إسرائيل تتجاوز السبعين عاماً

حجم الخط
0

إن إحدى المهام التي من المجدي تبنيها في العقد الجديد الذي بدأناه هي اقتلاع الاحساس بالآنية الذي لا يزال يعشعش في قلوب الكثيرين منا، عقلية «الغيتو» والحصار الذي لم يعد لها مكان في دولة قوية إبنة سبعين عاماً. أتفاجأ كل مرة من جديد لرؤية كيف أن كل تهديد عليل يطلقه أحد الجيران ينجح في إدخال الكثير من الإسرائيليين في حالة هلع وجودي. بالفعل، منذ اليوم الاول من العقد الثامن لنا سنعنى بتحديات الامن، ولكننا سنعنى بها من موقف قوة عظمى تردع بنجاعة كل الجيران وقادرة على تصميم الواقع الذي من حولنا.
الجيران من الجنوب سيواصلون إشغالنا بتظاهرات نهايات الاسبوع القريبة. ولكن تحدي هذه الايام هو الحفاظ على حالة التوافق التي خلقناها مع جارتنا الجديدة ـ روسيا، وردع من يصر على ان يكون جاراً ـ إيران. فالمعركة مع الإيرانيين، التي دارت على مدى السنين في الظلام وبواسطة مبعوثين أصبحت مباشرة وهذا حدث ينبغي أن يقلق الإيرانيين اكثر مما يقلقنا.
موجز الفصول السابقة: في ايلول/سبتمبر الماضي زعم ان إسرائيل هاجمت مصنعا لتركيب الصواريخ الدقيقة الذي اقامته إيران في المصايف في سوريا. فبعد ثلاثة أشهر من ذلك علم أن إسرائيل دمرت أيضاً قاعدة أقامها الإيرانيون في قيسون في جنوب دمشق، والتي كان يفترض بها ان تكون القيادة وتنزل فيها قوات الحرس الثوري. أقر الإيرانيون الرد وفي شباط/فبراير أطلقوا طائرة مسيرة نحو إسرائيل، سمح الان بالنشر بأنها كانت مسلحة. ظاهراً، هذه طريقة عمل جد غير مميزة للإيرانيين، الذين يخافون المواجهة المباشرة مع إسرائيل. وعليه يمكن الافتراض بأن الطائرة المسيرة التي بعث بها الإيرانيون تستهدف تنفيذ هجوم من دون الاعلان عنه: اطلاق صاروخ نحو هدف إسرائيلي عسكري، مرغوب فيه ألا يكون مأهولاً كي لا يتسبب باصابات، والعودة بهدوء إلى سوريا. كما أراد الإيرانيون الاشارة إلى أنهم هم ايضا قادرون على الهجوم في اراضي إسرائيل من دون ترك بصمات. ولكن هذه العملية انكشفت وانتهت بهجوم إسرائيلي على منصة التحكم في مطار «تي فور». هذا، وليس الهجوم الذي نفذ هذا الشهر، كان المرة الاولى التي تنفذ فيها إسرائيل عملية عسكرية علنية ضد هدف إيراني مأهول.
هذا لن يردع الإيرانيين من مواصلة إقامة منظومة الطائرات المسيرة، مسنودة بقدرات دفاعية جوية في القاعدة السورية «تي فور». وقبل اسبوعين دمرت إسرائيل، وفق التقارير من سوريا، هذه المنظومة، ببناها التحتية وبرجالها. «تي فور» هي قاعدة ينزل فيها سوريون، روس وإيرانيون. ومن الصور التي نشرت من المطار المقصوف واضح انه تم استخدام ذخائرة صغيرة، موضعية، عرفت بالضبط أي مخزن يتوجب اختراقه.
ركامات من التحليلات كتبت عن مقال توماس فريدمان في «نيويورك تايمز» الذي اقتبس اعترافا إسرائيليا بالهجوم والذي شطب بعد ذلك. ولكن يبدو أن الحقيقة البسيطة هي أن فريدمان، الذي تلقى استعراضا في إسرائيل، ببساطة حطم قواعد عدم الاقتباس. وهكذا فإن كبار رجالات الـ «نيويورك تايمز» يخرقون القواعد أحياناً.
لقد تكبد الإيرانيون سبعة قتلى في هذا الهجوم وصعب عليهم التجلد. قاسم سليماني، قائد قوة القدس، سارع للوصول إلى دمشق بعد ساعات من الهجوم. وفي هذه الايام يحاول أن يخطط ما يمكن أن يعتبر رداً متوازناً لا يثير عليهم غضب إسرائيل. من سارع إلى الدخول إلى الملجأ في أعقاب تصريحات علي شيرازي بأن إيران ستبيد تل ابيب وحيفا، مدعو للخروج وتنفس الصعداء، فليست لديهم هذه القدرة.
إن التصريحات التي صدرت عن لبنان، من حسن نصرالله، عبر نائبه نعيم قاسم وحتى بوقه الصحافي ابراهيم الأمين، أوضحت أيضاً بأن ليست لإيران أية مصلحة بتفعيل حزب الله في ردها والمخاطرة بحرب في لبنان. وعليه فيبدو ان الرد الإيراني سيأتي من الاراضي السورية. وستبحث إيران عن رد يكون متوازياً: المس بجنود الجيش الإسرائيلي في الشمال وعلى نحو شبه مؤكد من خلال مبعوث، ولكن بشدة ستعرف إسرائيل كيف تحسمها. صلية صواريخ على قاعدة إسرائيلية، عبوة قرب الجدار أو نار مضادة للدبابات نحو قوات الجيش الإسرائيلي في الجولان. وقد أوضح رئيس الوزراء ووزير الدفاع بأننا لن نحتوي أي شكل من الرد يعقد المعضلة لهم.
وبالتوازي، شرعت إسرائيل في معركة وعي حين كشفت النقاب عن أعمال القوة الجوية للحرس الثوري في إيران وفي سوريا. وجاء الكشف للايضاح لسليماني، لقائد قوته في سوريا سعد إزري ورجالهم بأنهم مكشوفون من ناحية إسرائيل وسيدفعون ثمنا على كل عمل. ولكن ليس أقل من ذلك جاء النشر أيضاً لعيون الكرملين ولبشار الأسد. والرسالة هي ان التواجد الإيراني يعرقل المساعي الروسية لاعادة تثبيت دولة شرعية في المكان الذي كانته سوريا.

تذكير من الغرب

يتطلع فلاديمير بوتين لأن يؤسس في سوريا المستعمرة الروسية الأولى (منذ الحرب الباردة) خارج مناطق نفوذه القريبة. وهو يخطط لإعادة بناء الدولة المدمرة بواسطة شركات روسية، الحصول على شرعية دولية لمواصلة حكم الأسد، لتثبيت مكانة روسيا كقوة عظمى تتواجد في الشرق الاوسط وعلى الطريق كسب بعض المال أيضاً. أما الجهد الإسرائيلي فهو للايضاح له بأن الشراكة مع الإيرانيين ستمس بهذه المصلحة.
بعد الهجوم في «تي فور» امتشق الروس بطاقة صفراء لإسرائيل وحذروا من ان العمليات العسكرية هناك هي «تطور خطير». فالهجمات المتواترة لسلاح الجو في سوريا وحقيقة ان إسرائيل تعمل في سوريا كما تشاء تضعضع الجهد الروسي لتثبيت دولة سيادية هناك. فقد مل الروس هذه الهجمات، وهم أيضاً، في هذه الايام، يعيدون احتساب المسار. لروسيا قدرة على المس الشديد بحرية عمل سلاح الجو، ولكن ليست لها رغبة في ذلك. خيراً فعلت إسرائيل إذ ذكّرت الروس في الايام الاخيرة بأنها إذا اختارت يمكنها أن تمحو نظاماً.
كما أن الهجوم الأمريكي ذكرتهم بهذا ايضا. فقد كان محدودا، وخسارة ان هكذا، ولكن 110 صواريخ نزلت على سوريا، رغم التواجد الروسي هناك، شكّلت تذكيراً بأن الغرب أيضاً يمكنه أن يمحو نظام الأسد من على وجه الارض. بوتين ليس صديقا لإسرائيل، وهو يتعاون مع أسوأ أعدائنا. ولكن ليست له أية مصلحة للمواجهة مع إسرائيل، التي تعتبر في نظره القوة الأهم في المنطقة، وعليه فإسرائيل أيضاً ينبغي أن تحذر ألا تجعله عدواً.
تعمل الساحة الأمنية والسياسية هذه الأيام على حفظ علاقات الاحترام المتبادل مع روسيا. فالطيارون الإسرائيليون قاتلوا في حرب الاستنزاف أمام الطيارين الروس. ولكن ليست لنا أية مصلحة لاستئناف تلك الايام. والرسالة لموسكو هي أنه إذا خرج الإيرانيون وتوقفت إرساليات السلاح إلى حزب الله لن يكون لإسرائيل سبب لمواصلة العمل في سوريا.
لقد أخطأنا حين لم نعمل على تصفية الأسد قبل سنين، قبل ان يدخل الروس إلى سوريا. والأسد يجمع اليوم في هذه الارض الاقليمية كل القوى المعادية حيالنا. لقد كان عاموس يادلين أول من اشار إلى ذلك، ولكن إسرائيل أصرت على الالتصاق بسياسة عدم التدخل في الحرب في سوريا. أما اليوم فمحظور قبوله كحقيقة ناجزة ويجب مواصلة الايضاح له ولشركائه بأن حكمه يمكن أن يمحى بقرار في لحظة.
في الخلفية ينبغي ان نتذكر بأن الإيرانيين قلقون بقدر لا يقل من أمور أخرى أيضاً. فعملتهم استكملت هبوطا بمعدل 30 في المئة من بداية السنة، ما هو كفيل بأن يصعد مرة أخرى الاعتراضات الداخلية ولكن أيضاً يشجع النظام على توجيه الاهتمام بإسرائيل. تقف إيران أمام فترة من الضعف: زعيمها الاعلى خامنئي لن يطول زمنه وكل من سيحتل مكانه لن يتمتع بهالة الرجل الذي يسيطر بلا قيود في إيران منذ نحو 30 سنة. بعد موته ستفتح مرة أخرى نافذة فرص لتحقيق التغيير في المجتمع الإيراني.

معاريف 20/4/2018

إسرائيل تتجاوز السبعين عاماً
مع دخولها العقد الثامن يجب أن تسلّم بكونها قوة عظمى وتكف عن قلقها الوجودي
ألون بن دافيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية