إعادة سيطرة بغداد على كركوك… المعاني الاستراتيجية

حجم الخط
0

عن طريق عملية عسكرية أعادت حكومة العراق لنفسها السيطرة على كركوك من أيدي الأكراد. العملية السريعة أمكن القيام بها بعد أن أنجزت إيران بقيادة قائد فيلق القدس قاسم سليماني اتفاقا بين زعماء الـ PUK – الخصوم السياسيين لرئيس الإدارة الكردية الإقليمية، مسعود برزاني من الـ KDP ـ والحكومة العراقية، بشأن سحب قوات البيشمركه من مواقعها في كركوك. خسارة كركوك تشكل ضربة جسيمة لاقتصاد الإقليم وتضر جدا بقدرة الأكراد على تحقيق تطلعاتهم للاستقلال. يوجد لـ هذه التطورات معان استراتيجية كثيرة، وحتى أن جزءا منها يتعدى الساحة الداخلية العراقية، كما أن لها تداعيات على إسرائيل. أولا وقبل كل شيء إن هذه العملية تظهر قدرة إيران على تحقيق مصالحها وتعزيز تدخلها وتأثيرها بشكل عام وتأثير الحرس الثوري وقاسم سليمان بشكل خاص في الحكومة في العراق. بالمقابل تبرز الصعوبة التي تواجهها الإدارة الأمريكية في ترجمة تصريحاتها فعليا إلى واقع المتمثلة بالعمل ضد توطيد إيران في أرجاء الشرق الأوسط.
من خلال عملية عسكرية سريعة أعادت حكومة العراق لنفسها في 16 ـ 17 تشرين الأول السيطرة على كركوك من أيدي الأكراد الذين سيطروا على المنطقة في 2014. محافظة كركوك الغنية بالنفط تشكل نقطة خلاف وموضوعا لمفاوضات بين حكومة العراق والإدارة الكردية الإقليمية منذ سنوات. مع ذلك، حتى الآن فقد امتنع النظام المركزي في بغداد عن مواجهة عسكرية بشأن هذه المحافظة، حيث أنه في السنوات الأخيرة تم تركيز الجهود المشتركة لدعم الحرب ضد الدولة الإسلامية.
في خلفية السيطرة ـ يقف الاستطلاع الشعبي الذي أجري في 25 أيلول في الإقليم الكردي، الذي صادقت نتائجه رغبة الأكراد في الاستقلال بأغلبية كبيرة تصل إلى نحو 93 من مئة من المصوتين. التطلعات الكردية ووجهت بمعارضة جارفة من جانب الحكومة في بغداد، ومن جانب جارات الإقليم الكردي، إيران وتركيا، وكذلك المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة.
إن العملية العسكرية، بعدد محدود نسبيا من المصابين، أمكن القيام بها بعد أن انسحب مقاتلو البيشمركه (القوة العسكرية الكردية) الذين كانوا منتشرين في أماكنهم من مواقعهم من دون أية مواجهة. هذا، بعد أن أجرى زعماء حزب الاتحاد الوطني لكردستان PUK، الخصوم السياسيين لرئيس الإدارة الكردية الإقليمية، مسعود برزاني (من الحزب الديمقراطي الكردي KDP) برعاية إيران بعد أن زار قائد فيلق القدس قاسم سليماني الإقليم، مفاوضات توصلوا خلالها إلى تفاهمات مع حكومة العراق. بالمقابل وبموازاة قوات الجيش الذين دخلوا منطقة كركوك فقد قامت قوات المليشيا «الحشد الشعبي» (PMU) أيضا وهو إطار فوقي لمليشيات شيعية في العراق، برعاية إيران، التي تتعاون مع الجيش العراقي في حربه ضد الدولة الإسلامية.

نفط كركوك والاقتصاد الكردي

الانسحاب الكردي من محافظة كركوك يشكل ضربة شديدة لاقتصاد الإقليم، بعد خسارة مخزونات النفط الواسعة الموجودة في المنطقة. حسب بيانات سلطات النفط الدولية، حتى الآن ضخت حقول النفط في المنطقة نحو 590 ألف برميل نفط من 790 ألف برميل يوميا كان يضخها الأكراد، بدخل يقدر بنحو 8 مليارات دولار سنويا. في أعقاب ذلك أيضا تضررت بصورة شديدة قدرة الأكراد في أن يحققوا فعليا طموحاتهم للاستقلال. هذه العملية تمس مكانة الرئيس برزاني، وتزيد في الانتقادات الداخلية الموجهة له ولتقديراته، ومن شأنه أن يخلق أزمة قيادية في الإقليم. إضافة إلى ذلك فقد زادت حدة الخلافات التقليدية القائمة بين أوساط القوى الكردية نفسها وزادت بروزا. على ضوء الانقسام القائم في أوساط قوات البيشمركه، فإن قادة البيشمركه التابعين لـ KDP اتهموا القادة من PUK بالخيانة. ليس واضحا ما تم التعهد به لزعماء PUK، خلافا لاستمرار الدعم الإيراني التقليدي لهم، ولكن يبرز استعدادهم للعمل من أجل إحباط جهود الرئيس برزاني في العمل من أجل الاستقلال.
حتى الآن يسود هدوء في أغلب محافظة كركوك، ولكن التوتر وإمكانية الانزلاق نحو العنف ما زال عاليا. برغم تصريحات رئيس حكومة العراق بأن قوات الحشد الشعبي قد خرجت من المنطقة وأنه ينوي مواصلة الحوار مع القيادة الكردية، فما زالت نوايا الطرفين غير واضحة. عناصر من البيشمركه تعهدت بالانتقام. إن دلائل انعدام الأمن في أوساط الأفراد بخصوص نوايا الحكومة هي هرب الآلاف منهم من كركوك في أعقاب الأحداث.
على كل حال، نجاح العملية في كركوك يشكل ذروة الجهود التي قادها رئيس حكومة العراق حيدر العبادي، بإبراز معارضة العراق لعملية الاستقلال التي يقودها برزاني. إن التردد في القيام بعملية عسكرية كان سيضر به من ناحية سياسية. ومن المعقول أنه سيعتبر اليوم زعيما مصمما ومخلصا وشجاعا. يعمل لتحقيق مصالح الدولة. هذا وبمناسبة الانتخابات البرلمانية المخطط إجراؤها في منتصف 2018 (حتى الآن لا يوجد موعد نهائي) والمواجهة المتوقعة بينه وبين سابقه في الوظيفة، نوري المالكي. من المعقول أن العبادي الذي يحرص على الحفاظ على شبكة علاقات جيدة مع الإدارة الأمريكية وكذلك مع إيران، أن يطلب الآن بالتحديد إبراز تعاونه مع طهران، على خلفية التقارب بين خصمه وإيران.
برغم أن إيران نفت أنها كانت متورطة في العملية العراقية لتحرير كركوك، فإنها لا تخفي رضاها عن نتائجه ويؤكد المتحدثون الإيرانيون، دعمهم لها. حسب أقوالهم على الرئيس الكردي الاعتراف بأخطائه والتراجع عن تطلعاته في قيادة الأكراد نحو الاستقلال. إيران التي تخاف من تداعيات التطلعات لاستقلال الإقليم على سلوك الأقلية الكردية في إيران، قادت هي وتركيا جهود المعارضة الإقليمية لخطوة الرئيس الكردي. إعادة السيطرة العراقية على كركوك التي تمثل خطوات عملية في إحباط المساعي لاستقلال الإقليم تعزز أكثر تدخل وتأثير إيران بشكل عام والحرس الثوري وقاسم سليماني بشكل خاص على الحكومة في العراق، وتجسد قدراتهم على المناورة في الساحة العراقية الداخلية. من المعقول أن تأثير إيران والحرس الثوري سيزداد في ضوء الانتخابات المقبلة في العراق، وضوء الإدراك بأن التقارب مع إيران سيكون له تأثير في نجاح المرشحين. ذلك، خلافا لاستمرار الدعم الإيراني للمليشيات الشيعية العاملة في العراق.
أيضا من أنقرة خرجت تصريحات شديدة ضد برزاني وما وصف بعملية غير مسؤولة له وصفوها خيانة. في السنوات الأخيرة ازدهرت العلاقات التجارية لتركيا مع الإقليم الكردي، بما في ذلك استخدام أراضي تركيا خطا لتصدير النفط من الإقليم بصورة يتجاوز فيها بغداد. مستوى التنسيق الذي وصلت إليه بغداد، طهران وأنقرة في ردهم الشديد على الاستفتاء الشعبي سارع في تراجع الأكراد في كركوك. في كركوك نفسها أيضا يوجد جالية تركية كبيرة، التي تعتبر أنقرة نفسها مدافعة عنها. أنقرة تنظر بسلبية إلى تقلص الوزن النسبي لهذه الجالية في المحافظة إزاء عملية التعريب والتكريد التي سجلت فيها على مر السنين. في الوقت نفسه إن الإضعاف الاقتصادي للإدارة الإقليمية الكردية يمكن أن يعمل ضد المصالح الاقتصادية لتركيا. إضافة إلى ذلك فإن أنقرة ـ منذ سنوات ـ لا تريد تزايد التأثير الإيراني في العراق خاصة زيادة قوة المليشيات الشيعية. هناك توترات موجودة في هذا السياق من شأنها أن تتزايد في المستقبل.

حيرة الموقف الأمريكي

إن سلوك الإدارة الأمريكية في ما يتعلق بالعملية في كركوك، وقبلها أيضا في مسألة الاستفتاء الشعبي للاستقلال في الإقليم، التي عارضتها، تبرز ثانية أن الهدف المركزي للولايات المتحدة كان وما زال الحفاظ على وحدة العراق وهزيمة الدولة الإسلامية، وحتى الآن لا يوجد أي دلائل تشير إلى أن الإدارة غيرت الاستراتيجية والأهداف في هذا السياق. متحدثون أمريكيون عادوا وأكدوا في الأيام الأخيرة أن «الدولة الإسلامية لا زالت هي العدو الحقيقي للعراق والولايات المتحدة تشجع الأطراف على التركيز في المعركة ضد هذا التنظيم». يبدو أن تصريحات الرئيس دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة لا تقف إلى جانب أحد الأطراف في الصراع العراقي ـ الكردي، وكذلك فإن الفراغ الذي تتركه هذه السياسة (التي برزت أيضا في فشل الإدارة في التوسط بين حليفيها، الأكراد وحكومة العراق) تعزز في أوساط مختلف القوى في المنطقة الفهم بأن الإدارة ليست لديها الإرادة، برغم تصريحاتها بأنها تنوي توسيع تدخلها من أجل مواجهة جرأة وتصميم إيران على زيادة تأثيرها في العراق والمساعدة العسكرية والاقتصادية التي تقدمها للمليشيات الشيعية. إضافة إلى ذلك فإن الانطباع المتولد هو أن خطوات إيران توافق فعليا المصالح الأمريكية ـ الحفاظ على الحدود القائمة للعراق واستمرار الحرب ضد الدولة الإسلامية.
للتطورات حول كركوك معان محتملة، تتعدى الساحة الداخلية العراقية وكذلك تأثيرات في إسرائيل بسبب تأثير ممكن في المناطق الأكثر قربا من إسرائيل. إن النجاح في المس بصورة كبيرة بمراكز الدولة الإسلامية في العراق وسورية من شأنها أن تتسبب في أن يطفو على السطح مواجهات قديمة ـ جديدة، من بينها الصراع الكردي ـ العراقي، ولحث مراكز القوى في المنطقة وخارجها على العمل بسرعة من أجل الدفاع عن مصالحهم والعمل على تحقيقها. في الوقت الذي تعود فيها الولايات المتحدة لتؤكد أن الجهود يجب أن تتواصل وتتركز على الدولة الإسلامية، فعليا فهذه الأوساط وعلى رأسها إيران لا ينتظرون ويعملون بسرعة وتصميم من أجل تمهيد الأرض لمرحلة ما بعد الدولة الإسلامية، بهدف استغلال ضعف التنظيم من أجل تعزيز سيطرتهم. الاستراتيجية الهجومية التي طرحها الرئيس ترامب في خطابه في 13 تشرين الأول إزاء السلوك الإقليمي لإيران سيتم اختبارها قريبا أيضا في سورية، مع إنهاء احتلال الرقة من أيدي الدولة الإسلامية وسعي مختلف الأطراف المشاركة في استغلال هذه التطورات لتحقيق أهدافها.

نظرة عليا 26/10/2017

إعادة سيطرة بغداد على كركوك… المعاني الاستراتيجية

الداد شفيت وغاليا ليندنشتراوس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية