«إشارة النسر» … آخر صرعات الحراك الشعبي ورسائل عابرة للحكومات ومفردات جديدة في «القاموس الأردني»

عمان- «القدس العربي» : لا يمر من المنطقة التي تسمى بـ»إشارة النسر» غربي العاصمة عمان إلا عدد قليل من الأردنيين. لكنها ورغم جهل غالبية الأردنيين الساحقة بها دخلت تلك مجدداً إلى قاموس العمل السياسي عبر لافتة الحراك الشعبي الساعي لرفع صوت الاعتراض فتقارير الإعلام الإلكتروني المحلي ووسائط التواصل الاجتماعي مليئة اليوم بأخبار لها علاقة بإشارة النسر.
هي في كل الأحوال ليست أكثر من إشارة ضوئية نصب على أحد أعمدتها تمثال حجري لنسر يرمز لأهم رموز المملكة. لكنها اشارة ضوئية ليست عادية فهي تنظم السير بين أربع جهات في ضاحية دابوق المثيرة للجدل والتي تعتبر أكثر ضواحي الأردن ترفاً وثراء ً وفيها أغلى العقارات بدون منافس.
في كل حال برزت إشارة النسر الضوئية مجدداً في محيط الأخبار الحيوي امس الاربعاء عندما شهدت حضوراً امنياً كثيفاً لقوات الدرك والشرطة لمنع مئات الضباط المتقاعدين من صفوف الشرطة من التجمهر والاعتراض للمطالبة بحقوقهم في مجال الإسكان.
قبل ذلك تم فض اعتصام صغير لمجموعة محدودة من الحراكيين في الموقع نفسه الأسبوع الماضي تميز ولأول مرة بمحدودية عدد المشاركين وبتنظيمه استجابة لما يسميه معارضون في الخارج بحركة أحرار الأردن.
تلك بكل حال تعبيرات جديدة تماماً على الايقاع السياسي الأردني حيث يلتفت الجمهور وسط أزمة الثقة والمصداقية مع اجهزة الدولة والحكومة بكثافة هذه الايام إلى منابر خطابات متلفزة يقدمها خمسة من أردنيي الخارج يزعمون فيها بأنهم يمثلون الايقاع الشعبي والمعارضة في الخارج.
ازداد مثل هؤلاء بصورة واضحة مؤخراً. والجديد في المسالة ان متابعيهم عبر منصات التواصل الاجتماعي يزيدون عن آلاف عدة.
والجديد أكثر ان أحد معارضي الخارج التي تكاثرت فجأة لتأييد دعوات الحراك ورفع سقف الخطاب طلب من الأردنيين الاسبوع الماضي التجمع عند إشارة النسر وقام عدد محدود فعلاً بالاستجابة قبل رصد خطابات مصورة تم تداولها على نطاق واسع تخاطب هذه المرة القصر الملكي مباشرة وتطالبه بوقف اللصوص والنهابين وانقاذ الشعب الأردني من الذين ينهبون امواله وثرواته.
احتياطاً فيما يبدو رصدت السلطات دعوات للتجمع مجدداً عن اشارة النسر حيث محيط حيوي يتضمن مكاتب لها علاقة بالقصر الملكي وحيث احد القصور الملكية الكبيرة وحيث يسكن ويقيم العشرات من افراد الطبقة الراقية في المجتمع وكبار المسؤولين.

رسالة «أمنية»

تجمع الدرك والأمن الاحتياطي امس الاربعاء كان اقرب إلى رسالة قيد أمني تنطوي على اشارة واضحة بان من سمح لهم بالتحرك والتجمع والاحتشاد والاعتراض في بعض مناطق العاصمة مثل الدوار الرابع او دوار الداخلية لا يستطيعون تحويل ذلك المربع عند اشارة النسر إلى ساحة للاحتجاج.
يلفت احد المسؤولين الأمنيين النظر إلى حساسية المربع العقاري في منطقة النسر أمنياً وبصورة لا تجيز التساهل حيث عشرات من كبار ضيوف الدولة والدبلوماسيين والمؤسسات الحيوية مقترحاً على من يريد الاحتجاج او الاعتراض الالتزام بعدم المساس بمصالح الآخرين وعدم اعاقة السير في الشوارع حيث يوجد مناطق اخرى يمكن الاعتراض فيها سبق أو وفرتها السلطات .
لكن الأهم رمزية إصرار بعض الحراكيين على استخدام تعابير مبالغ فيها مثل حركة الأحرار او مؤتمر المعارضة في الخارج حيث تشكك بعض دوائر السلطة بالنوايا والخلفيات وحيث تشمل تلك الرمزية الحساسة الرغبة في رفع سقف الخطاب وتبديل اللهجة وتجاوز بعض الخطوط الحمراء .
الأزمة الاقتصادية الطاحنة تدفع بدورها باتجاه رفع السقف ورواية زراعة الأمل وسط الجمهور لاتزال غير صلبة وغير مقنعة على المستوى الحكومي ،الأمر الذي يبرر الانطباع بان صدور دعوات للاعتصام والاحتجاج امام منطقة إشارة النسر تحديدا لها علاقة بتجاوز التحدث مع الحكومة والانتقال إلى مستوى توجيه النداءات المطلبية او حتى بعض العبارات النقدية إلى مركز القرار والمؤسسات السيادية مباشرة.
يحصل كل ذلك وسط تراكم الانطباع بان المؤسسات الأمنية وهي تواجه تداعيات الاستهداف الإرهابي الغامض حتى الآن تكدس الأدلة والقرائن على أن الاجواء والمناخات الوطنية قد لا تسمح لاحقاً حتى بتمرير تظاهرات صاخبة على غرار ما حصل في منطقة الدوار الرابع وسط العاصمة عمان في شهر أيار/مايو الماضي.
آنذاك وفرت قوات الدرك وفي اطار ترتيب لا يزال غامضاً حتى اللحظة الحماية لانفعالات صاخبة قادها ابناء الطبقة الوسطى وتيارات ليبرالية وشبابية ومدنية حتى انتهى المشهد بإسقاط حكومة الرئيس الدكتور هاني الملقي وتشكيل وزارة جديدة برئاسة الدكتور عمر الرزاز وبسبب قانون الضريبة الذي تم إسقاطه أيضاً.
الانطباع وقتها تراكم لصالح قراءة تتحدث عن تقاطع مصالح دفع المؤسسة الأمنية لاحتواء الانفعال الشعبي.

بين السطور

لكن وبأكثر من لهجة ولغة وعبر إشارات عدة بين الاسطر يتم اليوم إبلاغ جميع الجهات في الشارع بأن مشهد التساهل الامني قد لا يتكرر كما حصل مع احداث الدوار الرابع ليس فقط لأن الحكومة بصدد تحويل قانون ضريبة جديد سيثير الجدل أيضاً إلى البرلمان. ولكن لأن البوصلة الأمنية اختلفت بعد عمليتين إرهابيتين في السلط والفحيص من المرجح ان تستثمرها السلطات لصالح تقليص هوامش التعبير في الشارع.
وعلى اساس ان المؤسسات الامنية لديها اولوية اليوم وانها ليست بصدد الاستنزاف عبر التركيز على الحراكات الشعبية مادامت تحركات الإرهابيين في السلط والفحيص قد طرحت عشرات الاسئلة حول وجود مخطط محتمل لاستهداف الاستقرار الامني في الأردن. ومادام خليفة تنظيم داعش مجهول الاقامة والمصير قد امتدح مرتكبي الأعمال الإرهابية في السلط والفحيص علنًا وبدأ يخاطب من سماهم عبر تسجيل صوتي بـ» «أهل السنة في الأردن».
الأولوية الامنية هنا تحديداً. ومن المرجح ان تتأثر زوايا الانفراج والتساهل مع الحراكات الشعبية التي تنمو بطبيعة الحال وتزداد تحت وطأة الضغط الاقتصادي العنيف على المواطنين وكذلك تحت وطأة عدم وجود حلول للازمة الاقتصادية ترفع سقف التفاؤل او تحتوي موجة الغلاء خارج سياق منطق «الجباية» بالرغم من حملة التزويق والماكياج التي ترافق خطة الحكومة الجديدة بعنوان الضريبة.

«إشارة النسر» … آخر صرعات الحراك الشعبي ورسائل عابرة للحكومات ومفردات جديدة في «القاموس الأردني»
أغلى وأثرى مربع عقاري في العاصمة وبعد أولويات «الإرهاب»
بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية