النبأ الذي نشر في «هآرتس» في 12 شباط 2016 والذي تحدث عن مكالمة هاتفية بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وبين المسؤولة عن الشؤون الخارجية والامنية في الاتحاد الاوروبي، فيدريكا موغريني، التي تقرر فيها انهاء الازمة بين إسرائيل والاتحاد الاوروبي في أعقاب قراره من تشرين الثاني 2015، وسم البضائع التي مصدرها المستوطنات واستئناف الحوار بين الاطراف في الموضوع الفلسطيني. وقد جاء قبل الاعلان أن «إسرائيل والاتحاد الاوروبي بدأتا في مفاوضات هادئة لانهاء ازمة وسم البضائع». وجاء ايضا أن الاطراف على استعداد لاستئناف المحادثات فيما بينهم في الموضوع الفلسطيني. هذه المحادثات التي تم تجميدها من إسرائيل قبل ثلاثة اشهر ردا على قرار الاتحاد الاوروبي وسم البضائع وبما يتناسب مع قرار رئيس الحكومة اجراء «اعادة تقييم» لتدخل مؤسسات الاتحاد في العملية السياسية. اضافة إلى نية استئناف النقاش في الموضوع الفلسطيني، الاطراف تنوي التوصل إلى تفاهمات تشمل خطوات متبادلة من اجل اعادة العلاقات «الى المسار الصحيح».
في المحادثات التي أجريت بين مندوبي وزارة الخارجية الإسرائيلية ومندوبة وزارة الخارجية في الاتحاد الاوروبي، هلغا شميدت، قيل إن أحد شروط استئناف النقاش مع الاتحاد في الموضوع الفلسطيني هو «تعامل الاتحاد بشكل متزن أكثر. وأكثر احتراما لإسرائيل». وقد قيل لها «إن قرار مجلس وزراء خارجية الاتحاد وقرار وسم البضائع كانا أحاديا الجانب وتبنيا عمليا الرواية الفلسطينية. وبهذا الشكل لا يمكن اجراء نقاش محترم». يمكن القول إن محادثات توضيحية اخرى ستحدث، ستحصل فيها إسرائيل على «مقابل» بسبب استعدادها لاستئناف النقاش مع الاتحاد في الموضوع الفلسطيني. يصعب التكهن بهذا المقابل الذي قد يكون له طابع رمزي غير ملزم. وليس هناك فرصة لأن يغير الاتحاد قراره المبدئي في موضوع الوسم أو في أي موضوع آخر يرتبط بالمسألة الفلسطينية.
على هذه الخلفية يتم طرح عدد من الاسئلة. السؤال الاول يتعلق بـ «المسار الصحيح». هل يمكن في الظروف السياسية الحالية اعادة العلاقة إلى مسارها الصحيح؟ ما المقصود بالمسار الصحيح؟ ويضاف إلى ذلك إلى أي مدى هذا الهدف منطقي، لا سيما في ظل المواقف الاساسية للاتحاد الاوروبي في الموضوع الفلسطيني بشكل عام وموضوع الاستيطان بشكل خاص. هذه مواضيع كانت وما زالت مثارا للخلاف بين الاتحاد وإسرائيل منذ سنوات. إلا إذا كان المقصود هو «العودة إلى المسار الصحيح»، أي استمرار ادارة الازمة وعدم حدوث تصعيد في العلاقة.
سؤال آخر هو ـ طلب إسرائيل «اسلوب محترم ومتزن أكثر» من قبل الاتحاد، في ظل كون قرار وسم البضائع خطوة أحادية الجانب تتبنى الرواية الفلسطينية. حتى لو لم يكن واضحا ما هو قصد إسرائيل من هذا الشرط، فليس هناك جديد في الادعاء الإسرائيلي حول غياب التوازن من قبل الاتحاد في مواضيع العملية السياسية واستعداده لقبول الرواية الفلسطينية. في الظروف الحالية هي من المنطق توقع أن يعيد الاتحاد النظر في مواقفه تجاه الموضوع الفلسطيني والمستوطنات كجزء من الجهد لاعادة العلاقات إلى المسار الصحيح؟.
جهود الطرفان لا تعكس الاستعداد لتغيير المواقف المبدئية، بل تعكس استعداد إسرائيل لـ «النزول عن الشجرة» التي تسلقت عليها حينما ردت بخيبة أمل، الامر الذي وجد تعبيره في اقوال رئيس الحكومة («يجب على الاتحاد أن يخجل»… القرار هو تعبير عن «التلون وازدواجية الاخلاق»… «اوروبا تسم الطرف الذي يتعرض للإرهاب… يبدو أن هناك الكثير من الناس في اوروبا على الارض التي ذُبح فيها 6 ملايين يهودي، لم يتعلموا أي شيء»…). في اقوال عدد من وزراء الحكومة (وزيرة العدل اييلت شكيد اعتبرت قرار الوسم قرارا معاديا لإسرائيل ولليهودية) وفي اعلان قطع الاتصالات و»اعادة التقييم» لتدخل الاتحاد في الامور المتعلقة بالعملية السياسية يبدو أن الفهم الذي تبلور لدى حكومة إسرائيل هو أن التجميد لن يحل الازمة. وكما قال رئيس الحكومة في أحد تصريحاته ـ «بالنسبة للاتحاد ما زالت اليد ممدودة. وفي كل ما يتعلق بالعقوبات ضد المستوطنات وقدرة الاتحاد على التمييز بين إسرائيل والمناطق».
من هنا يوجد مكان للعودة إلى الحياة العادية. وخلافا لحكومة إسرائيل التي تدعي أن الموضوع الفلسطيني فقد الاهمية بسبب الاحداث في الشرق الاوسط وأن على الاتحاد تركيز جهوده في الصراعات التي تؤثر في استقرار المنطقة وأمن اوروبا، فان الاتحاد يستمر في اعطاء حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الاهمية العملية بواسطة تطبيق حل الدولتين. من هنا توجد حاجة في نظر الاتحاد للتحادث مع إسرائيل، الامر الذي يعطيه فرصة للعمل في ساحة الصراع. على أساس فهم أنه لا يمكن تغيير موقف الاتحاد، رئيس الحكومة نتنياهو يكتفي بالأمل أنه في مقابل استئناف الحوار فان الاتحاد سيكون على استعداد للتعاون «بطريقة محترمة أكثر».
اضافة إلى الرأي السائد لدى النخب الاوروبية حول أهمية حل المشكلة الفلسطينية كعامل مساهم في استقرار الامن في الشرق الاوسط، توجد للمشكلة الفلسطينية ايضا اهمية كموضوع يوحد 28 دولة في الاتحاد. في مقال نشر في صحيفة «الايكونوميست» في كانون الثاني 2016 والذي تحدث عن سياسة اوروبا الخارجية التي تستند إلى المباديء والقيم، كان هناك انتقاد يقول إن الدول الكبرى رفعت من شأن المواضيع السياسية التي تستند إلى لاهاي وأبقت لنفسها الاهتمام بالمواضيع «الصعبة» مثل الأمن والطاقة. وجاء ايضا أنه إلى جانب تأييد العدل الدولي واستنكار عقوبة الاعدام، كان هناك تأييد صامت للديكتاتور أو صفقات الطاقة المشبوهة.
في اللقاء الذي جرى بين ممثلي وزارة الخارجية في الاتحاد وممثلي إسرائيل جاء أن الشرعية والاساس لانتقاد الاتحاد الاوروبي لسياسة إسرائيل في المناطق راسخ في القانون الدولي. وفي هذا السياق تستطيع كل عضوة في الاتحاد تقديم موقف مشترك. وهذا أمر مهم للاتحاد في ظل وجود ما يُفرقه أكثر مما يُوحده (يشار إلى أن اخلال روسيا بالقانون الدولي هو ايضا أساس لموقف مشترك للاتحاد حول العقوبات على روسيا رغم أن بعض الدول الاوروبية لا ترتاح لهذه السياسة).
من هذه الناحية هناك مستوى من العدل في اقوال نتنياهو إن مشكلة إسرائيل مع الاتحاد ليست مع الدول المختلفة بل مع نمط الاتحاد الذي لا ينتظر ردا بل هو يبادر ـ كما حدث في موضوع وسم البضائع.
إن انتقاد نتنياهو للجهاز في لاهاي يتقاطع مع «روح المرحلة». جمهور متزايد، خصوصا في وسط وشرق اوروبا، ينتقد التأثير الزائد للاهاي على حياتهم وعلى تقييد سيادة الدول نفسها. وعلى خلفية نشاط نتنياهو في الاسابيع الاخيرة في اوساط دول الاتحاد المعارضة لتأثير لاهاي على سياستها، يبدو أنه يعتقد أنه كلما زاد الشرخ داخل الاتحاد كلما كان هذا أفضل لفرصة منع اتخاذ قرارات مناهضة لإسرائيل.
خلاصة القول: يبدو أن قرار الاتحاد الاوروبي وسم البضائع، الذي كان السبب في الازمة الاخيرة بين إسرائيل والاتحاد، كان من اعراض مشكلة مستمرة، والتي هي ليست تقنية بل تعبيرا عن سياسة الاتحاد الذي يميز بين إسرائيل في حدود 1967 وبين مناطق يهودا والسامرة. حسب رأي الاتحاد، الخطوة تهدف إلى الحفاظ على فكرة حل الدولتين على قيد الحياة. إن جهود اعادة العلاقات بين إسرائيل والاتحاد «الى المسار الصحيح» قد تنجح إذا قامت حكومة إسرائيل بتغيير سياستها الحالية، والتي تقدس الوضع الراهن وتقوم بخطوات تؤكد تأييدها لحل الدولتين للشعبين. وفرصة حدوث ذلك في الوقت الحالي ضعيفة جدا.
نظرة عليا 8/3/2016
شمعون شتاين