اليوم يقرر الاسكتلنديون ما إذا كانت بلادهم ستبقى ضمن المملكة المتحدة أم لا، إذا قالوا نعم للاستقلال، فإن أكثر من ثلاثمئة عام من الوحدة ضمن المملكة ستنتنهي، وإذا قالوا نعم، فسيستمر الاتحاد. يبدو أن هناك حتى اليوم نوعا من التعادل بين نسب المصوتين بلا أو نعم، حسب استطلاعات الرأي حتى الآن، مع تفوق طفيف لمعسكر الاتحاد، يخشى أن تغيره الساعات القادمة.
يركز زعماء معسكر الاستقلال الذين يتزعمه رئيس الوزراء الاسكتلندي اليكس سالموند، وهو زعيم الحزب القومي في اسكتلندا، على مزايا اقتصادية يأتي في مقدمتها الاستحواذ على إنتاج النفط من بحر الشمال الذي سيكون من نصيب الاسكتلنديين وحدهم دون بقية البريطانيين، ويركز على قضايا تميز بلادهم في مجالات القضاء والتعليم والصحة، معتمدين على قلة عدد السكان مقابل وفرة الموارد الطبيعية وغيرها في البلاد. كما انهم يعارضون سياسات بريطانيا الخارجية التي يراها الاسكتلنديون لا تزال تنطلق من نفس استعماري لم تتخل عنه المملكة المتحدة، وهو الأمر الذي يزعج الاسكتلنديين الذين لدى اكثرهم ميول يسارية تجلت في كونهم يشكلون دائماً المخزون الانتخابي لحزب العمال البريطاني، الذي لا شك أنه سيخسر الكثير بخروج اسكتلندا من الاتحاد.
وبالمقابل يرى معسكر البقاء ضمن المملكة المتحدة أن استقلال اسكتلندا سيحرمها من أن تكون ممثلة سياسياً وعالمياً بقوة عظمى هي المملكة المتحدة، ويخشون ضياع مستقبلهم الذي لم يتحدد بعد، وهل سيكونون جزءاً من أوروبا التي يرى الكثير منهم أن البعد عنها مفيد، أم سيدخلون ضمن الاتحاد الأوروبي الذي يمكن ان يوفر لهم مظلة أوروبية عوضاً عن المظلة البريطانية التي سيفقدونها. كما أنه لن يكون لهم حق النقض في مجلس الأمن الدولي الذي تتمتع به بريطانيا، التي من المحتمل أن ترث هذا الحق، كما ورثته روسيا من قبل من الاتحاد السوفييتي المنهار قبل سنوات.
ويرى أصحاب هذا المعسكر أن اسكتلندا ستخسر الكثير من المزايا الاقتصادية، فقد يكلفهم الاستقلال فقدان آلاف فرص العمل، إذا ما قررت المؤسسات المالية والاقتصادية في اسكتلندا نقل مقراتها الرئيسية من البلاد إلى انكلترا، وقد هدد البنك الملكي الاسكتلندي باتخاذ هذه الخطوة حال تم الاتصويت بنعم للاستقلال، كما أن هناك احتمال أن ينقل عدد من المؤسسات الإعلامية الكبرى مقراته، مثل شبكة سكاي نيوز العالمية، إلى لندن. ناهيك عن خسارة اسكتلندا للجنيه الاسترليني وقوته الشرائية.
وقد دفع القلق من الانفصال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إلى القيام بجولة في اسكتلندا مطالباً الاسكتلنديين برفض الاستقلال عن بريطانيا، وواعداً بمزيد من المزايا لاسكتلندا إذا ما قررت البقاء ضمن المملكة المتحدة. وخطب كاميرون وهو زعيم حزب المحافظين، الذي لا يحظى بشعبية بين الاسكتلنديين في قاعة مغلقة، موجهاً حديثه للاسكتلنديين: «ما يهمني هو بلادي، وليس حزبي، إن كنتم تكرهون «المحافظين» فسوف تغيرونهم في التصويت القادم، لكنكم لن تغيروا نتيجة تصويتكم حول الاستقلال خلال المئة سنة القادمة»، وقال كاميرون بصوت مؤثر إنه سيشعر بـ»تحطم قلبه في ما لو انهار هذا البناء الذين بنيناه معا».
وجرى في المجرى ذاته زعيما الحزبين الآخرين نك كليغ زعيم الأحرار الديمقراطيين المشارك في الحكومة مع المحافظين، وكذا إيد مليباند، زعيم حزب العمال، اللذان زارا اسكتلندا خلال الأسبوع اضافة الى كاميرون، ووجهوا رسالة واحدة مفادها: اسكتلندا لا ترحلي. وقال الثلاثة في بيان مشترك «هناك الكثير الذي يفرقنا، لكن هناك شيئاً واحداً نتفق عليه بقوة، (وهو أن) المملكة المتحدة أفضل معا».
وقد رد عليهم رئيس الوزراء الاسكتلندي الذي يتزعم معسكر الاستقلال بقوله: «إن الزعماء الثلاثاء هم قادة ويستمنستر، الذين يحظون بأقل قدر من الثقة على الإطلاق»، واعتبر أن هذه الزيارة ستعزز من التصويت بنعم.
الملكة اليزابيث الثانية – التي تعد ملكة بريطانيا العظمى وايرلندا الشمالية وعدد من دول الكومنولث – لم تتدخل في الجدل الدائر حول استقلال اسكتلندا، ولم تدعم أيا من المعسكرين بشكل علني، سوى أنها صرحت بأنها تريد من الاسكتلنديين «أن يفكروا جيداً قبل التصويت»، وإن كانت المؤشرات تشير إلى رغبتها في بقاء اسكتلندا ضمن المملكة المتحدة، ولم يمنعها من التصريح بذلك سوى كونها لا يحق لها الخوض في الخلافات السياسية في البلاد، بعد ان أقرت بريطانيا الملكية الدستورية نظاماً لها قبل مئات السنين.
والثلاثاء الماضي خرجت في لندن مظاهرة من آلاف البريطانيين من مختلف مناطق البلاد، اتجهت إلى الحي الشهير في لندن «الطرف الأغر/ترافالغار»، يهتف فيها المتظاهرون «اسكتلندا لا ترحلي، نحن نحبك».
وأيما كانت نتيجة التصويت اليوم، فإن البريطانيين يسجلون موقفاً حضارياً لا يستطيع غالباً غيرهم اتخاذه بأعصاب باردة، حيث يمكن لجزء من بلادهم أن ينفصل من دون أن يستعملوا القوة لمنع الاستقلال، وهو ما لا يحدث في كثير من المناطق المضطربة في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة التي توحدت أكثر ولاياتها بالقوة، والتي لا تسمح بتنظيم مثل هذا الاستفتاء على أي من ولاياتها. بالطبع نحن لا نتحدث عن الشرق الأوسط وصراعاته المختلفة التي لا تحل باللجوء إلى الاستفتاء، ولكن إلى السلاح. ومع ذلك فإن المقارنات غير واردة هنا نظراً لاختلاف الشروط الحضارية والتاريخية والديمغرافية بين اوروبا عموماً، وغيرها من الأماكن حول العالم.
كنت قبل يومين اركب «التاكسي» في أحد المشاوير في لندن، وأخبرني صاحب التاكسي أنه من جمهور حزب المحافظين، وأن اسكتلندا لن تنفصل لأنها لا تستطيع الاستغناء عن انكلترا، وقال إن الاستقلال سيجعل المحافظين أقوى من العمال الذين سيخسرون جمهورهم في اسكتلندا. وقبل أن يودعني قال بلهجة ساخرة: لا يهمني إذا استقلت اسكتلندا، الأهم عندي أن يستمر تدفق «الخمر الاسكتلندي/Scottish» إلى انكلترا.
ودعته مرجحاً بقاء اسكتلندا ضمن المملكة المتحدة، الأرجح أن تصغي الاسكتلندية الجميلة لأصوات الآلاف في شوارع لندن يهتفون: لا ترحلي…نحن نحبك.
٭ كاتب يمني من اسرة «القدس العربي»
د. محمد جميح