ليفربول ـ أ ف ب: أعيد أمس السبت انتخاب اليساري الراديكالي جيريمي كوربن رئيسا لحزب العمال البريطاني، ما يترك هوة كبيرة بين قاعدة الحزب وقيادته ويهدد حظوظ العماليين في العودة إلى السلطة سريعا.
وقد اضطر كوربن للخضوع لتصويت جديد في وقت مبكر بعدما صوت 172 من اصل 230 نائبا في حزب العمال في حزيران/يونيو على مذكرة لحجب الثقة عنه، منتقدين تأخره في الدفع نحو منع خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي.
وبإعادة انتخابه بـ61،8 بالمئة من الاصوات، يضيف كوربن الرافض للتقشف والمؤيد للهجرة نقطتين إلى رصيده الذي سجله العام الماضي، بفارق كبير عن منافسه الوحيد النائب عن ويلز اوين سميث (46 عاما).
وعلى وقع التصفيق، سارع كوربن إلى دعوة حزب العمال إلى رص الصفوف، قائلا لمعارضيه امام مؤتمر الحزب المجتمع في ليفربول «فلنعمل سويا من اجل تغيير حقيقي ولنفتح صفحة جديدة».
واضاف «ثمة في حزبنا ما يجمعنا اكثر مما يفرقنا». ومع اعلان النتيجة التي نقلت عبر شاشة عملاقة، احتفل نحو 750 من أنصاره الذين كانوا مجتمعين في مركز ثقافي في المدينة.
وعلق براين تاورز (30 عاما) الذي اتى من مانشستر «انا سعيد للغاية. لم يربح فقط بل حسن نتيجته. نستطيع الان ان نتصدى لسياسات التقشف».
وبفوزه، يضع كوربن حدا نهائيا لإرث رئيس الوزراء العمالي السابق توني بلير الذي أثارت سياسته الوسطية وقراره التدخل في العراق عام 2003 معارضة الالاف من أعضاء الحزب.
ويعود فوز كوربن بشكل كبير إلى الأعضاء الجدد في الحزب. فقد حصل 300 عضو جديد على بطاقاتهم الحزبية السنة الفائتة ليضاعفوا بذلك عدد اعضاء الحزب الذي اصبح الأكبر في اوروبا.
وأدى مشروع «الثورة الديمقراطية» والأفكار التي تميل إلى اقصى اليسار لدى «الرفيق كوربن» إلى جذب كثيرين، ما غذى اتهامات بتسلل ماركسيين قدامى وعناصر من انصار حماية البيئة إلى حزب العمال.
وقال الاستاذ في كلية لندن للاقتصاد باتريك دونليفي «في كل أنحاء اوروبا، شهدنا نشوء احزاب مبنية على حركات ناشطين مثل بوديموس في اسبانيا، او النجوم الخمسة في ايطاليا، او سيريزا في اليونان. ومع جيريمي كوربن يقترب حزب العمال من هذا الاتجاه».
اما المعتدلون المدعومون بنتائج استطلاعات الرأي، فيعتقدون ان هذه الاستراتيجية ستؤدي إلى بقاء حزب العمال في صفوف المعارضة على مدى سنوات عدة او حتى عقود.
وبالنسبة إلى المحللين، فإن الانتخابات البرلمانية المقبلة عام 2020 ستصب في صالح المحافظين الموجودين في السلطة والذين يعتبرون في نهاية المطاف الفائز الحقيقي. غير ان كوربن لا يوافق على ذلك اطلاقاً. وقال «سنقاتل من اجل الفوز في الانتخابات المقبلة في عام 2020». وبعيد اعادة انتخابه، دعا الحزب إلى توحيد صفوفه وحض النواب الذين حجبوا عنه الثقة إلى «احترام الخيار الديموقراطي».
وبحسب أوساط كوربن، فإن العديد من معارضيه يستعدون للعودة إلى صفوف الحزب تحت قيادته. لكن الشتائم والتهديدات المتبادلة أثناء الحملة الانتخابية قد تترك ندوبا عميقة.
ولا يبدو ان المصالحة كفيلة بحل مشكلة قائد لحزب العمال غير مرغوب به من القيادة، رغم تأييد الناشطين له. كما لا يبدو ممكنا التوفيق بين مواقف المعسكرين داخل الحزب في هذه المرحلة، حتى ان البعض يخشى على مستقبل الحزب. فالنواب المعتدلون المقتنعون بأن وجود كوربن يمنع عودة الحزب إلى السلطة، قد تغريهم فكرة الانفصال لخلق تيار جديد يساري وسطي.
لكن معظم المحللين لا يتوقعون مثل هذا السيناريو، على الأقل في المدى المنظور. ويقول توني ترافرز من كلية لندن للاقتصاد «سيدخل البعض صفوف الحزب، فيما سيواصل آخرون التمرد. سيتحول حزب العمال إلى عائلة تعسة تحاول التعايش».
وقد تؤدي اي هزيمة انتخابية مقبلة إلى تغيير في الحزب، علما بأن لا ضمانات تؤكد ان ذلك سيعني خروج كوربن ومؤيديه. ويقول ستيفن فيلدينغ من جامعة نوتنغهام «حرب الاستنزاف ستستمر».