الناصرة ـ «القدس العربي»: فيما تصاعد الحديث في الأيام الأخيرة عن تهدئة توشك أن تنضج «على نار مصرية» مع غزة، واصلت إسرائيل استهداف القطاع بنار عن بعد وقتل المزيد من الفلسطينيين. وقبل ذلك تبادلت دولة الاحتلال النار مع حركة المقاومة الفلسطينية في القطاع انتهت بتهدئة غير معلنة من قبل الطرفين من نوع «هدوء مقابل هدوء».
وهذه المصطلحات «تسوية» و«هدنة» و«تهدئة» و«وقف النار» و «تعليق النار» وغيرها، مشتقة من النظرية الأم المعتمدة من قبل إسرائيل وتدعى «إدارة الصراع». إسرائيل خاصة في فترة حكم اليمين المتشدد بقيادة بنيامين نتنياهو غير راغبة في تسوية الصراع مع الفلسطينيين لعدة أسباب أهمها الطمع بمطابقة «أرض إسرائيل» مع «دولة إسرائيل» وبسلب معظم الضفة الغربية علاوة على تبعات أمنية سلبية تترتب على إنهاء الصراع بالنسبة لمستقبل إسرائيل ووحدة الإسرائيليين فيها. وهذا في رأي معلقين إسرائيليين ينطبق على غزة أيضا، حيث أن إسرائيل تعمل باهتمام كبير منذ الانقسام الدامي في2007 على تكريس سلطتين فلسطينيتين متناحرتين، واحدة في رام الله والثانية في غزة. ويندرج مسعاها لتكريس غزة منفصلة ككيان مستقل مع نظرية «إدارة الصراع» واستبعاد تسوية الدولتين والإجهاز على ما تبقى من احتمالات ضئيلة لتنفيذ اتفاق أوسلو المتعثر والموجود في حالة نزاع منذ سنوات. وفي الوقت نفسه إسرائيل غير معنية بتطور نظام سياسي متكامل ناجح وقوي في غزة خوفا من ازدياد قوة حماس، ولذا فهي معنية بما أسمته الإذاعة الإسرائيلية العامة على لسان مصدر أمني إسرائيلي بـ «تسوية مخففة» تبقي حماس في الحكم خوفا من بديل أسوأ بالنسبة لها وتحول دون انفجار «طنجرة الضغط» في وجه إسرائيل كما قال رئيس الجناح السياسي ـ الأمني السابق في وزارة الأمن الجنرال بالاحتياط عاموس غلعاد للقناة الإسرائيلية الأولى أمس.
ورفض غلعاد بعض الدعوات الإسرائيلية المطالبة باجتياح بري يسقط حماس، وقال متسائلا وماذا بعد؟ من يدير شؤون الماء والكهرباء والعمل والصحة وغيره لمليوني فلسطيني في القطاع؟ وتابع «سبق وأن طلبنا من مصر تولي المسؤولية عن إدارة الصراع لكنها رفضت، مثلما أن السلطة الفلسطينية غير معنية بالظروف الحالية لعب دور الشرطي في القطاع». ومن هذا الموقع يرى غلعاد أن الخيار الأفضل هو التوصل لتسوية تبادل فيها إسرائيل الهدوء لأطول مدة ممكنة بتخفيف الأزمة الإنسانية من خلال تيسير مساعدات وتحسين الأحوال الاقتصادية ـ الاجتماعية للقطاع.
وردا على سؤال أوضح، أنه لا يمكن التوصل لاتفاق حقيقي مع حركة حماس كونها حركة عقائدية ترفض في الواقع الاعتراف بإسرائيل وشرعية وجودها وتسعى لإبادتها في نهاية المطاف، معتبرا التهدئة غير الرسمية من خلال مصر هي أفضل الخيارات الممكنة أمام إسرائيل اليوم. في المقابل وعلى غرار ما تبقى من أوساط اليسار الصهيوني، يعتقد عدد كبير من المعلقين والباحثين الإسرائيليين أن «إدارة الصراع» عملية خطيرة وتنطوي على تهديد مستقبلي بالنسبة لإسرائيل لأنها ستفضي حتما لدولة ثنائية القومية ستكون في نهاية المطاف دولة عربية. ويرى هؤلاء أن استعادة اللحمة بين غزة ورام الله وإقامة دولة فلسطينية بحدود 1967 منزوعة السلاح مصلحة إسرائيلية عليا وهذا تصور يستخف به قادة اليمين، قادة الدولة اليهودية. وخارج الإجماع الصهيوني هناك بعض الأصوات القليلة التي تتهم إسرائيل بالتهرب من تسوية الصراع مع الفلسطينيين بل تحملها مسؤولية الأوضاع الأمنية المتوترة كما أكد المعلق الأبرز في القناة الإسرائيلية الثانية أمنون رابينوفيتش، الذي قال إن محاصرة القطاع من قبل إسرائيل ومشاركة مصر يعني بالضرورة الانزلاق نحو العنف. كما اتهم رابينوفيتش حكومة نتنياهو السابقة بالتسبب بحرب «الجرف الصامد» عام 2014 باعتقالها العشرات من الأسرى المحررين بخلاف نص وروح اتفاق تبادل الأسرى في صفقة «وعد الأحرار». حتى رئيس الحكومة ووزير الأمن الأسبق إيهود براك يرفض منطق إدارة الصراع ويعتبر، إدارة حكومة إسرائيل بقيادة نتنياهو لكل القضايا الخارجية والداخلية مخجلا. براك المتهم أحيانا بانتقاد نتنياهو لدوافع شخصية وحسابات غريبة يحذر من مخاطر عميقة وتبعات سلبية على المناعة القومية لاستمرار «حالة الاستنزاف» بين إسرائيل وغزة معتبرا أن تسوية الصراع بدلا من إدارته مصلحة إسرائيلية كبيرة.
لكن المعطيات على الأرض تكشف عن أن رفض تسوية الصراع مع الشعب الفلسطيني، بل حتى رفض التسوية الحقيقية مع حماس لا يقتصر على الحكومة بل أن أغلبية الإسرائيليين ترفض تهدئة مخففة مع حماس وتدعو لحسم عسكري. يظهر استطلاع للرأي أن 64 في المئة من الإسرائيليين غير راضين عن أداء رئيس حكومتهم، بنيامين نتنياهو، في مواجهة حركة المقاومة الإسلامية «حماس» خلال التصعيد الأخير على غزة قبل عدة أيام. الاستطلاع الذي نشرت صحيفة «معاريف» نتائجه يفيد أن الإسرائيليين ينقسمون حول أداء الحكومة، ولكن أغلبيتهم تريد عدوانا على غزة والتخلص من حركة حماس فيها. ويؤيد 48 في المئة من المستطلعة آراؤهم عملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة، فيما عبّر 41 في المئة منهم عن معارضتهم للإقدام على عملية مماثلة فيما قال 11 في المئة إنهم لم يبلورا وجهة نظر بهذا الشأن. وأظهر الاستطلاع أن 29 في المئة فقط من المستطلعة آراؤهم راضون عن الطريقة التي يدير من خلالها نتنياهو «الصراع» مع حماس ويتعامل من خلالها مع الأحداث في غزة، فيما قال 7 في المئة إنهم لم يشكلوا وجهة نظر بهذا الشأن. وتعتبر «معاريف» أن هذه المعطيات توضح أن الحكومة تحرض الرأي العام الإسرائيلي ضد حركة حماس وسكان القطاع وتعبئه، لكنها في المقابل تجري محادثات للتهدئة مع فصائل المقاومة في غزة، وهو ما يؤدي إلى تراجع في نسبة الراضين عن أدائها. وفي سياق متصل، اعتبرت القناة الثانية أن التصعيد العسكري الأخير الذي شهده قطاع غزة والطريقة التي أدار من خلالها نتنياهو ووزير الأمن في حكومته، أفيغدور ليبرمان، التصعيد، تشكل ضربة قاسية لمصداقيتهما أمام جمهور ناخبيهم والرأي العام الإسرائيلي.
وقال محررها السياسي عميت سيغال، إن الأمر واضح في ما يتعلق بنتنياهو «فهو يعلم جيدًا، حتى خلال أدائه في مواجهة الاحتجاجات الرافضة لقانون القومية وقانون تأجير الأرحام، أن الأمر الذي يؤثر على شعبيته بشكل مباشر وفعلي هو ما يحدث في غزة». وأشار إلى أن الحكومة الإسرائيلية لا تقول الحقيقة للإسرائيليين من ناحية أنها «غير مهتمة بالتصعيد»، واعتبر أن المعلومات التي تناقلتها وسائل الإعلام الإسرائيلية عن «مصدر سياسي» في الأيام الأخيرة ومفادها أن حركة حماس تكبدت خسائر قاسية، كانت تسريبات من حكومة نتنياهو في محاولة لـ«تبييض» صورتها أمام الرأي العام وامتصاص الغضب لدى الإسرائيليين. وتابع أن نتنياهو اعتمد على «قوته» في مواجهة «حماس» خلال حملاته الدعائية، قدم وعودًا بإسقاط الحركة وتدميرها، وذلك لم يظهر في الطريق التي يدير من خلالها «الصراع مع حماس». ورغم كل ذلك، اعتبر أن «لدى نتنياهو جماهيرية واسعة بإمكانه الاعتماد عليها لتخطي ذلك».
11HAD
وديع عواودة