترز: قال مصدر في شركة «سوناطراك الجزائرية» الحكومية للنفط ان رئيس الشركة جمع فريقا جديدا من القيادات، بهدف منع هروب الكفاءات من الشركة الوطنية العملاقة، التي تلعب دورا رئيسيا في استمرار الدولة في الوفاء بالتزاماتها.
وكان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كلف عبد المؤمن ولد قدور بإصلاح «سوناطراك» في مارس/آذار 2017، وذلك أن مرت عليها سنوات لم يطل فيها المقام بعدد من الرؤساء في مقعد القيادة، وشهدت خلالها فضائح احتيال ومشاكل بيروقراطية أبعدت المستثمرين الأجانب عن الجزائر.
وتُعد الشركة العملاقة مَصدرا مهما من مصادر الطاقة للدول الأوروبية التي تحاول تقليل اعتمادها على روسيا، كما أنها تمول جانبا رئيسيا من الميزانية في الجزائر التي يسهم الأمن الاقتصادي فيها في منع وقوع اضطرابات اجتماعية.
والوظائف في «سوناطراك» وفيرة ومرغوبة غير أن المرتبات منخفضة، إذا ما قورنت بالمعدلات العالمية ،كما أنها تتوقف على مدة الخدمة.
وقال ولد قدور في مقابلة في مكتبه في الدور العاشر في مقر الشركة في العاصمة الجزائر «فقدنا الآلاف من أصحاب الخبرات والمهارات لأسباب على رأسها أننا لا نستطيع منحهم مرتبا يحصـلون عليه الآن في الخـليج ودول أخـرى».
وقال المصدر المُطَّلِع على أوضاع الشركة ان ولد قدور جلب معه فريقه الخاص لمساعدته في كسب ثقة شركات النفط الكبرى مرة أخرى، واختار ثمانية نواب للرئيس من داخل الشركة. وطلب المصدر عدم نشر اسمه وذلك لأن التعيينات لم تعلن على الملأ بعد، وقال ان من بين القيادات الجديدة مديرين من ذوي الخبرة مثل صلاح مكموش للتنقيب، وعربي باي سليمان للنقل عبر الأنابيب، وإثنين وصفهما بأنهما من النجوم الصاعدة هما فريد غزالي للاستراتيجية، وأحمد مازيغي للشؤون التجارية.
وأضاف «من الضروري المصادقة على التعيينات بمرسوم رئاسي غير أن كبار المديرين بدأوا بالفعل».
ولم يتسن الاتصال ـ»سوناطراك» وولد قدور للتعليق على التعيينات.
ويهدف ولد قدور إلى جعل الشركة واحدة من أكبر خمس شركات نفط حكومية على مستوى العالم بـحلول عـام 2030.
وفي 2017 احتلت الجزائر المركز الثامن عشر في قائمة «إدارة معلومات الطاقة» الأمريكية من حيث حجم الإنتاج.
ويأتي منح ولد قدور الصلاحيات اللازمة لإجراء تغييرات بعيدة الأثر في إطار مساعي بوتفليقة، الذي يقود البلاد منذ العام 1999 بدعم من الجيش، للتغلب على ركود صادرات النفط والغاز، وذلك بتخفيف قبضة قادة الجيش على الأمور الاقتصادية.
وقد انخفضت إيرادات قطاع الطاقة السنوية إلى النصف منذ 2014.
وفي يونيو/حزيران الماضي عزل بوتفليقة، الذي لم يتحدث على الملأ منذ أصابته بجلطة دماغية في 2013، أربعة من كبار الجنرالات، منهم رئيس جهاز الشرطة عبد الغني هامل، فيما يمثل استعراضا للسلطة على الأجهزة الأمنية قبل الانتخابات التي تجري العام المقبل. ويمثل ذلك جزءا من اتجاه لاحظه بعض المراقبين للأوضاع من الخارج.
وقال دبلوماسي غربي «عندما تخاطب مصرفيا أو قائما على إدارة مشروع اقتصادي، فمن المؤكد أنه لم يعد يوجد من يأمرهما بما يفعلان، مثلما كان الحال عندما كان الحرس القديم يتولى دفة الأمور».
المنافسون يتخاطفون ذوي المهارات
تملك «سوناطراك» ثالث أكبر احتياطيات من النفط الصخري في العالم وتجري محادثات مع شركة «إكسون موبيل» الأمريكية وغيرها من الشركات، من أجل إجراء عمليات استكشاف لزيادة إيرادات التصدير لقطاع الطاقة التي تمثل 95 في المئة من إجمالي صادرات الدولة.
غير أن عمليات الاستكشاف تتطلب مهارات خاصة. وقال مدير في شركة «سوناطراك» إن عشرة آلاف من المهندسين وعمال الحفر وخبراء المكامن النفطية وغيرهم تركوا العمل بالشركة منذ العام 2010. ويبلغ عدد العاملين في شعبة النفط والغاز في الشركة نحو 40 ألفا.
وقد شجع هؤلاء على ترك العمل مكافآت سخية تعرض على العاملين بالشركات الحكومية الذين يستقيلون لتخفيف أعباء الميزانية. ويعمل المئات من هؤلاء في منطقة الخليج، ومن بينهم زهير شيخ أحد كبار المهندسين المتخصصين في مكامن النفط.
وقالت عدة مصادر ان وتيرة نزوح الكفاءات تسارعت هذا العام إذ شجع ارتفاع أسعار النفط الخام الشركات في منطقة الخليج وغيرها على توظيف المزيد من العاملين.
وقال شيخ هاتفيا «أصدقاء وزملاء في سوناطراك يتصلون بي يوميا طلبا لوظيفة في الخليج». وأضاف «المرتبات هنا تتراوح بين 5000 و15000 دولار شهريا، في حـين أن مـرتب رئـيس سونـاطراك لا يتـجاوز 10000 دولار».
ويعتزم ولد قدور، الذي أمضى جانبا كبيرا من حياته العملية في الولايات المتحدة وشركات للطاقة في الخليج وأفريقيا، تنفيذ برنامج للتوعية والتدريب عن طريق «أكاديمية سوناطراك للإدارة». كما أنه سيعيد العاملين المتقاعدين لتوجيه الموظفين الجدد.
وهو يسعى كذلك إلى استحداث مكافآت خاصة للاحتفاظ بالمتميزين، وذلك للالتفاف على هيكل أجور جامد يحصل بمقتضاه الموظف الإداري على مرتب يعادل مرتب مهندس الحفر في المياه العميقة.
ويخشى ولد قدور أن تؤدي زيادات مباشرة في الأجور للمهندسين إلى احتجاجات أوسع، بعد أن أضرب الأطباء والمهندسون عن العمل أشهر هذا العام للمطالبة بزيادات بنسب تعادل نسب التضخم.
وقال وزير سابق للطاقة ان على «سوناطراك» أن توسع أنشطتها الخارجية للاحتفاظ بأصحاب الأداء المتميز، إذ أن الأجور في هذه الأنشطة أفضل من أجور العاملين محليا.
وتعمل سوناطراك في النيجر. وقال مسؤولون إنها تجري مباحثات مع العراق وليبيا بهدف إبرام تعاقدات لأعمال استكشاف وتطوير.
وربما يتوقف نجاح ولد قدور على ما إذا كان الموظفون الجدد المحتملون يرون أن في إمكانه البقاء في منصبه، في بلد تشير فيه التغييرات المنتظمة في الأفراد إلى تحولات في النخبة التي تكتنفها السرية، وتتألف من الحزب الحاكم والجيش والمخابرات وكبار رجال الأعمال.
وخلال السنوات العشر الأخيرة تولى رئاسة سوناطراك عشرة رؤساء. كما أن ولد قدور نفسه قضى فترة في السجن قبل أن يتولى منصبه.
ماذا تفعل الجزائر لإنعاش قطاع الطاقة؟
تحاول الجزائر جذب المزيد من الاستثمارات إلى قطاع النفط والغاز الحيوي فيها. وفيما يلي بعض التطورات الرئيسية منذ أن تولى عبد المؤمن ولد قدور منصب الرئيس التنفيذي للشركة الحكومية سوناطراك في مارس/آذار 2017.
* حل قدور عددا من الخلافات مع شركات نفط كبرى من بينها «توتال» الفرنسية، و»إيني» الإيطالية، و»ريبسول» الإسبانية ،والتي كانت سببا في تعطيل استثمارات.
* في يناير /كانون الثاني، وقعت «سوناطراك» مذكرة تفاهم مع «شتات أويل» النرويجية و»بي.بي» البريطانية لتعزيز التعاون، خاصة في أنشطة التنقيب عن النفط.
* تخطط الحكومة منذ سنوات لقانون جديد للطاقة بهدف تقديم شروط أكثر تنافسية للمستثمرين. وتقول مصادر في «سوناطراك» ان من المفترض أن يكون مشروع القانون جاهزا بحلول نهاية عام 2018. ويقولون إنه بينما ستضاف مزايا ضريبية، فإن بندا يقيد الملكية الأجنبية للمشروعات الأجنبية عند 49 في المئة سيبقى على الأرجح.
* كانت «سوناطراك» تحاول التركيز على البتروكيميائيات لخفض فاتورة استيراد الـ»قود من خلال الاتفاق على شراء مصفاة أغوستا التابعة لشركة «إكسون موبيل» في إيطاليا مقابل 700 مليون دولار هذا العام. ووقعت الشركة في يناير/كانون الثاني اتفاقا مع «فيتول» المتخصصة في تجارة النفط لتبادل الخام مقابل المنتجات المكررة، في صفقة هي الأولى من نوعها. كما تناقش مشروعا لتجارة النفط.
* كما تخطط الشركة لتطوير الطاقة الشمسية من أجل السماح لها بتصدير المزيد من إنتاجها.
* وأطلق الرئيس التنفيذي لـ «سوناطراك» استراتيجية طويلة الأجل تهدف إلى تحقيق إيرادات إضافية بقيمة 67 مليار دولار بحلول عام 2030، وسيجري إعادة استثمار 50 في المئة منها. ولم يتم الكشف سوى عن القليل من التفاصيل الأخرى بشأن الخطة منذ ذلك الحين.
* وتمثلت نقطة تركيز أخرى في تعزيز احتياطيات الغاز الصخري لتعويض ارتفاع الاستهلاك المحلي من الغاز، والذي يؤدي إلى تآكل الصادرات. وعبرت «سوناطراك» عن أملها في أن توافق «إكسون موبيل» على التعاون في هذا المجال. وتملك الجزائر ثالث أكبر احتياطي من الغاز في العالم.
* وتحاول «سوناطراك» أيضا التوسع في الخارج، حيث تُجري مباحثات مع النيجر والعراق بشأن عقود استكشاف. لكن لم يتم الإعلان عن شيء مؤكد إلى الآن.