يبلغ حجم التجارة بين تركيا وإسرائيل اليوم نحو 6 مليارات دولار، حيث أصبح ميناء حيفا في السنوات الاخيرة مصافا أساسيا للبضائع التركية في الشرق الاوسط. فكل يوم، بعيدا عن ناظر الجمهور، تصعد عشرات الشاحنات المليئة على السفن في تركيا، وتنزل في حيفا وتتدحرج من هناك إلى الاردن والى العراق. اما الطاقة الكامنة المستقبلية فأكبر بأضعاف.
ان العنصر الاقتصادي الاهم هو بالطبع الغاز. بعض من الغاز الإسرائيلي مخصص للتصدير، ونقله في انبوب عبر تركيا هو الامكانية الأرخص والاكثر ربحية. ولكن في العلاقة بين الدولتين توجد فضائل اقتصادية اخرى. فاقتصاداهما يكملان الواحد الاخر أيضا في التكنولوجيا العليا، في الصناعة، في الزراعة وفي السياحة. وسيدفع استئناف العلاقات إلى الامام بشكل كبير تحقق هذه الطاقة الكامنة المستقبلية، وسيساعد على تقدم الاقتصادين في وضع لا تبدي فيه السوق المحلية والعالمية دينامية زائدة.
كما سينشأ عن الاتفاق ربح سياسي كبير للطرفين. من زاوية نظرنا، ستعود تركيا لاداء دورها الوسيط الحيوي بين إسرائيل وحماس، ستساعد على استقرار الشبكة العكرة التي تبقت في اعقاب الجرف الصامد وستقود نحو تحسين ظروف حياة سكان القطاع. وللعلاقة المتوثقة مع تركيا سيكون تأثير هام على قدرة إسرائيل على ادارة خطوات سياسية مركبة مع العالم العربي، وعلى الكفاح المتداخل ضد داعش.
ومن الجهة الاخرى، فان قطع العلاقات مع إسرائيل مس بشدة بقدرة تركيا على العمل في الساحة العربية والفلسطينية. في الماضي كانت علاقاتها الطيبة مع إسرائيل واحد من العوامل الاساس التي منحتها مكانة محترمة كوسيط نزيه ـ مثل الوساطة بين الاسد واولمرت على هضبة الجولا ـ ولهذا السبب فقد تلقت مكانة رفيعة في المنطقة. وسيساعد استئناف العلاقات في استعادة تركيا لقدرة العمل كلاعب مركزي في الساحة الشرق أوسطية.
ولكن سيكون لاستئناف العلاقات ايضا آثار سلبية في الساحة السياسية. فمثلا، منذ الانقلاب الذي اطاح بمرسي في تموز 2013، بردت جدا العلاقات بين تركيا ومصر وفي المحيط السياسي يشتبهون ـ بقدر من الحق ـ بان الاتراك يؤيدون الاخوان المسلمين ويعملون ضد السيسي من خلال الكواليس. ومن شأن التقارب مع تركيا ان يمس بالعلاقات الحيوية لمصر مع إسرائيل وباستعداد مصر للتعاون في الصراع ضد داعش في سيناء. كما أن علاقات إسرائيل الطيبة مع الاكراد، القوة الصاعدة في الشرق الاوسط، ستتضرر، إذا لم تحرص القيادة على الابتعاد عن التدخل في هذا النزاع. من الجانب الاخر فان من شأن استئناف العلاقات ان يضعضع علاقات تركيا مع إيران ومع دول إسلامية في الدائرة الابعد، والتي اعربت حتى الان عن العطف لتركيا بالذات بسبب عنادها تجاه إسرائيل.
سيتعين على نتنياهو واردوغان ان يوازنا هذه المخاطر مقابل الربح الاقتصادي والسياسي المتوقع، ويأمل الزعيمان بان يمنحهما الاتفاق نقاط استحقاق في اوساط الناخبين. وتشعر أجزاء واسعة من الجمهور التركي في السنوات الاخيرة بأن الرئيس اردوغان يدهور الدولة إلى درك اسفل: البرلمان اصبح باصما، السلطة القضائية والإعلامية فقدا ما تبقى من استقلالهما، وفي الشرق تدور رحى حرب اهلية ضد الاكراد، والسياحة تضررت بشدة، والاقتصاد آخذ بالضعف، والفساد يستشري في كل شيء والفوارق الطبقية تتسع. ويمكن للاتفاق مع إسرائيل أن يعرضه اردوغان على الجمهور الذي يبتعد عنه كنجاح سياسي هام، بعد سلسلة طويلة من الاخفاقات في السياسة الخارجية.
كما أن هناك في إسرائيل ايضا من يعربون عن عدم الثقة بالحكم، وهنا ايضا يعتقد الكثيرون بان الدولة تدير علاقاتها مع الفلسطينيين بشكل أخرق، وان الفساد السلطوي ينتشر في كل شيء، وان النخب تزدهر على حساب الطبقات الضعيفة وبلدات المحيط. مثلما في تركيا، في داخل هذا المشهد المتكدر سيعتبر استئناف العلاقات في نظر قسم كبير من الجمهور نجاحا سياسيا وكنقطة استحقاق للحكومة.
٭ محاضر في الجامعة العبرية وعضو في «منتدى التفكير الاقليمي»
يديعوت 28/6/2016