لا أجد سببا يدعوني للإعتقاد وفي أي لحظة بأن فلسطين يمكن أن تستفيد بأي شكل من فوز فريق نادي مخيم الوحدات الأردني ببطولة الدوري العام لكرة القدم .
طبعا نهنىء فريق الوحدات الذي أثبت جدارة ليس على الصعيد الرياضي والكروي فقط ولكن على صعيد التمثيل الأفضل والمحترف للبسطاء والبؤساء بعد تضحيات كبيرة لنجوم ورموز النادي الكبير.
ويحق لجمهور الفريق بكل تأكيد الإحتفال وحتى على الطريقة «الأردنية» التي تشمل إغلاق طرق والتجمهر في مكان ضيق و»مكايدة» الجيران أو الخصوم فتلك مسألة ثقافية إجتماعية لا علاقة لها إلا بغياب دولة القانون والمؤسسات وحتى في أعرق مدن أوروبا تغلق بعض الشوارع احيانا .
لكن هذه التهنئة لا تعني إطلاقا الموافقة على الإعتقاد المضلل بأن إسرائيل إستيقظت وهي ترتعد لأن فريقا يمثل اللاجئين في الأردن حصل على مسابقة كروية .
على حد علمي لم تعلن تل ابيب الحداد ولم نقرأ تصريحا ساخرا من اللعين أفخاي درعي ووفقا لما أتصور لن يساهم فوز فريق الوحدات بتكريس حق العودة أو تحرير المسجد الأقصى أو تخفيف حدة الإستيطان ولن يساهم مستقبلا بحماية مصالح الأردن من ذهنية القلعة الأمنية الإسرائيلية .
فاتت الفرصة بعد هذه الهتافات البائسة على درعي ورفاقه الذين يمكنهم تهنئة أنفسهم وهم يرصدون مفارقات الكرة الأردنية ما بين نفر موتور من جمهور فريق يهتف لرابين نكاية بالفريق المنافس الذي يرد نفر موتور ايضا من جانبه بالهتاف لبطولة الدوري وكأن الأمة حررت للتو القدس ونابلس.
أقول ذلك بعدما إستمعت بأسف للهتاف الغريب غير المبرر والذي بالضرورة لا يمت لأخلاق الرياضة بصلة لحظة تتويج الوحدات وهو هتاف «جارح» قال فيه نفر من جمهور الوحدات ما يلي: «مشانك فلسطين ..غلبنا القوادين».
لاحقا يتماوج الجمهور وهو يغني «هبت النار من عكا للطيرة»..يتناسى الشباب هنا بأنهم في إستاد عمان الدولي وبان عكا والطيرة هناك بين يدي الإحتلال ولا تهب النيران فيها على الأقل في هذه المرحلة وبأن مثل هذا «الإستفزاز» غير منتج لأي قيمة نبيلة ولا يعني شيئا وتستفيد منه تل ابيب ولا يخدم إطلاقا الوحدة الوطنية في الأردن .
ينبغي ان نؤمن معا بأن النار الوحيدة التي تهب في عمان هي نار السهر والحرص والإستقرار الأمني والإجتماعي وباننا مع الفاضل بسام العموش وهو يقول لأحد قادة أحزاب اليسار في ليلة مشهودة: من يهدد بحرق عمان سنحرق قلبه .
النيران التي إشتعلت في جسد الشهيد الطيار معاذ الكساسبة هي نفسها النيران التي إشتعلت في قلب الشعب الفلسطيني عندما سمح الارهابيون المجانين حز الرقاب لطفل في العاشرة ألله وحده يعلم كم كان بريئا .
العدو هناك غربي النهر وشرقي وشمالي الأردن معروف للجميع وأفضل ما يمكن ان يتحفنا به النفر المأزوم المؤزم من جمهور الوحدات والفيصلي تحديدا هو «الصمت» إذا لم يتسن قول كلمة خير في ظرف حساس وإلا مواجهة ذراع القانون التي ينبغي ان تطال كل مسيء وصاحب هتاف جارح بصرف النظر عن أصله وفصله والمسوغات التي يستعملها في تبرير الحماقة .
الهتافات التي تشيد بإسرائيل نكاية بفريق الوحدات وجمهوره يقابلها الهتافات التي تدعي نصرا زائفا في مسابقة كروية ..تشكلان معا حالة سباق غريبة وبائسة نحو الإنحدار القيمي وفي حالتنا الأردنية وفي ظرفنا الحالي لا حاجة لنا لأندية وفرق تغذي الفتنة ولابد من كسر «إرادة التوتير والتأزيم» في ملاعب الكرة حتى لو أغلقت ابواب النوادي وإستغنينا عن مسابقات الكرة .
شخصيا لا يمكنني إعتبار إستعمال مفردات «بذيئة» سلوك رياضي ولا يمكنني إلا إعتبار «إستعارة» اناشيد وطنية معنية بالدم الفلسطيني المقاوم في إستاد عمان الدولي سلوكا لا معنى له ويخدم العدو الرئيسي ولا يعكس أجواء الفرح الرياضي بقدر ما يعكس أجواء المرض والإحتقان والهويات الفرعية .
مثل هذا الهتاف ليس على صلة بالرياضة أو بالمناسبة وبالضرورة قناعتي راسخة بأن الفوز بالدوري الأردني خبر لا يهتم به الإسرائيليون ولا يؤثر عليهم قيد أنملة كما لا يمكن أن تستفيد منه فلسطين ولا الفلسطينيون في الشتات والمهجر وفي أصقاع الأرض.
الشتائم والنكايات المسيسة والهتافات المفتتة للوحدة الوطنية هي حصريا ما تستفيد منه إسرائيل وما يخدم مخططاتها سواء أصدرت عن مسحوقين يتطلعون لأي إنتصار او فوز من أي نوع أو عن مواطنين أردنيين يمثلون فريق الفيصلي المنافس التقليدي للوحدات او غيره من الأندية . في كل دول العالم يعبر الجمهور عن شغفه بفريقه على اساس «جهوي»..لم يعد ذلك عيبا بشرط الإلتزام بأخلاقيات الرياضة وبالقوانين وبدون التجريح والإساءة للآخرين وحتى نكون منصفين في الحالة الأردنية نتشوق لحماس مماثل من الجمهور لدعم منتخب النشامى الوطني الذي يؤدي فيه لاعبون من الفريقين واجبهم .
قد يقول قائل: بأن مثل هذه الهتافات من جمهور الوحدات ردا على هتافات جارحة اخرى وموسمية من بعض مشجعي الفيصلي وصلت في حماقتها لمستوى إمتداح إسرائيل في بعض الأحيان…هذه حجة مفلسة برأيي الشخصي لأن الرد على البؤس والسلوكيات الرديئة لا يكون بمثلها بل بالفوز والأداء والهتاف الوطني ففلسطين محتلة ولا زالت محتلة وكل «وحداتي» صغر أم كبر مطالب بالحفاظ على وطنه الأردني حتى لا يضيع كما ضاعت فلسطين لأن العدو واحد بكل الأحوال .
طبعا تنتمي هتافات بعض مشجعي الفيصلي بالماضي لنفس العائلة سيئة السمعة والصيت من الهتافات السلبية ..رياضيا الفيصلي تراجع في سلم الدوري للقاع والوحدات في القمة ومن يجلس في القمة عليه ان يتحلى باخلاقها فالأيام في كرة القدم دول والمكون الفلسطيني في الأردن تحديدا يحتاج قبل الجميع للإستقرار الأمني والإجتماعي وللدولة الأردنية القوية الصلبة وعليه ان يتحلى بالمسؤولية هو ورموزه ومؤسساته .
لا نقبل بفكرة تبرير جريمة بأخرى حصلت قبلها والمضايقات التي تعرض لها الوحدات وجمهوره في الماضي ينبغي ان تشكل درسا في الأخلاق الرياضية بعيدا عن النكايات الصغيرة والمريضة وإلا فلا معنى للفوز والإحتفال بالبطولة لا رياضيا ولا وطنيا ..والله من وراء القصد .
٭ مدير مكتب «القدس العربي» في الاردن
بسام البدارين