ان النقد على الانهاء المبكر لجولة القتال الاخيرة في غزة «قبل أن تحسم المعركة»، ليس جديداً. فهو يشبه بقدر كبير خيبة أمل الجمهور في ساحة الملاكمة حين لا تنتهي المعركة بالضربة القاضية. في ضوء خيبة الامل ينبغي السؤال، هل في هذا الوقت نحتاج إلى هزيمة حماس بشكل عام؟ بخلاف ساحة الملاكمة، فإن نتائج القتال يجب أن تحاكم في سياقها الاستراتيجي.
في صباح يوم الاربعاء، حين لم يكن أحد يعرف إذا كانت جولة القتال قد انتهت، كان الطريق من مفترق يد مردخاي إلى سديروت ـ أوفيكيم، بئر السبع تعج بحركة كثيفة مثلما في كل يوم. زخم الفعل في الاعمال التجارية، في المصانع، في الزراعة، في البناء وفي أجهزة التعليم بدا في ذاك الصباح أقوى من هلع الصواريخ وقذائف الهاون.
صحيح أنه كان مطلوبا لقيادة حماس خلف الحدود الانهاء بأسرع وقت ممكن لجولة القتال، ولكن الدافع لم ينبع من ذات الحماسة الاساسية للعودة إلى الحياة الطبيعية في الابداع المدني. فزخم التنمية والازدهار قمع في غزة قبل سنين. في صيف 2006 كتب الناطق بلسان الحكومة الفلسطينية في غزة، غازي حمد، يقول: «ما لها غزة؟ حزينة، مسكينة، جريحة، ينزف دمها بلا انقطاع، تذرف دموعها، شوارعها ملوثة، تفوح منها رائحة اليأس، علقت بنا جرثومة الغباء، لدرجة أننا نسير في الشوارع من دون أن ننظر يميناً ويساراً». في الجرف الصامد أيضاً واصل حمد البكاء على الخراب واليأس. ولكن في أوساط قيادة حماس، بل وفي المزاج في الشارع الغزي، رأيه لم يحدث أثراً حقيقياً.
هنا يتلخص الفارق بين مصالح إسرائيل ومصالح حماس وشركائها. من ناحية إسرائيل، فإن القدرة على إعادة الأمن والاستقرار إلى نمط الحياة العادي، في بلدات الجبهة أيضاً، هي غاية النصر. أما حماس وإيران فتريدان العكس: البحث عن كل سبيل لهز دائم للاستقرار في إسرائيل. في هذا السياق يجب الحكم على السؤال هل نجحت إسرائيل في تحقيق ما تحتاجه في الجولة الاخيرة.
بين الداعين إلى إسقاط حماس، مثل حاييم رامون، وبين رجال اليمين التواقين لأن يروا الجيش الإسرائيلي ينتصر «مرة واحدة والى الأبد»، يوجد توقع مشترك لحسم نهائي. كلاهما يحذران من أن الهدوء مؤقت وكأن شيئا ما في حياة الانسان يبقى إلى الابد. مشكلة غزة مركبة، وللمشاكل المركبة لا يوجد حل ليس مؤقتا. هنري كيسنجر قال: «حل المشكلة القائمة يفتح بابا لمشكلة الغد». وهكذا، لنفترض أننا أخذنا باقتراح رامون، واحتلينا غزة، وأسقطنا حكم حماس ونقلناه إلى السلطة الفلسطينية: «سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد». هل هذا مرغوب فيه لنا؟
يستوجب الاستيضاح موقفا من ثلاثة اسئلة: 1 ـ التوقيت: هل خطوة حاسمة مرغوب فيها لإسرائيل في الظروف الاستراتيجية الحالية. 2 ـ قدرة التحقيق: هل يوجد احتمال معقول في أن تحقق مثل هذه الخطوة نتيجة الاستقرار المطلوب؟ في تشرين الأول/أكتوبر 2001 مثلا، نجح الأمريكيون في أن يفككوا في غضون ثلاثة أسابيع قوات طالبان في افغانستان، منذئذ ورغم الاستثمارات الكبرى، لم يتحقق الاستقرار هناك. القتال ضد داعش في الموصل، بقيادة أمريكية استغرق تسعة أشهر، على أي أساس يقدرون بأن قتالا مشابها في غزة سيكون اقصر؟ 3 ـ مسألة المصالح الإسرائيلية، العلنية والخفية: هل مرغوب فيه لإسرائيل إسقاط حكم حماس؟ ولماذا نرغب في أن نعيد إلى الحكم، بدماء جنودنا، السلطة الفلسطينية من رام الله إلى غزة؟
هنا تنفصل الطرق بين المواظبين على تطلعهم إلى تقسيم البلاد في حل الدولتين، في صيغة براك وأولمرت التي تنطوي على انسحاب إسرائيلي شبه كامل إلى الخط الاخضر وتقسيم القدس وبين من يرون في ذلك خطراً وتهديداً استراتيجياً محملاً بالمصيبة. ان الحسم الإسرائيلي في هذا الخلاف يسبق إلحاق الهزيمة بحماس في غزة.
إسرائيل اليوم 3/6/2018