أصدرت محكمة مصرية قبل أيام قرارا يؤكد أن نجلي الرئيس المخلوع حسني مبارك (جمال وعلاء) بقيا زمنا كافيا، أي 3 سنوات في السجن، جراء الحكم بإدانتهما في قضية القصور الرئاسية.
ومن المعروف أن الحكم النهائي في تلك القضية يعني أن مبارك ونجليه قد أصبحوا للأبد مدانين بتهمة سرقة أموال الشعب، وإن كان حجم الأموال الموصوف هنا يقل كثيرا عن الأموال الطائلة التي حصلوا عليها أثناء فترة حكم مبارك. كما لا يمكن إنكار الأهمية السياسية للحكم الصادر في هذه القضية، الذي يمنعهم من العودة إلى العمل السياسي، وهذا الحكم يرد على محاولات البعض العمل على إعادة عائلة مبارك إلى السلطة، وللأسف نجد هذا البعض متغلغلا في البرلمان والقضاء والإعلام وغيرها، بدءا من رفضهم الاعتراف بثورة 25 يناير، وإن كانت معترفا بها في الدستور الحالي. ومعروف ما قاله النائب الشهير في برنامجه الذي استضاف فيه مبارك وأشاد به، وقال «25 يناير سبب الكارثة، ومصر تنهار».
ومن المؤسف أن النظام الحالي تجاهل مطلبا شعبيا حقيقيا لإجراء محاكمة سياسية بحجم الفساد الهائل والجرائم التي استمرت ثلاثين عاما في عهد مبارك. إضافة إلى أن نظام مبارك مازال قائما عمليا ونسبيا، ولن تتحقق مطالب الثورة إلا بتغيير هذا النظام، ورغم ذلك فإن مؤيدي مبارك يسعون إلى إطاحة الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، ولعل أحمد شفيق القائد العسكري ورئيس الوزراء الأخير في عهد مبارك سيكون مرشحا منافسا في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2018.
إلا أن إمكانية فوز شفيق تتحدد بعوامل بينها، أن مؤيدي عودة عهد مبارك أقلية، كذلك فإن المؤسسة العسكرية لا تبدو حتى هذا اليوم مضطرة لإحداث تغيير رئاسي، بل انها ستعمل على تقنين أي دعم سياسي لشفيق كمرشح رئاسي سابق، في محاولة لتأكيد دعم شعبي رافض لإعادة عصر مبارك ورموزه للحكم. ولا يعني هذا ان البعض سيؤيد شفيق باعتبار انه يمثل بديلا مطلوبا لتحقيق حالة من التوافق الاجتماعي، كونه لم يكن طرفا في الاحداث التي أطاحت بحكم «الاخوان» في 2013، ورغم أن البعض يرى أن علاقته الجيدة مع دولة الامارات ربما تمنحه فرصة للفوز بالرئاسة، إلا أن هذا لا يبرر قبول الأغلبية به.
أما ماذا سيحصل في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فإن الامر يتوقف على الحالة المعيشية والاقتصادية، وهذا ما لا يمكن توقعه في هذه اللحظة، خاصة إمكانية حصول ثورة جديدة، ذات جذور شعبية، وليس مجموعات محدودة كما حصل في 11-11 الاسبوع الماضي.
إلغاء الحكم بإعدام مرسي
ألغت محكمة النقض المصرية الثلاثاء الماضي أحكام الاعدام بحق الرئيس المعزول محمد مرسي وخمسة من قيادات جماعة الاخوان بينهم، المرشد العام محمد بديع. ويمثل هذ القرار تأكيدا على مدى صدقية محكمة النقض وشجاعتها. وكانت محكمة جنايات مصرية قد أصدرت هذه الأحكام في يونيو 2015 في القضية المعروفة إعلاميا باسم «الهروب من السجون» التي واجه فيها مرسي وقيادات الجماعة اتهامات بالفرار من السجون إثر اقتحامها على أيدي أنصارهم في 28 يناير 2011، بعد ثلاثة أيام من اندلاع الثورة. وصدر حكم وحيد بالإعدام في حق محمد مرسي، الى جانب أحكام عديدة بالسجن ضده. أما محمد بديع فصدرت ضده ثلاثة احكام بالإعدام في قضايا منفصلة، بينها الحكم الذي ألغي الثلاثاء الماضي. وكادت وسائل الإعلام المصرية أن تتجاهل الحكم الجديد من محكمة النقض، وكأنها اعتبرت إلغاء حكم بإعدام مرسي تشكيكا بحجم الاتهامات التي طالما وجهوها إليه. واكتفوا بأنه كان حصل على حكم نهائي بالسجن لعشرين عاما قبل شهور، وبالتالي لا توجد إمكانية للإفراج عنه قريبا، وإن قررت المحكمة إعادة محاكمته وليس إلغاء حكم الإعدام نهائيا. ولكنهم احتفلوا بعدم حصول اي مظاهرات حقيقية في 11-11 بما اعتبروه دليلا على ضعف الاخوان.
والواقع أننا امام حدثين يشيران إلى حالة من اليأس السياسي، إذ تغيب عنهما الحالة الشعبية، والواقع انها ليست معنية برغبة الدم ضد الاخوان التي تكررها يوميا بعض البرامج المحسوبة على عهد مبارك، أكثر من السيسي، وهي تسعى للحصول على إعدام شامل لكافة المعارضين للنظام سواء كانوا من الاخوان او غيرهم. وكانت تلك البرامج تشير خلال الأسابيع الماضية الى دعوة الناس الى توقع أحكام بإعدام قيادات الاخوان، وكأنها تضغط على قرار محكمة النقض. وفي المقابل فإن جماعة «الاخوان» ظهرت في 11-11 وردا على الحكم القضائي الايجابي لقياداتهم غير مؤهلة لتقديم رؤية سياسية يمكن ان تعمق أزمة النظام، وتدفعه في الوقت نفسه للاستماع إلى مطالبات إيجابية من اصوات وطنية صادقة للتوصل الى حل سياسي.. ومن جهته فإن الرئيس المصري أظهر نوعا من الاستجابة للمطالبات بالتصالح مع الاخوان اثناء الاجتماع الاخير في شرم الشيخ، لكنه اشترط موافقة شعبية. مع ان المفترض ان يكون القرار سياسيا أولا. ولهذا السبب فإن الفشل السياسي الشامل يبقى العنوان البارز والحاكم الحقيقي للوضع في مصر حتى إشعار آخر.
كاتب مصري من «أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي