رغم حاجتنا الماسة لدفع إيجابي بشكل يومي، إلا أن مطبّات السلبي تجرّنا بقوة أكثر نحوها، الأمر متعلق بطبيعة بشرية ترتاح ـ راحة مجازية ـ للسلبي وتتصرف بحيادية أكثر نحو الإيجابي. الحاجة للسلبية ليست حاجة فردية تتعلق بشخص أو أشخاص دون غيرهم، بل تسيطر بشكل عام على فهمنا للعالم من حولنا. تلك السلبية، التي كانت في الكثير من الأحيان قوة دافعة نحو تحصيل الأمان الفردوسي، يحيلها البعض لعوامل نفسية للإنسانية الأولى التي كانت تستشعر نفسها في نضال دائم لحماية ذاتها ضد أشياء مرئية أو لامرئية، ولكننا نجدها كذلك زاد الكائن المعاصر الذي يقاوم لامعنى العالم بالضجر والسلبية.
حين قرأ الفرنسيون في القرن الماضي «الوجود والعدم» الذي أصدرته دار غاليمار، واضعة إياه في متناول الجميع، كان الحكم الاستباقي أسرع من القراءة نفسها، خاصة في موضوع العلاقة مع الآخر الذي خصص له سارتر القسم الثالث الأكبر من كتابه. هذه السلبية في جوهر العلاقات تُذكر في كل مناسبة وعلى كل مدخل من مداخل فهمنا للعالم، سلبية لا تتغذى على شيء مفهومي، بل تستمد طاقتها التي لا تنضب من ضعف عام أمام الآخر المتكامل مجازياً.
تعريف الآخر: الآخر بالمختصر، عند سارتر، هو وعي حر من ذات جوهر وعيي أنا، أي أنه مشابهي الوحيد في الوجود. ننتمي نحن الاثنان للفصيلة ذاتها ولنا الميول والرغبات والحرية ذاتها، لكن، ولأننا متشابهان فإننا نتصارع في الميدان ذاته وبالأدوات ذاتها.. والهدف هو أن يثبت أحد الطرفين استحقاقه ووجوده وحريته في مواجهة الآخر. ومن أجل هذا الهدف الذي لا يحتوي في عمقه أي كره أو محاولة إفناء بالمعنى العدائي أو الشعوري، إلا أنها تركزت في وعي القرّاء على أنها أول حرب يخوضها الإنسان في وجوده: الحرب ضد الآخر. هذه القاعدة التي أعتبرت قاعدة عداء في فلسفة سارتر، لم يتمكن أحد من تصحيحها أو النظر اليها بروية، وتأزم الوضع خاصة بعد شرح سارتر وسائل دفاع الأنا عن نفسها، من أجل تحقيق استقلاليتها وحريتها، ودعم ذلك كله بأنواع الصراع الملتهب بين شخصياته الروائية والمسرحية.
هنا يجب القول إن كل شي يبدأ بين الأنا والآخر من خلال النظرة. سارتر كان أول من جعل لجسد الآخر حدوداً تتجاوز كونها مادة لتصير أداةً لسلب الحرية. فالنظرة هي من المواضيع المهمة والمثيرة للجدل بمفاهيمها وتجلياتها لدى سارتر، كما لدى غيره من الفلاسفة. النظرة هي أساس التواصل مع الآخر، وهي كذلك أساس النفور، وأساس إطلاق الأحكام، وأساس القبول أو الرفض.
في «الوجود والعدم» يشرح سارتر أن مجرد ظهور الآخر أمامي يعني صراعاً، ذلك أنني لا أنسى أن هذا الآخر يحمل عيوناً تنظر، فتحكم. حكماً لا يشبه الصفات ولا يبقى خارجياً، بل يختلط مع أناي ويصبح أحد أبعاد شخصيتي الأساسية. سارتر منطلق إذن من فكرة الحفاظ على حرية الأنا، لا من أهمية إفناء الآخر.
فعند سارتر هناك ثلاثة أوجه أساسية لوجود كل فرد منا. هو الوجود في ذاته، والوجود لذاته والوجود للآخر.
ـ الوجود في ذاته: هو وجود شبيه بوجود الأشياء في العالم كوجود الطاولة. ما يميز هذا الوجود هو كونه وجوداً بلا عدم وبلا حرية. وبهذا فهو سمة الإنسان المنكِر لحريته، سمة كل من يختار أن يكون جماداً كطاولة لا فاعلا وفعالاً ومتغيرا كإنسان. ومثّل سارتر ذلك في العديد من أعماله بالبورجوازيين الذين يولدون وفق خطة ويقضون حيواتهم وفق الخطة المدروسة ذاتها، فيجعلون من حياتهم كتاباً يقرأونه لا كتاباً يكتبونه، ولعل أفضل مثال هو صورة بطله لوسيان في قصته «طفولة قائد».
ـ الوجود من أجل ذاته: هو وجود الفرد الحر، المثقوب بثقب العدم، المفتوح أمام الإمكانيات المنطقية واللامنطقية، الحر في محو كل ما لا ينتمي لأناه اللحظية، والمتجاوز في كل آن لما هو عليه نحو ما ليس عليه، أي متجاوزاً نفسه في الحاضر نحو ذاته المستقبلية.
ـ الوجود الأخير، اي الوجود من أجل الآخر، هو جزء من وجودي، هو الجزء الثالث من وجودي، ولكن لا يمكنني أن اتعرف عليه بدون الآخر، بدون وساطة الآخر لأنه يُخلق أصلاً ويتم تصنيعه على يد الآخر منذ ظهوره. الآخر هنا هو المرآة العاكسة لصورتي، فهو وحده مَن ينبئني بالبعد الثالث لأناي. هل يمكن لأحدنا أن يعرف صورته وشكله بدون مرآة عاكسة؟ سؤال لا بد أن اياً منّا طرحه يوماً ما على نفسه. إن وجهي الذي أحمله لا أعرفه كما يعرفه الآخر، وبالدرجة نفسها هناك بعض أبعاد شخصيتي لا يعرفها إلا الآخر، وإن أردت معرفتها فلا إمكانية لي إلا بواسطة الآخر. الآخر هو وسيط بيني وبين البعد الثالث لوجودي. لذا فالآخر ضرورة لي رغم كل شيء. في فلك تلك المرآة تدور أغلب موضوعات أدب وفلسفة سارتر، ومنها الخطتان الأساسيتان في مواجهة الآخراللتان يشرحهما سارتر في «الوجود والعدم» لتعودا بشكل متكرر في أعماله الإبداعية، وهما:
الخطة الأولى: يمكنني مواجهة أنا الآخر كـ(أنا) بالسيطرة عليه بإذلاله أو إنكاره، أو ببساطة بإظهار اللامبالاة اتجاهه، وبدرجة أهم جعله موضوعاً لرغبة جنسية من قِبلي. في هذه الحالة أحيل الآخر على الفور لكائن في ذاته، أي جماد، وأسلبه حريته.
الخطة الثانية: هي قبول نظرة الآخر وربط حريته بحريتي وجعله أفضلية، وحبه بطريقة أخرى، لأن الحب عند سارتر هو رغبة أن تُحب من قبل الآخر، رغبة في إشراكه في المصلحة ذاتها لإعطاء مبرر لوجودي الذي لم يكن مبرَراً قبل قبول الآخر لي. لكن هذه الخطة مصيرها الفشل لأن هذا الحب يجعل الطرف الآخر ملكية (أي شيء ما) وهذه الملكية تُفقد الآخرغيريته، فأعود بالتالي فرداً وحيداً في مواجهة الشيء الذي أصبحه الآخر.
في «جلسة مغلقة» المسرحية الأكثر جمالاً في هذا الشأن من بين كل أعمال سارتر، يحاول الكاتب تجسيد هذه العلاقة الجهنمية بالمقولة الساحرة التي غدت قانوناً سارترياً، رغماً عنه، في ما بعد: «الآخر هو الجحيم». كل قارئ لهذه المقطوعة شبه الموسيقية يصيبه إغراء الأنا ويستشعر ولو للحظات تفوقه، من حيث أن كل المواجع تلقى دفعة واحدة على كتف الآخر ووجوده، وتصبح الأنا ضحيته الأولى والأخيرة. لكن هذا الإغراء لا يتوقف عند القراءة الأولى، فالدراسات التي تناولت هذه المسرحية لم تخرج من هذا الإغراء الابتدائي. مما دعا سارتر بعد سنوات لقول إن ما قصده ليس معنىً عدائيا بل أنطولوجيا، إذ أنه لا ينجم من علاقتي كحرية في وجه الآخر كحرية سوى فشل في هذه العلاقة، مضيفاً إلى ان ما كان يقصده هو عكس ما فُهم تماماً. ولكن مهما برر سارتر، أو غيّر وجهة أفكاره فإن العامة قد سبقته للحكم عليه بكونه كارهاً للآخر. ذلك أن جمال السلبية عملت عملها بطريقة أسقطت من يد سارتر كل سلاح.
في أحد لقاءاته المتأخرة يتحدث سارتر عن حلمه في أن تكون العلاقات شفافة مع الآخرين، ألا تكون هناك أسرار أو حاجة للأسرار، أن يكون العالم الخارجي جزءاً من العالم الداخلي والعكس. هذه الشفافية التي كانت الفخ الذي دفع سارتر ثمنه غالياً، لم تكن جزءاً من فلسفته فحسب، بل جزءاً من رغباته الأكثر حميمية والأكثر إلحاحاً. هذا الصراع مضافاً إلى الصراع الأولي المتمثل بصراع حريتين الواحدة مقابل الأخرى.. كل هذا جعل الكثير من النقاد يعتبرون سارتر تشاؤمياً. ولهذه القضية أيضاً جذور لا يسعنا هنا طرحها، لكن ما يلفت النظر في هذه التشاؤمية أنها ليست سوى نتاج الجانب السلبي السبّاق الذي ظل، رغم كل شيء، أقوى وأكثر ديمومة من كل الأوجه الإيجابية بالنسبة لسارتر ولقرّائه.
٭ كاتبة وأكاديمية سورية مقيمة في ألمانيا
هيفا نبي