إسرائيل تزحف نحو الساحة السورية

حجم الخط
0

«نحن نعمل بالتنسيق مع الاردن، ونعمل ايضا مع إسرائيل ولا نخفي عنكم أي شيء»، هذا ما قاله وزير الدفاع الروسي سرجي شويغو لاعضاء مجلس الدوما في نهاية شهر أيار. واشار شويغو ايضا إلى المحادثات التي جرت بينه وبين وزير الدفاع الإسرائيلي افيغدور ليبرمان، حيث يوجد اتصال هاتفي دائم بينهما. وتقول وسائل الاعلام العربية إن هناك اتصال دائم بين طياري سلاح الجو الروسي ومراقبو سلاح الجو الإسرائيلي الذين يقومون بتنسيق الطلعات الجوية، مثلما أن إسرائيل تقوم بتنسيق نشاطها الجوي في سوريا مع القيادة الروسية.
وتشمل النشاطات الإسرائيلية مساعدات انسانية وعسكرية تقدمها إسرائيل للمليشيات التي تعمل في هضبة الجولان السورية وفي منطقة درعا في جنوب سوريا. وتجري في درعا في الاسابيع الاخيرة معركة كثيفة من اجل تقدم الجيش السوري اضافة إلى مليشيات شيعية وحزب الله، التي تعمل برعاية ايرانية من اجل قمع نشاط المتمردين. هذا النشاط يوجد في اساس محادثات التنسيق بين الاردن وروسيا والولايات المتحدة والسعودية. وفي بعض المحادثات التي جرت في الاردن كان هناك ممثلون عن إسرائيل، وفي بعض الحالات كان التنسيق هاتفيا أو من خلال مبعوثين وصلوا إلى إسرائيل.
المعركة في درعا هي جزء من خطة انشاء مناطق «قليلة التصعيد»، وهي تشبه المناطق الامنية التي يمنع فيها طيران سلاح الجو السوري مع وقف اطلاق النار بين الاطراف، واللاجئون السوريون يمكنهم التواجد فيها بدون خوف.
في الشهر الماضي تم الاتفاق على اقامة اربع مناطق كهذه، لكن التفاصيل التقنية هي التي تؤخر اقامتها، ولا سيما عدم الاتفاق على ثلاثة مواضيع: رسم حدود هذه المناطق، هوية المراقبين الذين سيديرون المناطق الامنية وضمان المعابر بين المناطق.
إسرائيل التي اوضحت لروسيا بأنها توافق على مشاركة المليشيات الشيعية في الرقابة على المنطقة الامنية الجنوبية في محيط مدينة درعا، وجدت بالاردن وواشنطن حلفاء قاموا بالضغط على روسيا من اجل الموافقة على هذا الطلب والموافقة على نشر قوات روسية كجزء من حماية المنطقة الجنوبية.
الفرضية هي أن روسيا التي وعدت إسرائيل بمنع دخول القوات الموالية لايران، وفهمت المعارضة الصامتة للولايات المتحدة، ستوافق ولو بشكل مؤقت على عدم تدخل الجيش السوري في الرقابة على هذه المناطق. وبهذا الشكل قامت روسيا بتحييد طلبات تركيا وايران في المشاركة في الرقابة في هذه المنطقة على الاقل، لكن لم يتم التوصل بعد إلى اتفاق حول الرقابة على باقي المناطق.
وهددت تركيا بأنه اذا لم يتم التوصل إلى تفاق حول الرقابة فانها ستقيم منطقة امنية في محيط مدينة ادلب، التي تتركز فيها معظم قوات المتمردين لمنع سيطرة الاكراد السوريين على منطقة الشمال.
وايران من ناحيتها تخلت عن طلب المشاركة بشكل مباشر، أو من خلال المليشيات التي برعايتها. ويبدو أنه في منطقة درعا على الاقل تستطيع إسرائيل أن تكون غير قلقة. ولكن هذا لا يعني انتهاء القلق لدى الاردن وإسرائيل.

اللقاء في استانا

اقامة المناطق الامنية هي جزء واحد فقط، في عملية طويلة ستبدأ في بداية تموز، عندها سيجتمع في أستانا عاصمة كازاخستان ممثلو روسيا وتركيا وايران لرسم خرائط المناطق الامنية. في هذا الاجتماع لا يوجد مكان لإسرائيل والولايات المتحدة، ونتائجه ستتحدد بناء على استعداد ايران وتركيا الاتفاق فيما بينهما، خاصة حول خط العبور إلى المناطق الامنية. وواضح لجميع الاطراف أن السيطرة على المعابر ستحدد مصير المناطق الامنية التي ستكون ملجأ آمن للاجئين، وترتيبات نقل المساعدات الانسانية وامكانية ضم مناطق اخرى تسيطر عليها قوات النظام أو المتمردين في سوريا. اذا توصلت الاطراف إلى اتفاق فان النقاش سينتقل إلى القمة الاولى من نوعها بين الرئيس بوتين والرئيس ترامب، التي ستعقد في هامبورغ في 7 ـ 8 تموز/يوليو القادم.
حتى الآن لم تطرح الادارة الأمريكية خطة لانهاء الازمة السورية. وليس واضحا إلى أي درجة سيؤثر تدهور العلاقة بين الرئيسين على قدرة التوصل إلى تفاهم حول مستقبل سوريا. ومع ذلك يوجد لروسيا شركاء هامين في الموقف حول مستقبل سوريا. في السنة الماضية اقتربت تركيا من المواقف الروسية بخصوص مستقبل بشار الاسد، وهي لم تعد تعارض استمرار بقائه في الحكم، على الاقل في الفترة الانتقالية، إلى أن تقوم في سوريا حكومة جديدة وانتخابات. في هذا الاسبوع انضمت فرنسا بشكل مفاجيء إلى موقف روسيا وايران، حيث أوضح الرئيس مكرون بأنه لا يرى حاليا أي بديل للاسد قادر على عدم تحويل سوريا إلى دولة فاشلة. وفي ظل غياب الموقف الأمريكي الحاسم فان الفرضية هي أن ترامب لا يهمه من الذي سيقف على رأس النظام السوري طالما أنه يتعاون في محاربة داعش، حتى لو كان الثمن زيادة مكانة ايران في سوريا، شريطة أن تبقى الحدود بين إسرائيل وسوريا بدون الايرانيين وحلفائهم.
من المهم بالنسبة لترامب استئناف التعاون الجوي بين الولايات المتحدة وروسيا، الذي بدونه قد تحدث مواجهة عسكرية بين الطائرات الأمريكية والروسية، على ضوء التهديد الروسي باعتبار كل طائرة تحلق غرب الفرات أنها طائرة معادية. اذا نجح الرئيسان في التوصل إلى تفاهمات جديدة في هذا الشأن، فقد تمهد الطريق لاجتماع آخر في جنيف يلتقي فيه ممثلو النظام السوري مع ممثلي المتمردين للسير في العملية السياسية. هذه ستكون الجولة السابعة من المحادثات بين الاطراف، وهي لا تضمن النجاح على ضوء الخلافات الداخلية بين المليشيات.

حي سوري على كوكب المريخ

الطموح بعيد المدى لمؤتمر جنيف هو التوصل إلى وقف شامل لاطلاق النار، يتم في اعقابه تشكيل حكومة جديدة تُعد للانتخابات وتعمل على وضع دستور جديد يغير شكل النظام في سوريا. وفي الوقت الحالي يبدو أن امكانية اقامة حي بشري على كوكب المريخ أقرب من تحقيق الاهداف السياسية في سوريا.
هنا تكمن أهمية «التجربة» التي سيتم فيها اقامة منطقة آمنة حول درعا. ففي درعا ستقاس قدرة روسيا على الوفاء بتعهداتها بمنع دخول المليشيات السورية وجيش النظام السوري والسماح بحياة «قليلة التصعيد» في هذه المنطقة. ولكن ليس روسيا فقط هي التي ستخضع للاختبار. ففي منطقة درعا هناك نوعان من المليشيات. النوع الاول تدعمه «غرفة العمليات» الاردنية، بمشاركة الولايات المتحدة والسعودية والاردن، التي تقوم بتسليح وتدريب وتمويل بعض المليشيات، ومن ضمنها الجيش السوري الحر. والنوع الثاني يسمى «البنيان المرصوص»، وهذا تعبيرا قام النبي محمد باستخدامه من اجل وصف وحدة وتصميم المقاتلين في سبيل الله. وهذا النوع يشمل عدد من المليشيات، منها وحدات من جيش سوريا الحر ووحدات من منظمات اسلامية راديكالية كبيرة مثل احرار الشام وجيش الاسلام وسلطة تحرير الشام، الذي هو الاسم الجديد لجبهة النصرة التابعة للقاعدة. هذه المنظمات لا تعتبر نفسها ملزمة بأوامر «غرفة العمليات» في الاردن، وهي تقوم بتنفيذ عمليات مستقلة للحفاظ على قوتها ومكانتها في مدينة درعا ومحيطها. واحيانا من خلال التصادم مع قوات المليشيات الاخرى. بعض هذه المنظمات غير مشاركة في تحالف منظمات المتمردين المعترف بها من القوى العظمى كممثل شرعي للمعارضة. لهذا لم تشارك في اللقاءات التي جرت في السابق أو التي ستجري في تموز. لهذا ليس هناك ضمانة باعتراف هذه المليشيات بما سيتم الاتفاق عليه في أستانا أو في جنيف.
هناك احتمال أن تقوم هذه المليشيات بفتح جبهة ضد قوات الرقابة الروسية، الامر الذي قد يؤدي إلى معركة عسكرية تشعل الحدود بين سوريا والاردن وإسرائيل.
في سيناريو متطرف ستكون هذه الحدود أسيرة المعارك في جنوب سوريا بشكل لا يسمح لإسرائيل أو الاردن بالرد العسكري، طالما استمرت القوات الروسية بالعمل في هذه الجبهة. وقد تتحطم استراتيجية إسرائيل التي اعتمدت حتى الآن على التعاون الهاديء والسوري مع بعض المليشيات. كان هدف التعاون هو متابعة ومنع دخول مليشيات موالية لايران إلى المنطقة. واذا ما دخلت المليشيات في مواجهة مع روسيا فان إسرائيل ستضطر إلى التمسك بالتعاون مع روسيا على حساب التعاون مع المليشيات «التابعة لها».
إسرائيل التي تبنت في البداية الحرب الاهلية في سوريا، كان موقفها الحاسم هو عدم التدخل في الحرب السورية، باستثناء قصف مخازن أو قوافل السلاح التي ترسل لحزب الله، وهي الان تجد نفسها تزحف إلى داخل الساحة السورية، ليس فقط بشكل تكتيكي من اجل الحفاظ على العلاقة وجمع المعلومات حول ما يحدث في الجانب السوري من الحدود الشمالية. مشاركة إسرائيل في تنسيق العمليات في الاردن والحوار العسكري الذي تديره مع روسيا والضمانات التي تطلبها من روسيا ومن الولايات المتحدة لمنع دخول القوات الايرانية إلى منطقة الحدود، جعلتها شريكة في عملية اتخاذ القرارات الاستراتيجية في هذه الحرب.

هآرتس 23/6/2017

إسرائيل تزحف نحو الساحة السورية
المشاركة في تنسيق المعركة في منطقة درعا والحوار العسكري مع روسيا تجعلنا شركاء في سوريا
تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية