إصلاح… أم «أصنام مقدّسة»؟

حجم الخط
7

أفرزت حقبة العصور الوسطى من تاريخ أوروبا المظلم، تمردا وصرخة تصدّرها فلاسفة ومفكرون عرفوا مكمن الخلل وأصل الدّاء، فعكفوا على التفكير والإجتهاد لتخليص شعوبهم من براثن التخلف والإستبداد السياسي والكنسي،» البعيد عن هدي سيدنا عيسى عليه السلام»، على خطى علماء آخرين سبقوهم، لكن هذا الصّرح الفكري الذي اسّسوه بدأ شيئا فشيئا يتطرف هو كذلك، «حيث عزل الدّين جملة وتفصيلا عن حياة الناس وخلط بينه وبين ممارسات الكهنة «، فبدّلوا الله بالطبيعة والحياة بالمادة والآخرة بالخرافة…، وهدموا الكنيسة على رؤوس المؤمنين وإستبدلوها بمعبد لا يقل غطرسة وظلما وإستبدادا بل وتعاليا على كل مخالف لهم، فقدّسوا «العقلانية»وبنوا لأنفسهم أصناما حديثة ظلوا لها عاكفين، ولم تعد هناك حقيقة خارج نطاق الحواس الخمس، بل ونفي وجود «الحقيقة» مطلقا كما يقول «نتشه» العالم مادة والمادة متحركة اذا لإثبات في العالم، وكل شيء نسبي…، حتى الأخلاق سموها أوهاما إبتدعها البشر لأهميتها؟ «وهذا يعطي تفسيرا لممارسات الأنظمة التي تدّعي الديمقراطية خارج نطاق جغرافياتها».
في المقابل كانت البلاد العربية والإسلامية تعيش ترفا فكريا وتخمة معرفية لاينكرها إلاّ جاحد أوقصير نظر، كانت بغداد مثلا تعجّ بالمكتبات بل إن بين كل مكتبة ومكتبة»مكتبة»؟، وكانت البحوث العلمية تجري في باحات المساجد،وكتب وأّلّف في الفكر والسياسة والأدب والفيزياء و…..لكن الفساد السياسي والتشبث بكرسي الحكم أدخلنا في دوامة الإستبداد الذي لم ننعتق منه لحدّ الساعة، ولأنّ الإستبداد أصل كل داء تراكمت الإخفاقات واستشرى الفساد في دواليب الحكم، فأحتاج الناس وأصبح همهم ينحصر في لقمة العيش ودفع شر الحكّام المستبدّين، فتعطّلت وتخلّفت العقول وخرجت أمة بأكملها من ركب الحضارة،مما جعلها لقمة صائغة ومطمع كل الدول الإستعمارية.
ورغم هذه الحقائق الساطعة كالشمس في كبد السماء، تجد فئة من المثقّفين أوبعض ممن يحسبون على التيار الليبرالي يصرّون على» أصنام» ما بعد الداروينية،» في عالم عربي وإسلامي الإنتماء للدين فيه مسألة وجودية فهو إعتقاد وإيمان راسخ بسماحته وإعتراف بفضله على العالم العربي بالذات». ولا حجة لهم سوى رفضهم للدين «لأنه دين».
مأساة حقيقية أن تجد من ينادي بحذف المقررات الإسلامية من المناهج التعليمية، هذا تصريح فصيح بعدم أهليتها لتربية النشء؟ بحجة أنها تحث على البغضاء والكراهية والقتل وو… في تعميم خال تماما من الموضوعية، إخراج الآيات عن سياقها و أسباب نزولها يشترك فيه كل المتطرفين بإختلاف أيديولوجياتهم، أحدهم عليه بالفعل والآخر برد الفعل، في دوامة أو متاهة أو ليل حالك لا نور فيه للأسف. جل الدول العربية تعتمد القوانين الوضعية في قوانينها ولا يتجاوز حضور التشريع الإسلامي فيها حدود الميراث والتعدد..
بل إنّ من أسباب التطرف الجهل بالدين في حد ذاته والدليل « الحالة التونسية»، فقد مارس النظام السابق إضطهادا منقطع النظير على كل الممارسات الدينية في تونس، والذهاب للمسجد لأجل الصلاة يجلب لصاحبه المتابعة والمراقبة وويلات أخرى لا يتسع المقال لذكرها، الآن نسبة التونسيين هي الأولى في مجموع مقاتلي تنظيم الدولة؟.
كل دساتير الدنيا فيها قوانين السلم والحرب، المتاح والممنوع على المواطن، الحق والواجب.. لماذا في الدين فقط لايسمح بوجود هكذا مواد، المشكل لديهم هل هو في طبيعتها أم في مصدرها؟.
رفض الدين ككل أو رفض بعضه أو جعله حالة ثقافية أو إرثا إنسانيا يطّلع عليه من يحب البحث في» الأساطير البشرية» ليس فهما جديدا في عالمنا العربي فقد إعتدنا على سماع هذه الهرطقة، لكن ما يؤلم حقيقة بل ويدمي القلب أن يصّر هؤلاء على كراهيتهم وتشخيصهم الخاطئ لمرض الأمة ومنه كتابة وصفة «تخلصوا من الدين تحيوا سعداء».نحن نعاني نتألم من الإستبداد ولا شيء غيره، نحن شعوب مارس الساسة عندنا أشنع طرق التعذيب والتهميش والتسفيه والإستعلاء، نحن شعوب تاجر الساسة عندنا بالدين، وجعلوا له كهنة أخرجوه عن روحه ونهجه وغاياته، وأغدقوا أموالا طائلة على فكر بعينه ليخدمهم في السلم والحرب. هل الأولى التخلص من المسبب وهو الإستبداد أم أعراضه التي من بينها «التطرّف»؟.
لن تنعتق الأمة من قيدها اذا أصرّ مثقفوها على نظرتهم السطحية ومن علياء كذلك، ولا يمكن بأي حال إسقاط تجارب الآخرين وإن تشابهت أو تقاطعت في فروعها، خاصة إن كنّا مختلفين في أصل الإشكالية.
المعضلة العربية تستلزم رغبة جادة في فهم مجتمعاتنا وعمل شاق قد يستلزم جيلين أو ثلاث على الأقل للنهوض والتحرر نهائيا من الدكتاتورية، ومسح الغبار عن ديننا الحنيف الذي تسبب به المستبد والمتطرفين» بإختلاف مشاربهم»مناصفة، فهو المرجع والأساس. قلّ لي بربك من لا يعرف البداية كيف له أن يدرك النهاية؟

منى مقراني – الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية