إسكان الغريب

حجم الخط
0

 

قد يتساءل القارئ عن الحاجة إلى تعريب مثل هذا الكتاب، وقد يكون محقاً في ذلك لارتباط مسألة الفنادق في الذهن العام بما يُسمى اليوم «فنادق سياحية»، كما ارتبطت في المناطق الريفية من بلاد المغرب إلى يومنا هذا بإسطبلات مخصصة للحيوانات التي تُجلب للبيع في الأسواق الأسبوعية، وهي عادة تُقام في القرى والمدن الإقليمية. والحقيقة أن الفنادق المعنية في هذا الكتاب هي هذا وغيره، ولكن في مستوى يمكن وصفه بالدولي أو العابر للقارات، إذ حين ننظر في الكتاب موضوع الترجمة الذي تناول هذه المؤسسة منذ الفترة الرومانية المتأخرة إلى نهاية العصر الوسيط، نجد أنفسنا أمام مؤسسة معقدة التنظيم، ومتنازَع حول جذورها التاريخية وهي موضوع نقاش من الناحية الاصطلاحية. فهل هي ذات جذور يونانية أم لاتينية أم عبرانية أم عربية؟ كيف تناقل الناس المصطلح؟ وكيف عبّرت الكلمات، ومن خلالها المؤسسات المتعلقة بالفندق حدود اللغة والدين والمجال؟ وكيف تطورت هذه المؤسسة من مؤسسة لإسكان الغرباء عن أوطانهم، إلى مؤسسة اقتصادية مختصة بنوع من أنواع الأنشطة أو البضائع؟ وكيف انتقلت التسميات من فندق الجنوبيين والقطلانيين والبنادقة وغيرهم من الجاليات التجارية إلى فندق الحبوب وفندق الزيت والقطن والبيض والفحم والكتان والغلّة؟
كل هذه العناصر تناولها هذا الكتاب بالدرس، وهو ما يجعله جديراً بالترجمة والقراءة والتقديم لجمهور القراء العرب الذين لم يحذقوا اللغة الإنكليزية. وإذا كان تراجمة التجار في العصر الوسيط يؤدون دور الجسر بين أناس تختلف لغاتهم لتسهيل معاملاتهم وتقريب وجهات نظرهم من أجل الكسب، فلعلنا نكون بهذه الترجمة في محيط الفندق وليس داخله، وسطاء بين المؤرخ العربي ونظرائه من غير العرب.
ولعل أهم ما يمكن قوله منذ البدء هو أن الكتاب عمل توليفي جمعت فيه الباحثة عصارة ما كُتب عن الفنادق والخانات والمبادلات التجارية المتوسطية في العصر القديم المتأخر والعصر الوسيط باللغات الأوروبية أساساً. ومن هذه الزاوية، فهو كتاب جدير أن يمعن فيه القارئ العربي النظر، ولعل بعض المؤرخين ينسجون على منواله لتناول مؤسسات شبيهة بالدرس والتحقيق.
يبحث هذا الكتاب في تاريخ الفنادق مصطلحاً ومؤسسة، انطلاقاً من اختلاف التسميات التي عنتها منذ العهود القديمة إلى بداية العصور الحديثة في العالم المتوسطي، فهو يتناول بالدرس تطور هذه المؤسسات عبر الزمن والمجال والثقافة مع أخذ مظاهر التواصل والتحول في الاعتبار منذ أمد طويل يمتد على ألف سنة، ولو أن البحث اقتصر في جوهره على ما هو متعارف عليه عند جمهور المؤرخين بالعصر القديم المتأخر والعصر الوسيط.
ومن خلال دراسة هذه المؤسسة، تناولت الباحثة مفهوم الرحلة وما يرافقها من العلاقات والمؤسسات والمصطلحات وأهمّ هذه المؤسسات هي مؤسسة الفندق وهي جوهر الكتاب. تعتبر هذه المؤسسة مؤسسة متوسطية بالأساس، وإن اختلفت تسميتها من حقل لغوي إلى آخر. وقد نشأت نتيجة لتحرّك الناس وتنقلهم عبر هذا الفضاء الواسع، كلٌّ تحمله أسباب وتستقطبه مطامح، منها ما هو دنيوي ومنها ما هو ديني أخرويّ: مثل الحج والسياحة (بمفهومها الصوفي) والاستكشاف وخاصة التجارة.
تعرضت الباحثة منذ الفصل الأول إلى دور المؤسسات القديمة، التي كانت ـ ربما ـ فنادق جنينية، يمثلها البَنْدوكيون اليوناني في القديم من خلال حضوره في مخيال معاصريه، ومن خلال اضطلاعه بدور الاستقبال والإسكان بالنسبة إلى الرحالة الوثنيين واليهود والمسيحيين بين القرن الأول والقرن السابع الميلادي في الجزء الشرقي من الإمبراطورية الرومانية.
كما سلطت الباحثة الضوء على الأدوار التي لم تكن تتماشى والذوق العام، أو على الأقل ما ارتسم في أذهان الناس، والمتمثلة في ارتباط البندوكيون بجملة من السلوكيات التي تبرز فيها المشروبات المسكرة والترفيه والدعارة والبغاء والجرائم، وهي من النشاطات التي سنجد لها صدى في الفنادق في العصر الوسيط. ثم بيّنت الباحثة كيف انصهرت هذه المؤسسة القديمة في العالم الإسلامي وانتشرت معه تحت اسم الفندق وكذلك الخان، لتصبح مؤسسة ثابتة في الفضاء العمراني، تضطلع بدور الإسكان والخزن والمراقبة والتمكيس أو التعشير (أي دفع العُشر) وفق نصوص العصر الوسيط، وذلك في فضاء شاسع شسع العالم الإسلامي من الأندلس إلى بلاد ما وراء النهر.
وانتشرت الفنادق وتطورت في الضفة الجنوبية للمتوسط منذ عهد الأمويين إلى عصر الأيوبيين (من القرن السابع إلى القرن الثالث عشر). وقد أصبح الفندق، بالإضافة إلى ما كان يقوم قبل الإسلام تحت اسم البندوكيون، يضطلع بأدوار جديدة في العالم الإسلامي: لقد أصبح مؤسسة خيرية وتجارية في الوقت نفسه، يؤمها المسؤول المتنقل من جهة إلى جهة في المهمات الرسمية، ويأوي إليها ابن السبيل، والسائح المتصوف، ويقيم بها التاجر الباحث عن الربح وجمع المال. كما أصبح الفندق موضوع تشريع وتنظيم ومراقبة من قبل ذوي السلطة والنفوذ على اختلاف مواقعهم من فقيه وسلطان. واهتم به الرسل والسفراء الغربيون، وعاش فيه القناصل والمشرفون على الجاليات التجارية الأوروبية، واستقر به أهل اللهو والمجون والبغاء، وسُجن به من كان خارجاً عن الطاعة في بعض الأحيان، واستراح فيه السلاطين والحجاج في حلهم وترحالهم. كما تعرضت الفنادق للحرائق، ونُهب بعضها في حالات الانتفاض والانتفاض على ذوي السلطان. ولكنه ظل صامداً لم تؤثر فيه هذه الأحداث ولم تزعزعه، ولم يتغير إلا بعد التحولات التي عرفتها المنظومة التجارية من تبدّل المسالك وانتقال فضاءاتها من العالم المتوسطي إلى العالم الجديد مع انبلاج العصور الحديثة وبداية النهضة الأوروبية.
ولعل الإطار الذي سمح للفندق بالازدهار والانتشار خارج بوتقة العالم الإسلامي هو النشاط التجاري الأوروبي المتزايد بعد القرن الحادي عشر، فقد اكتشف التجار الأوروبيون فاعلية هذه المؤسسة وحيويتها، فلم يتوانوا في تقليدها ونقلها اصطلاحاً وشكلاً هندسياً وتنظيماً ورمزاً من العالم الإسلامي إلى العالم المسيحي الأوروبي بجناحيه الشرقي والغربي. وقد برهن الفندق على قدرته كمؤسسة على اختراق كل الحدود، إذ تبناه العالم الغربي بصورة تكاد تكون مطابقة للأصل العربي الإسلامي. لم يكن الفندق أداة لتسهيل المبادلات التجارية وتوفير ما يتلاءم والجاليات المغتربة من ظروف الإقامة الخاصة التي تجعل الغريب في بيئة تقارب بيئته الأصلية فحسب، بل كان أيضاً نافذة على العالم الخارجي، وأداةً لتلاقح الأفكار وتحقيق نوع من التعيش السلمي حتى ولو كان هشاً. «فالفنادق لم تكن دائماً مغلقة وجدرانها كانت دائماً نفاذة» كما تقول المؤلفة.
ويعبّر الفندق كذلك عن بداية تغلغل أوروبا في قلب العالم الإسلامي، وذلك من خلال وجود جاليات مختلفة من حيث اللغة والدين ونمط العيش، يحتضنها الفندق ويعرفها السوق ويتعامل معها الناس من ممثلي السلطة والتجار والحمالين والتراجمة. وقد ساعد على هذا التغلغل ازدهار التجارة الأوروبية وتطور القوة العسكرية الغربية وسيطرة الغرب المسيحي على مناطق كانت إسلامية مثل صقلية والأندلس وجزر البليار، وهيمنة البحرية الغربية على المتوسط بعد الحروب الصليبية.
كما تناولت الباحثة بالدرس تواصل الفندق في هذه الفضاءات الأوروبية الجديدة التي انتُزعت من أيدي المسلمين وتمّ تطويعها للأوضاع الجديدة. فقد ظل الفندق فاتحاً أبوابه لكل الوافدين بشروط في ظل الدولة المسيحية المنتصرة، وبعد أن كان في خدمة التجار المسيحيين، أضاف إليهم أيضاً الجاليات الإسلامية على اختلاف مشاربها وعلى اختلاف أنشطتها التجارية وغير التجارية.
وهو ما يطرح التساؤل عن إمكانية وجود جاليات تجارية إسلامية في أوروبا الغربية التي لم تكن خاضعة لسلطة الإسلام.
مقدّمة «إسكان الغريب في العالم المتوسطي»، تأليف أوليفيا ريمي كونستابل، ترجمة .

مؤرّخ بيزنظة والمتوسط

رحل المؤرخ والأكاديمي التونسي البارز (1955ـ2016) مبكراً؛ على مستويين: العمر، بسبب المرض الذي فتك به في الأشهر الأخيرة من حياته؛ ثمّ على مستوى العطاء، في كتابة التاريخ كما في ترجمة المؤلفات التاريخية، وخاصة إضاءة منجزات مدرسة الحوليات الفرنسية الشهيرة.
اختص المنصوري بالتاريخ الوسيط، البيزنطي والروماني في المقام الأوّل، ثمّ التاريخ المسيحي في شمال أفريقيا على نحو محدد. وكانت مؤلفاته، إلى جانب مقالاته وترجماته، تعكس ذلك الشغف العميق بتأمّل الحضارات المتوسطية، والعثور على الروابط بينها، في مسائل تخص الحياة اليومية والمجتمع والعادات، أكثر بكثير من تدوين الوقائع وتسجيل الأحداث. كذلك كانت حياته الأكاديمية الحافلة، وممارسته التدريس في تونس وفرنسا واليونان وقبرص واليابان والسعودية والمغرب وقطر (فارق الحياة في الدوحة)، مرآة عكست بصدق مقدار الثراء في معارفه.
بين أبرز أعماله: «من الزنار إلى الخمار: قوانين اللباس في تاريخ الإسلام الوسيط»، «العلاقات بين مصر وبيزنطة ما بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر»، «الحمامات مدينة متوسطية»، «قبرص من خلال المصادر العربية»، «الحياة الدينية في بيزنطة»، «قاموس المصطلحات البيزنطية»، «قوانين اللباس في الحضارة العربية»، «في العلاقات الإسلامية البيزنطية»، و«في علاقة المسلمين بالغرب اللاتيني». وفي ترجماته المتميزة، الفرنسية والإنكليزية: «التاريخ الجديد»، «التاريخ المفتت»، و«إسكان الغريب».

إسكان الغريب

محمد الطاهر المنصوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية