إعلام أعور وإرهاب محمود

حجم الخط
2

■ تمّ تصوير اعتراف الحكومة السويدية بدولة فلسطين على أنّه نصر تاريخي؛ لكنّه في الحقيقة لا يعدو كارثة كبرى، فالقرار السويدي يعترف بدولة فلسطينية على 22٪ من أرض فلسطين التاريخية، وهذا ما تتفاوض عليه السلطة منذ توقيع اتفاقية أوسلو، وبالتالي فالقرار السويدي يحمل بين طياته اعترافا بسيطرة الكيان الغاصب على باقي مساحة فلسطين، فأي نصر ذاك؟ يكمن التوجيه الإعلامي وراء هذا اللغط المقصود.
جرت مذابح حماة على يد قوات الأسد الأب قبل ثلاثة وثلاثين عاماً مصحوبةً بصمت دولي، ألقي باللوم وقتها على الإعلام الذي لم يكن كحاله الآن؛ لكن هل تصوير الجرائم والمذابح اليومية التي تقترفها قوات الأسد الابن وطائراته وهي تلقي البراميل أو صواريخه البالستية وهي تسقط على رؤوس المدنيين وحتى مجازر السلاح الكيماوي نفع؟ ما حدث في حماة في فبراير عام 1982 كان يعلمه من يستطيع إيقافه، لكنّه لم يفعل شيئاً، هذا إن لم تكن تلك المجزرة قد تمّت بعد إذن مباشر منه، وهذا ما ينطبق أيضاً على ما يقترفه النظام وميليشياته الطائفية في سورية الآن.
ما زاد في وحشية حرق «داعش» للكساسبة هو تصوير الجريمة وعرضها، ومن ثمّ التركيز الإعلامي عليها، فهناك الآلاف من المحروقين ولا يزال آخرون يحرقون أيضاً؛ فلا تصدر روائح الياسمين وتتلون الأجواء بألوان قوس قزح بعد سقوط قذائف الهاون والبراميل وصواريخ السكود وانفجارها؛ بل تشتعل النيران، ومن لم يمت بالشظايا فستحرقه النيران لا محالة، كما تستخدم النار في تعذيب المعتقلين في سجون نظام الأسد، هذا فضلاً عن أساليب إجرامية إرهابية أخرى لا تخطر على بال الشيطان نفسه، وتوجد أيضاً على اليوتوب الكثيــــر من مقاطـــــع الفيديو قامت فيها عصابات الأسد بحرق أشخاص أحياء وما خفي أعظم. والحرق نتيجة القصف بمختلف القذائف وعلى رأسها الفوسفور الأبيض هو ديدن إسرائيل في عدوانها المستمر على قطاع غزة، وكذلك حــــرق مستـــوطنون إسرائيلـــيون الشاب الفلســــطيني محمــــد أبو خضير حياً، وأيضاً حرق بوذيون متــطرفون المسلمـــين الروهيــــنغا في ميانمار ولا يزالون يحرقونهم، وطبعاً لا يُنسى من حرقهم السيسي من بين آلاف قتلاه خلال فضّه لاعتصام رابعة.
قتل الطلاب الثلاثة في كارولاينا الشمالية تمّ تحويله إلى جريمة تعود إلى خلاف على موقف سيارة، أما أي جريمة يرتكبها أي شخص يدّعي الإسلام فتوصف مباشرة بالإرهاب ويُحمّل كلّ المسلمين تبعاتها؛ وتجري المسيرات العالمية للتنديد بها وتتحرك الأساطيل وتحشد القوات لتدّك مدن المسلمين السنّه ردّاً عليها.
تَحوّل العالم بسبب الإعلام إلى قرية كونية لكن موجّهه؛ فيستطيع السوري مثلاً معرفة ما يحدث في أعالي جبال الأنديز، لكنّه لا يعرف ما يجري على بعد ثلاثة شوارع من مكان إقامته، وحتى إن عرف هو وغيره فإنّ تلك المعرفة لا تُقدّم و لا تُؤخر ولا تدفع من المذابح شيئاً.
زرع الإعلام في أذهان المواطنين الغربيين فكرة مسبقة عن المسلمين، راحت تُذكّيها أفعال بعض المجرمين الإرهابيين بين فينة وأخرى، في أوروبا وأمريكا، ثمّ أصبح يجري الأمر في منطقتنا على أيدي «داعش» ضدّ مواطنين غربيين، لكن عملياً يبقى أكبر المستفيدين من الإرهاب هم الدول الغربية، فبسببه تبرر تدخلها العسكري في أي مكان في العالم من إفغانستان إلى العراق فمالي، وحالياً يحضّر شيء لليبيا، فقد كان السيسي مستعدّاً لضرب مواقع تذرّع أنّها لـ»داعش» في ليبيا بعد جريمته بحق الرهائن المصريين.
نحن هنا أمام مشكلة قديمة تتعلق بتعريف الإرهاب، فالسيسي يعتبر الإخوان المسلمين إرهابيين ولا بدّ أنّه سيقصفهم الآن علناً في ليبيا بعدما توفرت له الذريعة لذلك، وسيدعم حليفه حفتر الذي لم يتمكن من حسم انقلابه على الثوار الليبيين فرضخ للحوار ربما لكسب بعض الوقت، أما الآن فقد يسانده تدخل مصري مباشر، ناهيك عن تدخل إيطالي مرجّح حسبما صرّحت به وزيرة الدفاع الإيطالية وكلّه في سبيل محاربة «الإرهاب». وعلى الرغم من سياسة أوباما القائمة على عدم شنّ حروب خارجية؛ لم يجد بدّاً من إعلان الحرب على «داعش» حاشداً في سبيله حلفاً عالمياً مكوّناً من ستين دولة بعد إعدامه للرهينتين الأمريكيتين، لكنّ حقيقة الأمر أنّ كلّ ما قام به منذ سبعة أشهر وإلى الآن لم يكن سوى تدخّل محدود لإدارة الأزمة لا أكثر؛ فـ»داعش» لا يزال يستقطب الآلاف؛ الذين زادت الضربات الأمريكية من توافدهم إلى أرض خلافتها المزعومة، كما لا يزال يملك قدرات على المبادرة وشنّ الهجمات، في وقت لم يخسر خلال حرب البيشمركة والمليشيات الطائفية العراقية التي يقودها الإيرانيون عليه إلا 1٪ من الأراضي التي يسيطر عليها في العراق، في حين لم تملك الولايات المتحدة إلا التدخل المباشر في أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 الذي بموجبه دمّرت البلد وقتلت عشرات الآلاف من سكانه، ولكنّها حدّت كثيراً من قدرات تنظيم «القاعدة» ثمّ شغلته بحروب معها ومع أطراف أخرى في العراق ثمّ سوريا وليبيا واليمن، لتبقى أرضها بعيدةً عن هجمات التنظيم. عملياً «داعش» لا يشكّل خطرا على امريكا التي – في الحقيقة- لا تخشى إلا من الإرهاب الذي يملك القدرة على الوصول إلى أرضها وضرب أهداف فيها؛ لذلك لا نلمس جدّية في حرب التحالف على «داعش» في سورية والعراق لتبقى القضية ذات بعد إعلامي لا أكثر.
دوما مدينة ملاصقة لدمشق تقصف يومياً منذ أربعة أعوام بشتى أنواع الأسلحة منها الكيماوية، قتل فيها خلال الأيام العشر الأولى من هذا الشهر حوالي 103 أشخاص، لكن لا أحد يكترث بها، لأنّ الإرهاب الممارس ضدّها ببدلة وربطة عنق، أما عين العرب- كوباني فأصبحت بغمضة عين قضية عالمية راحت طائرات التحالف تساند المقاتلين المدافعين عنها، كما تقاطر المتطوعون من الدول الغربية للدفاع عنها، وطبعاً لن يجرّد هؤلاء من جنسيّاتهم بعد عودتهم إلى بلدانهم أو يحاكموا أو يصنّفوا على أنّهم يشكّلون خطراً على المجتمع. طلب أوباما تفويضا جديدا من الكونغرس لاستخدام القوة ضدّ «داعش» فيه شيء من الغرابة، فماذا كان يفعل منذ أشهر وإلى الآن، لابدّ أنّه يحمل بين طياته رغبة لتوسيع العمليات العسكرية الأمريكية لتشمل ليبيا؛ فإيطاليا أبدت استعدادها للمشاركة في عملية ضدّ «الإرهاب» في ليبيا إذا ما توفرت مشاركة دولية فيها، وهذا ما يتجه السيسي للمساهمة العلنية فيه بعد طلبه تفويضا دوليا بذلك، لنأمل أنّه ليس كالتفويض الذي طلبه لفضّ اعتصام رابعة.
طغى خبر جريمة قتل «داعش» للمواطنين المصريين، فنسي الجميع ضحايا ملعب الدفاع الجوي، لا بل راح يروّج للسيسي الذي أرسل طائراته مباشرة لضرب الليبيين على أنّه بطل.
تبدأ قصة حمل السلاح للدفاع عن الحقوق والوقوف في وجه الظلم، للتطــــور الأمور في ما بعد ويظهر الإرهاب، لكن لو وجدت عدالة دولية وحكومات تدافع عن حقوق شعوبها لما اضطر أحد لأخذ زمام المبادرة والقتال من أجل حقوقه.

كاتب سوري

بشار عمر الجوباسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية