إسماعيل كاداريه… اسم آخر على لائحة الجائزة الإسرائيلية

حجم الخط
1

باريس ـ «القدس العربي»: هذه لائحة تزخر بأسماء أدباء لهم ترجماتهم للعربيّة ولهم بذلك قرّاء، وهنا يتم طرح السؤال الأبدي بخصوص النص الأدبي والموقف السياسي لصاحبه. الحديث هو عن الجائزة الأدبية الأكبر في إسرائيل وهي «جائزة جيروسالم»، لا أجدني مترجماً إياها بـ «جائزة القدس» كما تُعرف عربياً. بكل الأحوال، اسمها «جائزة جيروسالم لحرية الفرد في المجتمع» وتُمنح كل سنتين لكاتب عالمي تميّزت كتاباته في تناول موضوع الحريّات، أمّا دورتها الأولى فكانت عام 1963 ومُنحت للفيلسوف البريطاني بيرتراند راسل.
بداية، ليس المجال هنا للخوض مفصّلاً في مسألة الموقف السياسي للمؤلّف وربطه بنصّه الأدبي، فلائحة حائزي الجائزة تحوي أسماء لا أستطيع نكران انجذابي للنص الأدبي الذي يكتبونه، من دون أن يكون ذلك بالضرورة مرفقاً بإعجاب بشخوصهم، بمواقفهم، فأيّ مؤلّف نال جائزة إسرائيلية، ذهب للقدس لاستلام جائزته وألقى كلمة تطفح بالامتنان لدولة إسرائيل، سيفقد أي مصداقية لمعايير أخلاقية وإنسانية في ما يطرحه من مواقف سياسية مهما كان موضوعها. لكن هل سيجرّد ذلك الأهمّيةَ عن المنجز الإبداعي لهذه الأسماء؟ ليس بالضرورة، ليس بقدر ما لم ترتبط هذه النصوص بقضايا سياسية.
أما لائحة الأسماء التي نالت الجائزة فلها حضور عربي واسع من خلال ترجمات بعض أعمالها، أذكر منها الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (1971) والفرنسية سيمون دو بوفوار (1975) والمكسيكي أوكتافيو باز (1977) والبريطاني غراهام غرين (1981) والتشيكي ميلان كونديرا (1985) والجنوب أفريقي ج.م كوتسي (1987) والأرجنتيني إرنستو ساباتو (1989) والبيروفي ماريو فارغاس يوسا (1995) والأمريكي آرثر ميلر (2003) والياباني هاروكي موراكامي (2009) والبريطاني أيان ماكوين (2011) وأخيراً الألباني إسماعيل كاداريه، الذي سيستلم جائزته خلال معرض جيروسالم للكتاب في الثامن من فبراير/شباط 2015.
ليس الإشكال في ترجمة كتب لهؤلاء قبل أو بعد نيلهم الجائزة الإسرائيلية، وليس ذنباً أن يجد قارئ متعة وانجذاباً لنصوص أي منهم، لكنها مسؤولية العاملين في الشأن الثقافي أن يُظهروا الموقف السياسي لأدباء كهؤلاء، فيعرف قرّاء العربية ما قد يودّون معرفته، أو على الأقل لا تكون هذه الأسماء نجوماً أدبيّة عربياً يُحتفى بها، صحافةً وترجمةً ونشراً. لكن، ودائماً، من دون الفتاوى الكسولة واللامسؤولة التي قد يصير فيها كاتب تجاري ترفيهي كهاروكي موراكامي صهيونياً، ولكن أيضاً من دون أن يداوم بعض العرب على التمنّيات الجماعية السنويّة لنيْل ميلان كونديرا جائزة نوبل للأدب.
بعد أيام سيتسلّم إسماعيل كاداريه الجائزة في مدينة القدس، سيلقي كلمة عرفان للمنظمين ولدولة الاحتلال كغيره. كاداريه اسم معروف لقراء العربية ضمن عناوين كـ «الجسر» و«الحصار» و«قصر الأحلام» وغيرها. وسيرة الكاتب ملتبسة في ألبانيا كما هي في الغرب إجمالاً، وذلك يخص علاقته بالنظام الماوي الديكتاتوري، الذي حكم ألبانيا خلال النصف الأخير من القرن الماضي، فيُعرف عن الكاتب الامتيازات التي نالها لتعاونه مع نظام هودجا الحاكم، وكان رئيس المعهد الثقافي لصاحبته المريعة نجمة هودجا، أرملة الديكتاتور إنفر هودجا. نضيف إلى ذلك أن كتاباته في ظل النظام، وتحديداً روايته «الشتاء الكبير» (1977)، كانت تمجيداً للديكتاتور، وكان كاداريه فوق ذلك عضواً في البرلمان الألباني في تلك الحقبة لاثني عشر عاماً.
أمّا المقصود بمواقف ملتبسة للكاتب، فليس في ما تم ذكره، بل في ربطه بالتالي: هرب كاداريه إلى فرنسا عام 1990 قبيْل انهيار النظام، كلاجئ سياسي، وبدأ من حينها الكتابة والتصريح بإدانة النظام والدعوة للديمقراطية، فصار «الكاتب هو العدو الطبيعي للديكتاتوريات» كما كتب، بعدما انتفع من النظام كما لم ينتفع غيره. والآن ينال الجائزة الإسرائيلية لدفاعه، تحديداً، عن الحرّيات في نصوصه.
كاداريه الذي افتتحت به الجائزة البريطانية «مان بوكر الدوليّة» دورتها عام 2005، يُعد من المداومين على ترشيحات جائزة نوبل للأدب، الجائزة التي قد تفعل السياسة بها ما يفعله الأدب. أعجبتني كتبه هو وغيره من حائزي الجائزة الإسرائيلية أم لم تعجبني، لا أتمناها لهم، لا نوبل ولا غيرها. وحين تكون الجائزة الإسرائيلية تكريماً لهم، تكون هي ذاتها إدانه لهم، التباين بين التكريم والإدانة يقرّره القارئ، أمّا ما يحتاجه لذلك فهو المعرفة، وحسب.

سليم البيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية