بغداد ـ «القدس العربي»: يشهد العراق هذه الأيام، حملة واسعة لمكافحة الفساد والفاسدين تشنها حكومة حيدر العبادي ومجلس النواب بدعم محققين دوليين لمواجهة هذه الظاهرة التي استنزفت الامكانيات الاقتصادية للبلد، وسط تشكيك من بعض القوى السياسية والمحللين في دوافعها وتوقيتها والجهات المستهدفة من ورائها.
وذكر العبادي الذي يقود الحملة هذه الأيام، ان «الفساد هو المرض والخطر الآخر (إضافة إلى الإرهاب) الذي يمثل فكرا منحرفا ويجب ان نقضي عليه في المجتمع بحيث يكون الفاسد منبوذا وشاذا في عائلته ومجتمعه». مؤكدا ان «معركة الفساد أخطر من معركة الإرهاب، لأن الفاسدين يتواجدون بيننا ويمتلكون المال والإعلام ويحرّفون الحقائق ويحاولون ان يبينوا ان الجميع فاسدون لكي يغطوا على فسادهم».
وأعلنت الحكومة، عن انطلاق خطتها لمكافحة الفساد بنحو تدريجي، مؤكدة أن النتائج ستظهر قريباً، فيما بينت ان الاستعانة بالخبرات الأجنبية جاءت لمتابعة الأموال المهربة والوصول إلى المتورطين في سرقتها. وذكر المتحدث باسم الحكومة سعد الحديثي، أن مجلس الوزراء لديه منظومة متكاملة لمكافحة الفساد، وأن تفعيلاً حصل للمجلس الأعلى لمكافحة الفساد من أجل أن يأخذ دوره في رصد حالات هدر المال العام.
وضمن السياق، أرسلت هيئة الإدعاء العام تعميما إلى جميع الوزارات ودوائر الدولة تطلب إخبارها عن الجرائم المتعلقة بالمال العام، فيما أكدت على تشكيل اللجان والهيئات لنظر هذه القضايا وكذلك الأحكام غير المنفذة. وقال المتحدث الرسمي لمجلس القضاء الأعلى، القاضي عبد الستار بيرقدار، أن «الادعاء العام أرسل هذا التعميم إلى الوزارات كافة والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات بغية مكافحة الفساد الإداري والمالي».
وتداولت وسائل إعلام وقنوات ومواقع التواصل الاجتماعي، قوائم تشمل أسماء بعض الفاسدين بينهم وزراء ووكلاء وزراء ومدراء عامون وأعضاء في البرلمان، إضافة إلى قيادات في الجيش العراقي وزعماء أحزاب مشاركة في السلطة، فيما تقدر مصادر مختلفة حجم الفساد والهدر في ميزانيات العراق منذ 2003 وحتى الآن بأكثر من 350 مليار دولار.
وبالتزامن مع حملة العبادي، بدأ مجلس النواب سلسلة استجوابات لمجموعة من الوزراء والمسؤولين حول ملفات فساد وسوء إدارة في المؤسسات الحكومية المسؤولين عنها، حيث تقدم عدد من النواب بطلبات الاستجواب، مع توقعات بإقالة بعض الوزراء بعد الاستجواب كما حصل سابقا مع وزراء الدفاع والمالية والتجارة وغيرهم.
وأعلن رئيس البرلمان سليم الجبوري، أن الحرب على الفساد «مكملة للحرب على الإرهاب» مؤكدا ان مجلس النواب ماضٍ في التصدي للمفسدين وحفظ المال العام، مشيرا إلى ان «أطرافا متنفذة تمارس فسادا ممنهجا في بعض المحافظات».
تشكيك بالحملة
وعبرت بعض القوى السياسية عن مخاوفها من ان تخرج الحملة عن هدفها بالإصلاح إلى تصفية حسابات والعودة إلى أسلوب التسقيط السياسي بين القوى السياسية استعدادا للانتخابات.
وفي هذا السياق، اعتبر نائب رئيس الجمهورية اياد علاوي، أن الحديث بشأن الحرب على الفساد يجري كلما اقتربت «حمى التنافس الانتخابي» مؤكدا دعمه المطلق لكافة الجهود المبذولة في هذا المجال للوصول إلى عراق آمن مستقر، مبينا أن «الحرب على الفساد لا تقل خطورة ولا أهمية عن الحرب على الإرهاب».
وشدد على أن «أولى خطوات الحرب على الفساد تكمن في نبذ المحاصصة السياسية والحزبية وإطلاق يد الأجهزة الرقابية وأجهزة إنفاذ القانون وتوفير الحماية والحصانة التي تمكنها من أداء مهامها وواجباتها على الوجه الأكمل والأمثل».
وأعلن النائب صلاح الجبوري، رئيس كتلة تحالف القوى العراقية، دعمه ومساندته لمبادرة العبادي لمحاربة الفساد، لكنه شدد على إبعاد المبادرة عن الشعارات الانتــخــابية ومشاريع التسقيط السياسي.
وقال في بيان إن «إعلان مبادرة محاربة الفساد وتحرير الموارد الوطنية بمثابة الصفحة الثانية لعمليات تحرير المدن». وشدد رئيس كتلة تحالف القوى على أن «مبادرة القضاء على الفساد يجب أن تشمل ملفات الحكومات المحلية ومجالسها ودوائرها كونها أيضاً عليها علامات استفهام كبيرة في ضياع ميزانيات تنمية الأقاليم والمحافظات منذ 2004 وحتى يومنا هذا». وأعرب عن «أمله أن لا تتحول دعوات ومطالبات محاربة والقضاء على الفساد إلى أسلوب جديد لإقصاء المنافسين الانتخابيين، وهو ما قد يفقد المبادرة فعاليتها ويزعزع ثقة المواطن بحكومته».
الفساد السياسي أم المالي؟
ويقول المفكر العراقي نديم الجابري، ان التعامل مع الفساد يجب ان يكون باعتباره ظاهرة وليس حالة فردية، لأن الإطاحة برؤوس الفساد ستأتي برؤوس جديدة ويستمر الفساد، ولذا يجب ان يضع العبادي استراتيجية ثابتة لمكافحة الفساد وليس إجراءات مؤقتة.
ونبه إلى ان الحكومة والهيئات المعنية بالفساد تركز على الفساد المالي والإداري، والحقيقة ان الخطورة تكمن في الفساد السياسي الذي يوفر الغطاء للفساد المالي، ويجعله ظاهرة شائعة وممارسة جماعية مقبولة سياسيا واجتماعيا. ووصف الفساد السياسي بأنه أم الفساد المالي والإداري، لذا فضرب الفساد يجب ان يبدأ من السياسي، من خلال منع تعيين المسؤولين من قبل الأحزاب الذين يستغلونهم لمصالحها، والاستعانة بدل ذلك بالوزير الكفء، مؤكدا ان تعيين الوزير على أساس طائفي هو ممارسة للفساد السياسي ولا صلة له بالمؤهلات المطلوبة لقيادة الوزارة. لذا يجب إنهاء المحاصصة الحزبية والطائفية لضمان مكافحة الفساد.
ووصف الفساد انه أصبح ظاهرة معقدة للغاية، حيث صار عبارة عن شبكات ممتدة بشكل عمودي وأفقي، تبدأ من قيام الأحزاب بتعيين وزراء على أساس الولاء لها ويعملون لمصلحة الأحزاب وليس لمصلحة الوطن، وهؤلاء الوزراء يقومون بالاستعانة بمسؤولين أصغر وموظفين، فتتكون سلسلة من الفساد تنتشر في كل مفاصل الوزارات.
وأشار الجابري إلى ان الأحزاب تقوم مقابل ذلك بتوفير الحماية لهؤلاء المسؤولين من المسائلة، كما انها تعتمد أسلوب الاحتفاظ بملفات فساد ضد وزراء الكتل الأخرى لردعهم أو مساومتهم لاحقا إذا هددوا وزرائها.
وبخصوص الاستعانة بخبراء دوليين، ذكر ان ملفات الفــســاد شــائكة ومـعـــقدة، ولذا استــعـــان العبادي بمؤسسات دولية تعطيه أفكارا وتكشف ملفات الفساد.
وأضاف ان وجود تضخم في الهيكل الإداري الحكومي بتعيين 716 وكيل وزارة و4500 بدرجة مدير عام في ميزانية 2016 هو وجه من وجوه الفساد السياسي الذي يجعل الحكومة تجامل في إيجاد وزارات ومناصب وهمية كثيرة دون الحاجة الفعلية لها وذلك لإرضاء الأحزاب، منوها إلى ان حكومة نوري المالكي السابقة كانت تشمل 44 وزارة.
ويعتقد المراقبون ان ثمة عوامل عديدة تشجع انتشار الفساد إضافة إلى الغطاء السياسي والطائفي، منها ان أغلب كبار المسؤولين في العراق يحملون جنسيات مزدوجة تتيح لهم الحماية من بلدانهم عند التعرض للمساءلة القانونية، ووجود عائلات معظم المسؤولين في الخارج مما يوفر سهولة المغادرة عند الطوارئ، كما ان استثمار الأموال المسروقة في بعض الدول يحظى بحمايتها للاستفادة منها في دعم اقتصادها، وغيرها من الأسباب التي تشجع على نهب المال العام.
ومعروف ان الشركات التابعة للأحزاب السياسية الحاكمة، تولت مسؤولية ملف إعمار العراق بعد الاحتلال الأمريكي، وقد أصدرت هيئة النزاهة أوامر القبض على 22 وزيراً و335 مديراً عاماً، جميعهم ينتمون للأحزاب السياسية الحالية التي تحكم البلاد، بتهم فساد مالي وتمرير صفقات شركات محلية وأجنبية مقابل عمولات، إلا ان النفوذ السياسي ودعم الميليشيات المسلحة منع اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم.
الفساد في الإقليم
ولم تقتصر دعوات محاربة الفساد على بغداد، حيث طالبت العديد من الأحزاب الكردستانية في مجلس النواب العراقي وبرلمان كردستان ان تشمل تلك الحملة إقليم كردستان. ومن ذلك دعوة القيادي في حركة التغيير، شورش حاجي، حكومة بغداد إلى مصادرة أموال المسؤولين الكبار في الإقليم لتسديد الديون المتراكمة، محملا حكومة الإقليم مسؤولية تراكم تلك الديون بسبب «السياسات المالية الفاشلة لها» حسب قوله.
وقال حاجي، على مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إن «هناك ديونا متراكمة تبلغ قيمتها نحو 14 مليار دولار، وأن حكومة الإقليم اقترضتها من شركات تركية وروسية» داعيا الحكومة المركزية في بغداد إلى «مصادرة أموال وممتلكات المسؤولين الكبار في الإقليم في داخل البلاد وخارجها الذين سرقوا ثروات البلاد وقوت الشعب لأنفسهم عبر استغلالهم مناصبهم لتسديد الديون المتراكمة».
كما أعلن النائب سالار محمود عن البدء في جمع التواقيع في برلمان الإقليم لإعادة وزير ثروات الموارد الطبيعية في حكومة الإقليم اشتي هورامي الهارب في بريطانيا للتحقيق معه وتقديمه إلى القضاء على خلفية هدر وتبديد ثروات الإقليم النفطية. ووجهت اتهامات من القوى الكردية بوجود فساد كبير من خلال تحكم الحزبين الرئيسيين في الإقليم في اقتصاده.
المحققون الدوليون في الفساد
ونظرا لخطورة ملف الفساد في العراق وانتشاره في كافة مفاصل الدولة وما ينتج عنه من آثار سلبية سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، جاء الاهتمام الدولي بمساعدة الحكومة العراقية لمواجهة هذا الملف الشائك.
وأعلن ممثل الأمم المتحدة في العراق يان ياكوفيتش، أن «برنامج الإصلاح الحكومي، بما في ذلك مكافحة الفساد، يحظى بتأييد كامل من الأمم المتحدة» داعيا الحكومة إلى «التحرك بعزم لمحاكمة الأشخاص المتهمين بالفساد واسترداد الأموال المختلسة التي يجب أن تستخدم لتلبية احتياجات الشعب».
وكان رئيس الوزراء، حيدر العبادي، وضمن خطته الإصلاحية، طلب رسمياً في عام 2016 من الأمم المتحدة مساعدته في الكشف عن مصير 361 مليار دولار مفقودة من موازنات البلاد بين عامي 2004 و2014. وقد خصصت المنظمة الدولية 21 خبيرا ومحققا ماليا لمساعدة الحكومة العراقية، تمكنوا من كشف تورط مسؤولين بارزين في العراق في قضايا فساد مالي وإداري.
ويقول مقرر لجنة النزاهة النيابية في العراق جمعة الديوان، ان الفريق الدولي توصل خلال عامين من العمل في العراق إلى تورط مسؤولين كبار وسياسيين بارزين في ملفات فساد منذ 2003.
وأشارت المصادر المطلعة إلى ان التحقيقات تشمل مواضيع متعددة منها تهريب الأموال وتهريب النفط وعقود التسليح والعقود الوهمية وغسيل الأموال، كما ان من بين الأمور التي حقق فيها الفريق الدولي هي أموال العراق التي استردت من البنوك الأجنبية بعد عام 2003 وتقدر بمليارات الدولارات لم يعرف مصيرها، وفقدان 8 مليارات دولار خلال فترة حكم الحاكم الأمريكي بول بريمر، وغيرها الكثير من ملفات الفساد.
ويذكر ان العراق يحتل منذ سنوات، المراكز الأولى في الجداول السنوية لمنظمة الشفافية الدولية، للدول الأكثر فسادا في العالم، ما أدى إلى تردد الدول والمنظمات الدولية، في منح المساعدات للنازحين أو لإعادة إعمار المدن المدمرة بسبب الحرب على تنظيم «داعش» خوفا من ذهابها إلى جيوب الفاسدين.
ويتفق جميع العراقيين على خطورة ظاهرة الفساد على الدولة والمجتمع، وانها أصبحت كالسرطان المنتشر في جسد الدولة العراقية، وان مافيات وحيتان الفساد استفحلت وصارت بمثابة دولة داخل الدولة، وذلك لكونها مدعومة من الأحزاب السياسية التي استباحت الدولة دون خوف بعد تحكمها بالسلطة، وقد تسبب ذلك في انهيار الخدمات العامة وهدر المال العام وانتشار البطالة والجريمة والمخدرات، إضافة إلى فقدان ثقة المواطن في الدولة.