مئات الحرائق جعلت غلاف غزة في الأسابيع الأخيرة رماداً. فإرهاب الطائرات الورقية لون بالاسود ما كان حتى وقت قصير مضى حقولا زراعية، أحراشا طبيعية ومراعي خضراء. حكومة تفر من القرارات، تتجاهل الصواريخ التي تتفجر في المناطق المفتوحة والطائرات الورقية التي تحرق أرضها، وتكتفي بالتصريحات القتالية ـ لا يمكنها حقا ان تتفاجأ.
أطفال غلاف غزة، الذين تربوا على واقع يكون فيه أمنهم يساوي أقل من أمن باقي اطفال إسرائيل، لا يتمنون الاجازة الكبيرة. فهم يعرفون انهم في الصيف القادم «سيقضون» وقتا أطول في المجالات المحصنة مما في برك السباحة. فسكان غلاف غزة يعرفون ما يحرص أعضاء الحكومة على إخفائه عن الجمهور ـ في ظل عدم وجود سياسة واضحة تجاه غزة، فإن الجولة التالية هي مسألة وقت فقط.
سكان سديروت ونير عام، أوفاكيم وكفار عزة، يتطلعون إلى القيادة السياسية، التي تختار المرة تلو الاخرى الامتناع عن قرار واضح، فتتركهم بلا حل وبلا أمن ولا تعرض سوى مساحات خادعة من حالات وقف النار الوهمية.
ان السياسة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة تتميز منذ سنوات بتفكير تكتيكي فقط، مؤجلة ومقلصة للأضرار، وليس بتفكير استراتيجي لمنع الحرب التالية ولحل بعيد المدى. هذا الفكر السلبي ينتج سياسة تتمثل برد الفعل، تترك المرة تلو الاخرى الكرة في ملعب حماس. وتوصل جهاز الامن منذ زمن بعيد إلى الاستنتاج بأن تغيير الميل حيوي لمنع انهيار متكرر لوقف النار. كما أنه رفع إلى الحكومة جملة من البدائل لتغيير الميل، غير أن القيادة السياسية صدتها جميعها.
كنت أتوقع من حكومة إسرائيل ان تتمكن من الفهم بعد ثلاث جولات من القتال في غزة، بعد جثتين لجنديين ومواطن آخر بقوا في أسر حماس، 93 جنازة لمواطنين ولابسي بزات وأكثر من 5 آلاف جريح، بأنه حان الوقت لمبادرة إسرائيلية، ولكن لا، إسرائيل 2018 ـ مثل إسرائيل 2014، 2012 و 2008 ـ تفضل الرد، الانجرار إلى خطوات تبادر اليها حماس في توقيت مريح لها، وتحمل نار الصواريخ إلى الاراضي الإسرائيلية، العبوات على حدود غزة والطائرات الورقية الحارقة. المهم ألا تقرر.
بودي أن أصدق بأنه لا يوجد حتى ولا عضو واحد في الحكومة وفي الكابنت لا يفهم بأن التهديد الغزي لا يحل بواسطة طائرات أف 35 أو دبابات مركفا 4. فأعضاء الحكومة والكابنت يعرفون على أي حال، مثل كل انسان عادي، بأن الرد على مشكلة غزة هو خليط عاقل من الردع العسكري، الخطوات العسكرية والمبادرة السياسية. غير أن هذا الفهم، كما أسلفنا، لا يترجم إلى عمل سياسي.
حماس، التي تعد بضع عشرات آلاف المسلحين فقط، تنجح في أن تملي جدول أعمال الدولة الاقوى في الشرق الاوسط، وعلى الطريق «تحرقها» أيضاً. إسرائيل القوية، مشغولة بإطفاء الحرائق. وخليط الضرر في صورتها والمس بمعنويات المستوطنين في الغلاف يسحق الردع، يضعف أمن مواطني الدولة ويصنف إسرائيل كدولة بلا سياسة.
المرة تلو الاخرى، الجولة تلو الاخرى، نشهد العبث: حكومة إسرائيل تعزز عمليا حماس وتضمن بقاءها. وفي نفس الوقت تمتنع عن توفير حافز إيجابي للسكان المدنيين في القطاع. مع ان القيادة السياسية والامنية تعترف بأهمية تحسين الوضع الاقتصادي في غزة كعامل استقرار، فإن الحكومة لم تعمل حتى ولا على مبادرة هامة واحدة، وتكتفي المرة تلو الاخرى بخطوات هامشية، على مستوى صغير وتافه. فما المنطق؟ نسألكم أيها الأعضاء في الكابنت.
وفي هذه الاثناء، فإن حقول الغلاف تصبح رماداً، أطفال غلاف غزة يخافون جولة أخرى، سكان القطاع يواصلون كونهم رهائن وحماس تفهم أنها بالقوة وبالعنف يمكنها أن تصل إلى إنجازات أخرى وتحسين المواقف. والحكومة؟ تهرب من البشرى كما تهرب من النار وتترك الجيش الإسرائيلي وحده في الجبهة للقيام بالعمل بدلا منها. هذه ليست سياسة.
٭ لواء احتياط، رئيس حركة «قادة من أجل أمن إسرائيل»
يديعوت 26/6/2018