الناصرة – «القدس العربي»: في الأيام الأخيرة من حربها على لبنان عام 2006 بحثت إسرائيل بشكل مهووس ويائس عن صورة انتصار تعيد لها ماء وجهها بعدما تورطت بمواجهة مفتوحة مع حزب الله طيلة 33 يوما دون حسم. واليوم يتكرر السيناريو في غزة وهو مصحوب بحرج أكبر لأن حماس تنظيم أصغر من المقاومة اللبنانية، محاصر جغرافيا وتوبوغرافيا وسياسيا ومع ذلك صمد أمام جيش عملاق وتمكنت المقاومة الفلسطينية من تكبيده خسائر لم يتوقعها ما دفع معلقين صهاينة لوصف الشجاعية ببنت جبيل الفلسطينية مذكرين بالفشل بالرد على نظرية «خيوط العنكبوت». كما يقر الجانب الإسرائيلي بأن المقاومة الفلسطينية في القطاع باغتت عدوها بعدة مفاجآت ربما يكون أخطرها شل حركة الطيران المدني لعدة أيام للمرة الأولى منذ 1948. ويؤكد مراقبون إسرائيليون بارزون أن إسرائيل معنية بوقف فوري للنار خوفا من التورط بالمزيد مما يحرجها لكنها تضطر لمواصلة القتال لكونها اسم مجرور وليس فاعلا في ما يتعلق بإستمرار الحرب التي قتلت فيها المئات وأصابت الآلاف معظمهم مدنيون وكل ذلك في محاولة لحسم المعركة ودفع الفلسطينيين لرفع الراية البيضاء. وتقول المعلقة البارزة سيما كدمون أن صورة الإنتصار التي تستطيع حماس إختبارها في هذه الجولة تكمن في لائحة السفرات الجوية الملغاة في مطار بن غوريون فيما ظل آلاف الفلسطينيين عالقين خارج البلاد. وبرأي كدمون فان إسرائيل لم تظفر بصورة انتصار لكنها على المستوى الشخصي ترى إن صورة انتصار إسرائيل هي صورة اللحمة الداخلية المتمثلة في جنازة يشارك فيها عشرات آلاف الإسرائيليين وهي جنازة جندي عاش بمفرده في البلاد مخلفا عائلته في الولايات المتحدة.
تعادل إستراتيجي
ويذهب قائد الاستخبارات العسكرية»أمان» السابق الجنرال عاموس يدلين، رئيس معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب اليوم لقول ما هو أخطر بتأكيده أن إسرائيل وحماس هما الآن في وضع أسماه «تعادل استراتيجي غير تناسبي».
ويشير في مقال نشره موقع «معهد دراسات الأمن القومي» الخميس أنه رغم أن إسرائيل حيّدت قدرات حماس المركزية التي بنتها ضدها، الصواريخ والأنفاق، وجبت ثمناً باهظاً منها، لكن حماس والجهاد الإسلامي صمدتا، وتواصلان وتيرة إطلاق الصواريخ نفسها على إسرائيل، وأضرّتا بالطيران المدني القادم وهما غير مستعدتين لتليين شروطهما وصولا لوقف إطلاق النار».
وتابع «بسبب الطبيعة غير التناسبية للمواجهة، فإن معنى التعادل هو في مكانة انتصار لحماس، وإسرائيل لا يمكنها السماح لنفسها بنتيجة كهذه، لا تجاه أعدائها الذين يشاهدونها من الشمال، ولا مقاتليها ولا تجاه الرأي العام الإسرائيلي».
واعتبر يدلين أنه «من أجل تغيير التوازن في الحرب فإنه مطلوب إجراء تغيير في ثلاث رؤى تقود التفكير الإسرائيلي» : إزالة الشعور لدى حماس بأن لديها «بوليصة تأمين» خوفا من بديل أسوأ، التخلص من فكرة «الهدوء مقابل الهدوء»، تغيير إسرائيل لموقفها من حكومة الوحدة الفلسطينية، وأن يجري التعامل معها على أساس امتحان مواقفها وممارساتها نحو إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة تدريجياً بالتعاون مع جهات عربية وأجنبية.
دولة غزة
وكان رئيس الإستخبارات العسكرية السابق يدلين قال للقناة الإسرائيلية الثانية الأحد « يخطىء من يظن أن الحملة البرية على غزة ستكون شمة هواء».
أما زميله رئيس الإستخبارات العسكرية الأسبق شلومو غازيت فيقول في مقال نشرته «هآرتس» الخميس الفائت إنه فوجئ بأن إسرائيل لا تحارب مخربين إرهابيين، وإنما دولة عدو». وتابع «نجحت هذه الدولة في إقامة جيش كبير ومنظم جيداً، جيش له هيئة أركان عامة وسيطرة مركزية فعالة وقيادة عسكرية، واستعد للحرب، وقد فعل ذلك بمجهود تنظيمي هائل، وبأفضل قدرة، وكل هذا تم طبعاً ضمن القيود الموضوعية للظروف الصعبة في قطاع غزة».
ويوما بعد يوم تطفو أسئلة كثيرة على السطح في إسرائيل تنذر بتشكيل لجنة لفحص ولمعاينة ما جرى من إخفاقات على المستويين السياسي والعسكري. ويلح السؤال في إسرائيل لماذا لم تبادر هي لهدم الأنفاق في غزة؟ وسط تساؤلات عن تأثيرها على العلاقات مع لاعبين آخرين في سيناء، لبنان والجولان. ويؤكد المعلق العسكري لـ «ألقناة الإسرائيلية العاشرة» ألون بن دافيد أن كل المنطقة تراقب ما يجري في غزة وتستخلص الدروس. وتقول «هآرتس» إن الإسرائيليين فوجئوا بالثمن الكبير للعدوان على غزة. ويعتبر تشيكو ميناشيه المعلق السياسي في «الإذاعة العبرية العامة» أن استمرار إطلاق الصواريخ على مطار اللد يعد مكسبا هاما للمقاومة، لافتا أن هذا سيعينها في المفاوضات على وقف النار.
شارات حمراء
ويقول يوسي يهوشع المراسل العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» إن بوسع إسرائيل تسجيل عدة مكاسب في الحرب على غزة في أسبوعها الثالث لكن هذه لا تطمس شارات حمراء غير قليلة ظهرت خلالها.
ويعدد يهوشع إنجازات إسرائيل في عدوانها من ناحـية تدمير أكثر من 30 نفقا، قتل 250 من مقاومي حماس والجهاد الإسلامي والإجهاز على بطاريات صواريخ.
في المقابل يشير أن هناك أخبارا غير سارة من غزة في اليوم السابع عشر من العدوان وعلى رأسها رفض «كتائب القسام» وقف إطلاق النار. منوها أن الحملة البرية قد خدمت أهداف المقاومة بعدما مكنتّها من تكبيد الغزاة خسائر بشرية علاوة على الاستمرار في إستنزاف إسرائيل، استهداف مطار اللد الدولي وتل أبيب، والبحث عن صورة انتصار تفضي لإنهاء الحرب. ويكشف أن إسرائيل أخطأت في تقديراتها وظنت أن حماس لن تطلق صواريخ قبيل الحرب وأنها لن تتمكن من مواصلة استهداف العمق الإسرائيلي بصواريخ طويلة المدى بعد الحملة البرية.
إبداعات المقاومة
كما نوه الى أن حماس كرست طاقات وميزانية هائلة لتطوير قدراتها بعد عدوان «الرصاص المصبوب» فبنت منظومة إستراتيجية لمواجهة اختلال ميزان القوى مع العدو تستند على عنصر المفاجأة والإبداع: قدرات بحرية، طائرات بلا طيار، صواريخ طويلة المدى تم إخفاؤها جيدا وتطلق من داخل حفر عسكرية والأهم أنفاق كادت أن تلحق بإسرائيل كارثة بمقاييس وطنية. وينوه الى أن مقتل 700 مقاوم مقابل عشرة جنود إسرائيليين في «الرصاص المصبوب» فقد قتل حتى الآن في «الصخرة الصلبة» 250 مقاوما فقط بينما تضاعف عدد الجنود الإسرائيليين القتلى بثلاثة أضعاف. ويتابع «هذا يعني أن المقاومة الفلسطينية أستعدت لهذه الجولة أكثر من الجيش الإسرائيلي».
ويشير يهوشع الى أنه رغم أن إنجازات إسرائيل في هذه الحرب ليست واضحة وقاطعة فإنها تراهن على الفوز بقوة ردع ترهب الفلسطينيين لمدة طويلة ويتابع «ستبدي لنا الأيام لكن الواضح اليوم أن إسرائيل تسمح لحماس بإملاء قواعد اللعبة في الميدان. إذا كانت إسرائيل تريد إبقاء حماس حركة خائفة وحاكمة في القطاع فعليها هدم الأنفاق في غزة ومغادرتها أما إذا كانت هناك أهداف أخرى فيفضل أن تواصل هجومها».
البداية والنهاية
على ذلك يعلق المعلق البارز نحوم برنيع بالقول إن إسرائيل معنية بوقف النار اليوم لأنه من الممكن تدمير كل الأنفاق وخوفا من كارثة تصيب الجيش أو المدنيين. موضحا أن أوساطا سياسية وعسكرية عليا في إسرائيل قد سئمت من الانجرار وراء حماس وتريد وقفا للنار من طرف واحد وفي حال استمرت الصواريخ من غزة فعندها يمكن استهدافها بالمدفعية والقصف الجوي. ويتابع «حماس لم ترد على الإجراءات القاسية التي قامت بها إسرائيل باعتقال قادتها في الضفة وكانت فصائل أخرى في غزة هي التي أطلقت عدة صواريخ ولم تدخل حماس المعركة إلا بعد مقتل أحد عناصرها خلال تحييد عملية إطلاق صاروخ نحوها واليوم حان الوقت أن نأخذ المبادرة بأيدينا».
وقبل أن تحط الحرب أوزارها توجه أوساط إعلامية اسرائيلية انتقادات للمؤسسة الحاكمة لاستنكافها عن معالجة مدينة الأنفاق مبكرا ولموافقة الحكومة على المبادرة المصرية دون توفير حل لهذه المشكلة الإستراتيجية. كما توجه انتقادات مبطنة لقيام الجيش باستدعاء حاخامات يقدمون شروحا دينية عن المهام التوراتية وعن خدمتهم في «جيش الله» ساعة قبيل دخول غزة من أجل شحن الجنود بروح قتالية.
فشل سياسة «فرق تسد»
ويكشف برنيع أن نتنياهو وحكومته استغربوا من القدرات الهجومية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي ومن الروح القتالية العالية لديهما ومن العدد الكبير للجنود الإسرائيليين الذين أصيبوا وقتلوا حتى الآن. وعلى غرار مراقبين آخرين ينقل عن أوساط عسكرية تقييمها بأن المواجهة ستتجدد بعد هدنة ليست قصيرة ويتساءل: السؤال هو هل يستطيع الإسرائيليون المقيمون في محيط القطاع مواصلة الحياة من جولة إلى أخرى؟».
ويشدد برنيع أيضا على واجب إسرائيل في البحث عن تغيير الواقع جذريا من ناحية العلاقات مع الفلسطينيين لافتا إلى أن نتنياهو بدأ يتحدث عن عباس كجزء من الحل لا المشكلة ويتابع «فشلت محاولات فصل الضفة عن غزة على أساس(فرق تسد) نحن بحاجة لرؤية ولأمل وأقصد الإسرائيليين وأهالي غزة أيضا فكلما هربنا منهم هم سيطاردوننا».
وديع عواودة