إسرائيل تسعى إلى إندثار إحدى العجائب السبع

حجم الخط
3

الناصر- «القدس العربي»: منذ نشوئها زعمت الصهيونية أنها حولّت فلسطين من صحارى وقفار الى حدائق خضراء، لكن الحقائق على الأرض تقول إنها تسببت بنتائج معاكسة في عدة مواقع كما تشهد حالة البحر الميت اليوم. يؤكد باحث إسرائيلي أن منسوب البحر الميت ينخفض بوتيرة عالية ويتجه نحو الجفاف وتنقرض كائنات حية بسبب ما تقوم به إسرائيل منذ سنوات.
ويوضح العالم الرئيسي في سلطة حماية الطبيعة د. يهوشع شكادي أن إسرائيل ارتكبت ذنبا لا يغفر بحق البحر الميت عبر سياساتها لتحوّله من إحدى العجائب السبع الى خراب. قبل 40 عاما فقط كان ساحل البحر الميت الشرقي يبلغ حد الشارع الرئيسي من أريحا إلى منطقة وادي عربة أما اليوم فيكاد المارة في مناطقه الشمالية والوسطى لا يرونه عبر نوافذ مراكبهم نتيجة تراجع مياهه فمنسوبه ينخفض مترا كل عام.
ويشير الباحث سلسلة أسباب خلف اغتيال البحر الميت أبرزها ضخ مياه نهري الأردن واليرموك والينابيع المحيطة لاستغلالها للري والشرب وحرمانه من أهم المصادر التي تغذيه بالماء، إضافة الى ضخ كميات هائلة من مياه البحر الميت نفسه والتي تتبخر خلال عمليات استخراج البوتاس. كما يشير لدور محدود لمصانع البحر الميت في الجانب الأردني علاوة على شح الأمطار. لكنه يعتبر ذلك سببا هامشيا ويتابع «ما يؤدي لجفاف البحر الميت هو الإنسان لا الطبيعة». ويتوقع الباحث ان يتقلص البحر نتيجة لانخفاض منسوب مياهه وان تتعرض منطقة الينابيع المحيطة به متحولة من أماكن خضراء تعج بحيوانات وطيور ونباتات لبلاد قاحلة خربة ومالحة. والحل في رأي الباحث الإسرائيلي يكمن في وقف ضخ المياه من البحر الميت ومصادر المياه المغذية له. لكنه يستبعد القيام بذلك في الواقع لعدم وجود بديل للمياه حاليا. ويرجح أن إنقاذ البحر الميت ممكن من خلال تزويده من مصادر أخرى كمياه البحر الأحمر، لكنه يستبعد أيضا إمكانية تحقيق هذه الفكرة.
ويتابع «ما تبقى لنا هو تقليص استغلال مياه الينابيع المجاورة في شرق صحراء الخليل للمحافظة على محميات طبيعية وعلى الكائنات الحية في محيط شمال البحر الميت وذلك من خلال بناء مجمعات مياه لكن هذا لن يسعف البحر الميت بل يمده بوجبة أوكسجين قد تديمه لمدة 20 عاما فقط».
ويحذر جغرافي فلسطيني من تفاقم مخاطر فناء البحر الميت نتيجة تبخر المياه المتدفقة وسرقتها من قبل إسرائيل. ويؤكد د. شكري عراف أقوال شكادي بأن منسوب البحر الميت ينخفض بمعدل أكثر من متر واحد في العام نتيجة سيطرة إسرائيل على مياه نهر الأردن والآبار الجوفية التي طالما كانت مصادر تغذيه بالحياة. ويقول أن سلطات الاحتلال تضخ اليوم نحو مليار متر مكعب ماء من نهر الأردن والآبار ومنابع الأودية المحيطة بالبحر الميت والتي كانت تصب أغلبيتها فيه. منوها الى أن إسرائيل تستغل هذه المياه لأغراض الزراعة والصناعة علاوة على ما تقوم به من تبخير لمياهه من أجل الحصول على الأملاح. ويضيف «سينجو البحر الميت إذا ما توقفت إسرائيل عن نهب مياهه الطبيعية الوافدة له أو ربطه بقناة البحار مع البحر الأبيض المتوسط أو مع البحر الأحمر كما يقترح مشروع أردني».
وقد وصلت نسبة المياه المحجوزة والمحولة عن البحر الميت الى حوالي 90٪ من مصادره، كما قامت إسرائيل بحفر ما يزيد عن 100 بئر غائرة لسحب المياه الجوفية من المناطق القريبة التي تغذي أيضاً هذا البحر الذي يعيش حال النزع الأخير.
والبحر الميت كما جاء في كتاب «جغرافية فلسطين» هو عبارة عن بحيرة فاصلة للوادي المتصدع الأردني الذي يقع على حد نهر الأردن المتدفق من الشمال لوادي «عربة» جنوبا، ويتكون من حوضين: الشمالي الذي يبلغ عمقه 320 مترًا حسب آخر قياس عام 1997، والجنوبي الضحل الذي بدأ يتراجع منذ عام 1987، ويفصل بين الحوضين شبه جزيرة ليسان ومضايق الموت التي فيها تل من الطمي، يبلغ ارتفاعه 400 متر تحت سطح البحر. ويُعتبر البحر الميت أكثر المسطحات المائية ملوحة على مستوى العالم؛ حيث يصل تركيز الأملاح فيه إلى 32٪، في حين تصل إلى 3٪ في البحار الأخرى، وينفرد بتركيبه الأيوني، كما أن الوزن النوعي لمياهه يبلغ متوسطا عاما 206.1 جم/سم مكعب، وهذا سر طفو الأجسام فوقه بشكل واضح.
وإزاء تقلص البحر الميت بشكل متسارع تعرضت منطقة الفنادق الإسرائيلية لمشاكل جدية جراء تباعدها عن شطآنه سنة بعد سنة إضافة لانتشار ظاهرة البالوعات في المنطقة حيث تتهاوى الأرض وتبتلع البشر والمراكب والمباني فجأة. وفي الجانب الفلسطيني للبحر الميت-الغربي- ترى لافتات مثبتة بوسط اليابسة كانت ثبتتها السلطات الإسرائيلية وهي تثير دهشة وابتسامة الناظر لها فهي تحذر من الخطر!

قناة البحرين

ويعرف البحر الميت الذي لا تعيش في مياهه الكائنات البحرية ويقع في منطقة مرتفعة الحرارة ببحر الملح وبحيرة لوط.
ولأملاحه وأجوائه خواص علاجية وتجميلية عديدة. ويشارك الأردن أيضا منذ سنوات في الدراسات والمداولات لإنقاذ البحر الميت الذي يشكل نقطة جذب سياحية حيوية جدا بالنسبة له وربما بواسطة «قناة البحرين» التي ستربطه بالبحر الأحمر وهناك مقترح بربطه بالمتوسط في الوقت نفسه وهذا ما يعارضه الفلسطينيون ومصر.
في المقابل يحذر باحثون من فشل هذه الخطة لأن قناة البحار لن تبقي مميزات البحر الميت الحالية وذلك لإختلاف الطبيعة الكيميائية لمياه البحر الأحمر عن البحر الميت التي قد تحول لون البحر الميت وتؤدي لاضمحلال نسبة ملوحته.
ويشار الى أنه خلال انعقاد مؤتمر في جوهانسبرغ 2002 خُصصت جلسة لمناقشة ما وصل إليه حال البحر الميت -الذي يرى البعض أن موته أصبح حتميًّا- نوقش خلالها المقترح الأردني لإنقاذه عن طريق ما يسمى بقناة البحرين لتزويده بالمياه من البحر الأحمر وذلك لإيقاف إنخفاض منسوب المياه في الميت بشكل واضح والذي قد يؤدي إلى جفافه عام 2050. وقد اتفق الجانبان الإسرائيلي والأردني على المشروع لولا الإعلان عن تأجيل طرح الموضوع من قِبل الأردن لأسباب سياسية تتعلق بالعدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية ومعارضة بعض الدول العربية لهذا المشروع وخاصة مصر والفلسطينيين.

مشروع الإنقاذ.. قد يقتل الميت !

والمشروع الذي يطرح كل مرة من جديد يشمل مرحلتين: الأولى ربط البحر الأحمر بالبحر الميت من خلال أنبوب للمياه على طول 180 كيلومترًا يمر بالأراضي الأردنية. والثاني يتم من خلالها إنشاء محطات توليد طاقة كهربائية بالمياه التي ستأتـي مندفعة من البحر الأحمر إلى البحر الميت، والتي ستوزع على المناطق القريبة، وأيضا إقامة محطات تحلية للمياه بطاقة تصل إلى 850 مترا مكعبا سنويّا، ومن المتوقع أن يستمر المشروع بين 10 إلى 15 عاما في حال البدء به، وتصل تكلفته إلى 800-900 مليون دولار. وقد طرحت سابقًا عدة مشروعات أردنية وإسرائيلية، كان أحدها أردنيا يقترح إقامة قناة مفتوحة بطول 350 كيلومترا بين البحرين، لكن التكاليف كانت هي العقبة الأساسية حيث وصلت إلى 3 مليارات دولار.
ويبرر الأردن تحمسه الشديد للمقترح الجديد رغم الشراكة الإسرائيلية، بشعوره بالخطر الذي يحيق بالبحر الميت، وأن القناة ستكون في الأراضي الأردنية؛ مما يجعلها في مأمن من الأطماع الإسرائيلية وإمكانية إقامة فتحات في الأنابيب لإحياء بعض المناطق.
وينوه عراّف أن المشروع المذكور يواجه انتقادات عديدة سياسية وعلمية؛ فالعلماء أيضا متخوفون من فشل التجربة؛ مما يعني عدم الإبقاء على مميزات البحر الميت الحالية؛ وذلك لاختلاف الطبيعة الكيميائية لمياه البحر الأحمر عن البحر الميت التي قد تصل إلى حد أن يتحول لون البحر الميت من الأزرق الصافي إلى الأبيض الحليبي أو حتى الى الوردي. هذا إضافة إلى ما يعانيه البحر الأحمر أيضًا من مشاكل بسبب التلوث لعبت إسرائيل دوراً فيه، كما ستتأثر نسبة الملوحة في البحر الميت بعد اختلاطها بمياه البحر الأحمر ذات نسبة الملوحة الأقل.

التسمية

ويختلف المؤرخون حول سبب تسميته بالميت؛ فمنهم من ينسب ذلك لإنعدام أمواجه، ومنهم من يرى أنه بسبب موت الكائنات البحرية؛ حيث لا يعيش فيه سوى الميكروبات والبكتريا التي يمكنها تحمل نسبة الملوحة العالية، ولا تسقط الأمطار عليه إلا بنسبة قليلة جدًّا تصل إلى 90 مم سنويا فقط؛ لذا فهو يعتبر من المناطق القاحلة، هذا إلى جانب درجة عالية من التبخر تصل إلى ما بين 1300 إلى 1600 مم، حيث إن ازدياد درجة الملوحة على سطح البحر الميت كلما ارتفعت درجة الحرارة يزيد من عملية التبخر.
وفي المصادر التاريخية العربية والاجنبية، يلفت عرّاف إلى أنه وردت للبحر الميت أسماء كثيرة منها البحر المالح وبحر الصحراء والبحر الشرقي وبحر ســدوم وبحـــر الحمر والبحر الكافر والبحيرة المقلوبة وبحيرة لوط والبحيرة المنتنة وبحيرة سدوم وعمورة.

نعم البحر الميت

لأملاح البحر الميت تأثيرات علاجية وتجميلية عديدة.. حيث يأتي السياح من مختلف أنحاء العالم للإستشفاء في هذه المنطقة، فالعلماء والخبراء يقولون إن ماء وهواء وشمس البحر الميت هي العلاج الحقيقي والطبيعي للأمراض الجلدية، حيث تحمل خواص لا تتوافر في الكون إلا في أرض البحر الميت، فانخفاض مستوى سطحه عن سطح البحر يوفر أعلى نسبة أوكسجين، والحرارة المرتفعة تزيد التبخر فيبقى الجو مشبعاً بأملاح الماغنسيوم والبروميد والكالسيوم وغيرها من العناصر؛ مما يؤدي إلى المساعدة في علاج الأمراض الجلدية والأوردة الدموية وغيرها من الأمراض مثل الصدفية، كما أن نسبة الرطوبة منخفضة حيث لا تتجاوز 5 ٪ وهي من الميزات التي تساعد في العلاج.
وتستخدم أملاح البحر الميت في إنتاج مستحضرات التجميل، حيث أنشئت عشرات المصانع على الجانبين الأردني والإسرائيلي لعمليات استخراج هذه الأملاح وتصديرها، إضافة إلى وجود نباتات البحر الميت التي تستخدم هي الأخرى في مستحضرات التجميل.

وديع عواودة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية