بعد ثلاثة أيام من اندلاع المظاهرات في إيران يبدو أن سلطات الجمهورية الإسلامية تفقد السيطرة على حركة الاحتجاج. فالمظاهرات التي اندلعت في مدينة مشهد عبرت عن انتقاد جماهيري متسع في ضوء الأزمة الاقتصادية المستمرة ونية الحكومة رفع الأسعار، تشديد الضريبة وتقليص عدد المستحقين للمخصصات الحكومية بشكل كبير.
في نهاية الأسبوع اتسعت المظاهرات إلى مدن أخرى، وعلى رأسها طهران، ولم يعد يكتفي المتظاهرون بمطلب تحسين الوضع الاقتصادي بل يتحدون مجرد وجود حكم رجال الدين. فانضمام الطلاب في طهران إلى صفوف المتظاهرين من شأنه أن يؤدي إلى تطرف آخر في الاحتجاج. وعدد المتظاهرين المشاركين في حركة الاحتجاج صغير صحيح حتى الأن قياسا باضطرابات 2009 حين خرج مئات آلاف المواطنين إلى الشوارع بدعوى تزوير نتائج الانتخابات للرئاسة. ومع ذلك، فان انتشار الاحتجاج الحالي جغرافيا أوسع والمظاهرات غير محصورة بالعاصمة فقط بل تجري بالتوازي في عدة مدن مركزية. كما أنه، مقابل المتظاهرين في عام 2009، الذين انتموا في معظمهم إلى الطبقة الوسطى المدينية المتعلمة، يأتي المتظاهرون هذه المرة من بين قطاعات أخرى كالعمال مثلا.
في هذه المرحلة يبدو أن المظاهرات لا تشكل تهديدًا فوريًا على استقرار النظام. إذا قررت السلطات استخدام كل وسائل القمع التي تحت تصرفها، بما فيها النار الحيّة، يمكن الافتراض بأن في وسعها احتواء الأحداث. ليس واضحًا أيضًا إلى أي حد يمثل المتظاهرون الذين يدعون إلى إسقاط النظام أغلبية الجمهور. فقد أثبت المواطنون الإيرانيون على مدى السنين بأنهم مستعدون لأن يحتجوا ضد النظام وأن يتجندوا للصراع من أجل تحقيق حقوقهم، ولكن مع ذلك يكتفي الكثير منهم بتحسين وضعهم الاقتصادي ويقدمون الاستقرار على الثورات السياسية، التي لا تعرف نتائجها مسبقا.
ولكن حتى لو خبت المظاهرات في نهاية المطاف أو قمعت بالقوة، فإنها ترفع إشارة تحذير بارزة أمام النظام. فأكثر من سنتين بعد الاتفاق النووي وإن كان واضحا بعض التحسن في الاقتصاد الإيراني، إلا أن المواطن البسيط لا يستمتع، حاليا، من ثمار الاتفاق، ولا سيما بسبب مشاكل بنيوية في الاقتصاد الإيراني، والتحفظ المتواصل للمجتمعات العربية من استئناف الأعمال التجارية مع إيران. إن التجاهل المتواصل من جانب النظام لمطالب الجمهور وفشله المستمر في توفير رد على أزمات المواطنين ومطالبهم بالنسبة للوضع الاقتصادي وحريات الفرد، من شأنها أن تفاقم أكثر فأكثر اليأس في أوساط المواطنين وتوسع الفجوة بينهم وبين النظام وتهدد الاستقرار على مدى زمن طويل.
خبير في الشؤون الإيرانية من مركز بحوث الأمن القومي ومن منتدى التفكير الإقليمي
معاريف 31/12/2017