إقامة إجبارية

حجم الخط
3

تعودت أن تبحث كل سنة عن بيت جديد. كانت الفتيات اللواتي يأنسنها ويشاركنها المنزل ذاته، يتزوجن أو يقتنين بيتا بمجرد ما تمر السنة. لكن سوء حالها المادي، جعلها تبحث باستمرار عن غرفة مع إحدى الصديقات أو على من تقاسمها الشقة.
أخبرتها صديقتها التي تقطن معها منذ أكثر من ستة أشهر، أنها ستغادرها بعد شهر. فقد أكرمها الله بابن الحلال الذي ستتقاسم معه بقية عمرها. بقدر ما كان يحزنها الأمر، لأنها تضطر كل مرة إلى البحث من جديد عن مكان آخر، أو مرافقة أخرى، كانت ترى نفسها فال خير على غيرها. زرع فيها هذا الإحساس مؤخرا نوعا من التفاؤل؛ منت نفسها بأن تلتقي بدورها بابن الحلال الذي يؤنس وحدتها. ازداد أملها لأنها منذ مدة وهي تحلم الحلم ذاته: فتى وسيم يلاحقها بنظراته. وكلما التقت عيناهما أحست بخفقان كبير. كانت تستمتع بهذه اللقاءات العابرة، وتمني نفسها أن تلقى الفتى في الحلم مدة أطول، لتعيش معه لحظات فرح أكبر. حاولت أن تبحث في ذاكرتها عن أحد العازبين ممن تعرفهم علها تصل حلمها بواقعها، فلم تنجح. كان شابها في الثلاثين. لا يكلمها، وكانت، رغم ذلك، تحس وهي مستغرقة في حلمها أنه يحبها فأحبته. لكن أشد ما كان يؤرقها هو أنها بمجرد ما تستفيق من النوم تغيب عنها ملامح ذلك الشاب، ولا تلتقط ذاكرتها سوى نظراته، بل الإحساس بها. كان بودها أن تجرب العشق بالنظرة. تحدق في هذا وذاك علها تجد النظرات التي حلمت بها، أو صدى بريقها. هل كانت تستطيع فعل ذلك؟ لست أدري؟ كثيرا ما راودتها تلك الرغبة وصرحت داخلها:
وما المانع؟ «طز» في العالم وما يريده لي. أنا أريد فأنا أجرب.
اكتفت بالانتشاء الذي تحس به كلما استيقظت، أو كلما رأت في حلمها الشاب صاحب النظرة المرتعشة. تمنت لو تلتقط تفاصيل وجهه لتبحث عنه بجد بين من يحيط بها من الشباب. أحست بنفسها مثل ذلك الشرطي الذي يحقق في جريمة قتل ولا يمتلك سوى أدلة ضعيفة لا تسعفه لفك لغز الجريمة. تتساءل: هل أستطيع أن أخبره بحبنا لو عثرت عليه؟ أبعدت الجواب، واكتفت بالرغبة في أن تلقاه في حلمها هذه الليلة أيضا، ممنية نفسها بلقائه مستقبلا بين من تعرفهم، أو تصادفهم من الشباب، لن يهمها من سيكون، ولا ما هي وظيفته.
كان همها أن تجرب لعبة الحب معه، تحدق فيه طويلا لتغزل أوتار الوصال وتحرك دواخله كما حركها هو في ذلك الحلم. نسيت في غمرة حلمها المتكرر أن عليها أن تبحث عن مرافقة جديدة تقتسم معها البيت، خاصة أنه لم يبق على موعد إخلائها له سوى يوم واحد. نامت، وفي تلك الليلة حلمت به من جديد. كان جميلا وعليه أمارات الغنى. ارتاعت للأمر ولم تستطع أن تصدق، مد يده إليها. لم تستطع مقاومة مشاعرها، ومدت يدها إليه فأحست شيئا ما يدغدغها، ويجعلها ترتخي كأن مخدرا يسري في جسدها. التقت النظرات من جديد، وأحست أنفاسها الساخنة تلهبهما. تساءلت أين رأيت هذا الرجل؟ به شبه ما؟ حاولت أن تتذكر، (لم تكن تعلم أنها في حلم). سألت الغريب عن اسمه. بمجرد ما نطقت الحرف الأول وجدت الشاب الوسيم يتوارى إلى الوراء في حركة دائرية سريعة، ويختفي شيئا فشيئا إلى أن غاب عنها تماما. ندمت على تسرعها وتمنت لو اكتفت بتلك اللحظة، يدها في يده وعيناه الجميلتان تبعثان إليها نظرة حب . قررت ألا تستيقظ ،وأن تحكم على نفسها بإقامة إجبارية في الحلم إلى أن تستعيد فتى حلمها الضائع.

قاصة من المغرب

إقامة إجبارية

بديعة الطاهري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية