يكشف تشكيل زعيم حزب الليكود الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ائتلافاً حكومياً جديداً (قبل ساعة و43 دقيقة من انتهاء مهلة الـ42 يوماً التي يحددها قانون الدولة الإسرائيلية لتشكيل حكومة) عن عدة وقائع يجب أخذها في الاعتبار لتحليل سياسة حكومته المقبلة واتخاذ القرارات المناسبة لمواجهتها، فلسطينياً وعربياً.
أول هذه الوقائع أن نتنياهو اضطر من أجل بقائه رئيساً للحكومة للخضوع لطلبات شركائه في الائتلاف، وهو أمر سيقلل من سلطاته وسيجعله خاضعا لابتزازاتهم في المرّات القادمة كما خضع لابتزازهم هذه المرّة.
وثاني هذه الوقائع أن الطابع العامّ لهذا الائتلاف هو التطرّف، فهو يضمّ حزب المستوطنين «البيت اليهودي»، الذي لبّى نتنياهو كافة مطالبه، فحصل على ثلاث وزارات إضافة الى منصب نائب وزير الأمن، واستلم زعيم الحزب، نفتالي بينيت، وهو المعروف بمواقفه العنصرية، وزارة التربية والتعليم، مما يعني مزيداً من مناهج الغلوّ القومي والديني التي ستكرّس أكثر فأكثر سياسات اليمين المتطرف الإسرائيلي بين الإسرائيليين والتهميش والإقصاء للثقافة العربية والإسلامية بين الفلسطينيين، مما يصبّ الزيت على نار الاستقطابات الدينية والطائفية التي تمزّق المنطقة العربية، كما عيّنت زميلته أييلت شكيد وزيرة للقضاء ورئيسة للجنة التشريع في الكنيست وهو ما سيجعلها مسؤولة عن سنّ مزيد من القوانين المتطرفة المعادية للفلسطينيين، ولتقليص الحريات عموماً. ولا يختلف الأمر مع باقي الأحزاب التي تتنافس في عنصريتها وتطرفها ضد الفلسطينيين، ومثل حزبي «شاس» الذي حصل على وزارات الأديان والاقتصاد والنقب والجليل، و»يهدوت هتوراه»، الذي فاز بوزارة الصحة ورئاسة اللجنة المالية في الكنيست.
وثالث هذه الوقائع أن ائتلاف نتنياهو الحكومي جمع إلى تقلّص أوراق زعيمه في الحكم وتطرّف وعنصرية شركائه الهشاشة الناجمة عن كونها حكومة حد أدنى (61 من أصل 120 نائباً) وهو ما سيجعلها معرّضة للسقوط أمام أي ضغوط من داخلها أو من خارجها، فحكومة بهذا التركيب العنصريّ الفاضح لن تكون قابلة للتعاطي معها عالمياً، أو فلسطينياً.
زعيم المعارضة الإسرائيلية يتسحاق هرتسوغ اعتبر منح حقيبة القضاء «هدية» لحزب البيت اليهودي «الذي يهدد سلطة القانون» مثالاً «على استخفاف نتنياهو بمواطني إسرائيل وبالديمقراطية خدمة لأهدافه السياسية الضيقة»ً.
غير أن نقد هرتسوغ الشديد لخصمه نتنياهو الذي خطف منه النصر بتأجيج مشاعر الخوف من الفلسطينيين والإسلام وبتحدّي الإدارة الأمريكية في قضية التفاوض مع إيران لا ينفي إمكانية اتفاقهما لاحقا، سواء بانضمام هرتسوغ للحكومة التي وصفها بأنها «لا حكم ولا مسؤولية ولا استقرار» بصفقة منفردة، على الأغلب كوزير للخارجية، أو بتشكيل حكومة ائتلاف موسّعة بين اليمين واليسار إذا أدّت الضغوط إلى انفراط ائتلاف الحدّ الأدنى الحالي.
يثير تشكيل نتنياهو ائتلافه في الساعة الأخيرة تأملات وجودية حول إسرائيل وساعتها الأخيرة فقد سمح النظام السياسي الانتخابيّ، لإسرائيل دائماً بإعلان تفوّقها على ممالك وجمهوريات الاستبداد العربية، متجاهلة أنها بصفتها الأولى الفاقعة كدولة يهودية (فوق أنها دولة إحلال واستيطان لجغرافيا واجتماع وثقافة شعب آخر، واحتلال متوسّع ومستمرّ لكل ما يحيط بها) شكّلت المفاعل الأوّلي الذي ساهم بعمق في تفكك منطقة الشرق الأوسط إلى ما آلت عليه، وهو ما يجعل نهايتها (أو خلاصها) بما هي حلّ استشراقيّ عدوانيّ للمسألة اليهودية في أوروبا، مرتبط بخلاص المنطقة التي ابتليت بها (والفلسطينيين الذين دفعوا ثمن وجودها) من نكبتهم القديمة الحديثة المتمثّلة بأنظمة تنظر إلى إسرائيل كمثال أعلى… ولكن في معاملة شعوبها كما لو كانت شعوباً محتلّة فحسب!
بحكومة الساعة الأخيرة هذه تكشف «الواحة الديمقراطية» الإسرائيلية للعالم عن حقيقتها التي لا تختلف في مآلها عن الصيرورة العامّة التي تتبدّى عليها المنطقة العربية: أنظمة قاهرة مستبدة وحركات تطرّف وعنصرية وأيديولوجيات دينيّة متصارعة وحروب لا تنتهي لإفناء الآخر وتهميشه وإقصائه.
لهذه الأسباب، لم تعد إسرائيل استثماراً عالمياً مربحاً بل مركزاً لتخصيب التطرّف والعنصرية والعنف، و»ديمقراطيتها» وتغطيتها السياسية العالمية، لم تعودا صمامين كافيين للأمان: انتظروا الانفجار القادم.
رأي القدس