كان على حسني مبارك ان يهدر ثلاثة أجيال حتى يصل بالمصريين إلى ما هم عليه من ضيق الحياة ونكدها. غير ان الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يحتج الفترة ذاتها، بل انه بدأ من حيث انتهى مبارك فجفف مجالات العمل العام ولاحق المنادين بالحريات. ولعل المناخ الذي يعصف بالبلاد الآن يليق بنزلاء السجون لا بمواطنين مقبلين على انتخابات رئاسية في غضون أسابيع قلائل. هي انتخابات خالية من المفاجآت بالتأكيد تلك التي من المقرر ان تشهدها مصر في السادس عشر من اذار/مارس المقبل، فقد اختزل المخرج العرض وفق طموحه إذ يريد النظام الحاكم الامساك بالسلطة للنهاية ولو كان المقابل تلطيخ سمعة القوى السياسية بمختلف مذاهبها بل وحتى الإساءة لمصطلح السياسة نفسه بحيث أصبحت في نهاية المطاف تجلب لمن يزاولها العار. بنص الدستور على ان: رئيس الدولة هو أعلى منصب سياسي، والحكومة شريك في صنع السياسات العامة، لكن الرئيس ومن حوله لا يريدون للانتخابات المرتقبة إلا ان تكون تكراراً لمسرحيات اختفت من على وجه الخريطة.
المتأمل لسلوك السلطة على مدار الفترة الماضية لا يحتاج لمزيد من الجهد ليدرك عزمها على إعداد خشبة المسرح لنجم الشباك الوحيد الذي يرفض حتى الاستعانة بـ«سنيد» لأجل ذلك تم اخلاء الساحة من أي مرشح له شعبية على الأرض كما حدث مع الفريق احمد شفيق ورئيس الأركان سامي عنان.
انتخابات بدون منافسة قوية ومرشحين أقوياء وتجري على نسق أزمنة الاستبداد والديكتاتورية تمثل إهانة لثورة الخامس والعشرين من يناير وشهدائها الذين قضوا أملاً في سبيل الدفع ببلدهم نحو مصاف الدول الديمقراطية، كما انها ستفضي لـ»خراب بيوت» فئات بأكملها أبرزها بالتأكيد الصحافيين والإعلاميين حيث ستتحول لطقس عزاء لا مشاركين فيه ولا أحدث تغري على المتابعة حيث النتيجة معروفة سلفاً. وتبلغ المأساة ذروتها بأن تجري الانتخابات في ظل حال طوارئ تفرض للمرة الرابعة «مخالفة للدستور». لعل أبرز تجليات اللحظة التي قذفت بالرئيس لقيادة البلاد، بزوغ ظاهرة تتمثل في مولد ظاهرة قضايا «الحسبة السياسية» عبر محامي السلطة الذين لاحقوا المعارضين أمام المحاكم من خلال رفع قضايا يتهمونهم من خلالها بالخيانة والعمل لصالح جهات أجنبية والتخطيط لقلب نظام الحكم. وعلى مدار الأسابيع الماضية تم ملاحقة عدد من أبرز السياسيين في النيابة بتهم مفادها السخرية من الرئيس والدعوة لمقاطعة الانتخابات والسعي لقلب نظام الحكم، وتهديد الاقتصاد والاستقرار والأمن والتحريض على العنف، وتهديد مؤسسات الدولة، ومن أحدث الملاحقين الذين تعقبهمم المحامي أشرف فرحات، الناشطة أسماء محفوظ، حيث تقدم ببلاغ للنائب العام، يتهمها فيه بالتحريض ضد الرئيس وذكر البلاغ المقيد برقم 1377 لسنة 2017 أن المشكو في حقها نشرت عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك كلمات وصفت فيها السيسي بعدة أوصاف تُعد جريمة في قانون العقوبات. وقبل أسبوع تقدم المحامي محمد حامد سالم، ببلاغ إلى النائب العام ضد قيادات «الحركة المدنية الديمقراطية»، يتهمهم فيه بالتحريض على قلب نظام الحكم، والإضرار بالاقتصاد والأمن القومي المصري.
ترتكب السلطة وهي تتجه نحو انتخابات رئاسية جديدة خطيئة لا تقل عن خطايا الإرهابيين وتقوم بممارسة التكفير السياسي ضد أبرز رموز القوى المدنية أمثال حمدين صباحي ويحيي القزاز ويحيى عبد الهادي وكمال خليل وجورج اسحق وعمرو حلمي واحمد البرعي.. ان اسوأ ما يقترفه النظام الحاكم من خطايا هو التعامل بمنطق الغاب مع حلفاء الأمس فبمجرد استدعاء مشهد الثالث من حزيران/يونيو عام 2012 حينما كانت معظم القوى المدنية تلتف حول السيسي ومعسكره نكتشف الآن ان كل من في الصورة أما خارج حدود الوطن أو داخل الزنازين والبقية الباقية يقفون في الخندق المضاد. ومن أبرز تجليات اللحظة الراهنة ان حالة الذعر التي تلازم السلطة خشية مقاطعة شعبية مرتقبة للانتخابات دفعتها لارتكاب أخطاء فادحة في مقدمتها البحث عن مرشح اللحظات الأخيرة. ان أبرز خطايا النظام الراهن تتمثل في الكفر بكل ما نادت به ثورة يناير من التحول إلى دولة مدنية ديمقراطية، تعادي الاستبداد وتوحش السلطة وبناء دولة مؤسسات قائمة على التداول السلمي للسلطة. ومن قبيل المفارقات ان المادة الخامسة من الدستور، نصت على ان يقوم النظام السياسي على أساس التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسؤولية مع السلطة واحترام حقوق الإنسان وحرياته. لكن الرئيس غير معني بصراخ المعارضة المدنية التي تدرك الآن ان البلاد على أعتاب لحظة فارقة لا نجاة منها إلا عبر اللحاق بسفينة الحرية، غير ان مختلف الإجراءات التي اتخذت على مدار الفترة الماضية تؤكد ان أجنحة مؤثرة في السلطة تعمل بدون وعي ضد الرئيس ليبدو الأمر وقبيل الانتخابات المرتقبة وكأن السيسي ينافس ظله.
حسام عبد البصير