إذا لم تكن جائزة نوبل فعلى الأقل الأوسكار!

حجم الخط
0

ملايين السكان من شرق آسيا مروا في نهاية الاسبوع في تجربة تشبه التي مر بها إسرائيليون كثيرون عندما ظهر أنور السادات من باب طائرته في مطار بن غوريون في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1977. مثل الرئيس المصري المتوفى، ايضا الرئيس كيم جونغ أون اعتبر زعيما معتديا وخطيرا ومتطرفا إلى حين اجتاز بسهولة الاشارة الاسمنتية في المنطقة الفاصلة بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، وظهر فجأة معتدلا ومحبا للسلام، حتى لو أنه لم يثبت بعد أنه يستحق جائزة نوبل للسلام، فإن الطاغية من كوريا الشمالية بالتأكيد يستحق الاوسكار.
بيد أنه مثلما كان بين زيارة الرئيس السادات وبين التوقيع على اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر اشهر طويلة من المفاوضات الصعبة والمليئة بالازمات، هكذا ستكون طويلة الطريق إلى أن تتم تسوية النزاع الذي استمر 65 سنة بين الكوريتين. السادات بدّد في النهاية شكوك ومخاوف إسرائيليين كثيرين وأثبت تمسكه بإنهاء النزاع بين إسرائيل ومصر، لكن استعداد كيم لاجتياز الروبيكون ونزع سلاحه النووي ما زال بحاجة إلى الاثبات.
الخبراء أيضاً في هذه المرة شكاّكون جداً. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سارع إلى اعطاء نفسه كل الفضل على هذا الانقلاب، واسمه اصبح يذكر كمرشح لجائزة نوبل الثمينة. ايضا وزيرة الخارجية لكوريا الجنوبية، كانغ كونغ فضلت، كأمر تكتيكي دبلوماسي، التقليل من الدور المركزي الذي لعبه الرئيس مون جاي إن في تنظيم اللقاء وتعظيم دور ترامب. ولكن حتى لو أن التهديدات الفاضحة لترامب والعقوبات الشديدة والجديدة التي فرضت على بيونغ يانغ بمبادرة أمريكية هي التي دفعت كيم إلى القيام بعدة مشاهد مبهجة مع مون، فإن الوقت ما زال مبكرا لأن نقرر إذا كان هو الذي يدير أو يدار في الدراما الكورية. الاختبار الحقيقي للرئيس الأمريكي سيأتي عندما يعقد لقاءه المرتقب مع كيم، الذي حسب اقواله من المتوقع أن يجري في وقت قريب.
الخبراء والمحللون في الشؤون الكورية حذروا في نهاية الاسبوع من الانجرار. صحيح أن كيم عرف كيف يظهر كنموذج مبتسم ولطيف ومهذب ولديه تسريحة غريبة أضافت له بعداً طفولياً، غير ضار، لكنه بقي طاغية قاسياً يقمع شعبه ويشكل خطراً على سلام العالم كله. أصحاب الذاكرة القصيرة ربما نسوا، لكن اللقاء المبتسم مع نظيره من كوريا الجنوبية ليس اللقاء الاول، بل الثالث بين زعماء الدولتين الذي يجري منذ بداية القرن. اللقاءان السابقان اللذان رافقتهما ايضا تصريحات جارفة ووعود بعيدة المدى، انتهيا بخيبة أمل.
المشكلة ليست فقط في السجل المؤكد لحكام كوريا الشمالية في خرق الاتفاقات المتعلقة بمشروعهم النووي، أحياناً خلال أسابيع فقط بعد التوقيع عليها. مثل والده وجده من قبله، فإنه لدى كيم أيضاً العداء للغرب بشكل عام، وبناء ترسانة نووية بشكل خاص، تشكل لبنات اساسية للنظام الشامل الذي يعتمد عليه ومكانته الدولية. التسريع الكبير في برنامج الصواريخ البالستية لبيونغ يانغ والخوف المتزايد من قدرتها على أن تضرب مباشرة في قارة أمريكا الشمالية هي التي حولته إلى لاعب مركزي في الساحة الدولية. يمكنه ان يسمح لنفسه باللعب بالصياغات والتعهدات بخصوص المستقبل، لكنه يعرف أن تنازل حقيقي عن مشروعه النووي سيسحب منه القدرة على الردع التي أوصلته إلى هذه اللحظة، ومن شأنه أن يعرض للخطر استمرار حكمه. مشكوك فيه إذا كانت لديه نية، كما يقول الأمريكيون، لقص الغصن الذي يجلس عليه.
من الصعب ايضا التوفيق بين المقاربة المتسامحة لترامب مؤخراً تجاه دولة مثل كوريا الشمالية التي خرقت كل تعهد نووي وقعت عليه وبين مقاربته المتشددة تجاه إيران والتي كما هو معروف تنفذ بدقة كل القيود التي أخذتها على نفسها في الاتفاق النووي الذي وقعت عليه مع باراك أوباما في تموز/يوليو 2015.
كثيرون يعتقدون أنه بهذا يكمن كل الفرق: ترامب ببساطة يمقت سلفه، وأقسم أن يمحو كل تراثه بقدر استطاعته. في تحليل ماكس فيشر، الذي نشر في «نيويورك تايمز» أمس تمت الاشارة إلى أنه سيكون صعباً جداً على ترامب تجنيد حلفاء الولايات المتحدة من أجل دعم اتفاقاته مع كيم، إذا وجدت اتفاقات كهذه، في الوقت الذي يتجاهل فيه دعوتها لعدم الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. إن تذبذب ترامب وعدم ثباته ربما لعبا دوراً مركزياً في التغيير الذي حدث في المقاربة العلنية لكيم، لقد كان من الصعب عدم التأثر في نهاية الاسبوع من التناقض البارز بين الجو المبتسم والمثالي الذي بثه كيم لنظيره مون في اللقاء بينهما والذي تمت تغطيته اعلاميا على الخط الفاصل بين الكوريتين وبين الكآبة والمرارة التي رافقت لقاء ترامب مع المستشارة الالمانية انغيلا ميركل، الذي عقد تقريبا بموازاة ذلك في البيت الابيض. في حين أن الرئيس الفرنسي الذي سبق ميركل بيومين غلف معارضته لسياسة ترامب في الموضوع الإيراني وبشكل عام في ملاحقة غير خجولة للرئيس الأمريكي، فإن ميركل الجافة وجدت صعوبة في اخفاء الاشمئزاز ممن ما زال يعتبر رغم كل شيء زعيم العالم الحر. ترامب معروف أنه يشجع قادة أقوياء وذوي صلاحيات بدء من بوتين ومرورا بكيم وانتهاء برئيس الفلبين، لكنه يجد صعوبة في الحصول على ثقة ميركل حليفته والتي تعتبر الآن المسؤولة والعقلانية في الغرب.
في المؤتمر الصحافي المتوتر مع ميركل، فإن ترامب أيضاً أعلن عن احتمالية أن يأتي إلى إسرائيل للمشاركة في تدشين السفارة الأمريكية الجديدة في القدس. اقواله حول قدرته على التوصل إلى الصفقة النهائية بين إسرائيل والفلسطينيين اختفت في هذه الاثناء في ظل نفس التذبذب الذي قاده إلى تبني مقاربة احادية الجانب تؤيد إسرائيل، ابعدت الفلسطينيين عن طاولة التفاوض.
كل من يهمه مستقبل العالم يجب عليه التمني للرئيس الأمريكي النجاح في جهوده لتحييد القنبلة الموقوتة للترسانة النووية في كوريا الشمالية، لكن التفكير بأن نجاحه مؤكد، فإنه منذ الآن يعتبر مبالغاً فيه وسابقاً لأوانه. ترامب بالتأكيد يرى في احتمالية أن يفوز بجائزة نوبل مشاركة مع كيم كانتقام جميل، من سلفه اوباما، لكن الحصول على ميدالية الجائزة المنقوش عليها شعار «من اجل السلام والاخوة الإنسانية»، ما زال بعيداً.

هآرتس 29/4/2018

إذا لم تكن جائزة نوبل فعلى الأقل الأوسكار!
من المبالغ فيه التفكير باحتمالات قيام ترامب بتحييد القنبلة النووية الكورية
حيمي شليف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية