إقليم كردستان العراق حواف حارة وداخل دافئ

حجم الخط
2

لا يمر يوم من أيام الاسبوع هنا في إقليم كردستان العراق دون حديث لوكالات الأنباء عن حدوث عمل عسكري جديد على حد من حدود البلد مع جواره، سواء في شماله المجاور مع تركيا أو جنوبه الغربي المجاور لداعش أو جنوبه الشرقي المحاذي لميليشيات الحشد الشعبي، أو في شرق البلاد، ومع الحدث الجديد هناك، والمتمحور على قتال قوات بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني (إيران) مع الجيش الإيراني في تلك المناطق الوعرة الطبيعة، والتي يرفض التاريخ السياسي لتلك الجهات مفهوم السكينة والضبط المطلق للمرتسم الدولي هناك كما في غيره من المناطق التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة.
في عمق الإقليم شيء من الفصل الواضح للحياة اليومية عن تلك الأحداث. قدرة الناس ومن خلال التنظيمات السياسية الرئيسية الموجودة في الإقليم على تحويل أنظار المواطن إلى الأحداث المرتبطة بيومياته تركت قصة النيران في الجهات الحدودية المذكورة سابقاً للحكومة. شيء من الفصل بين النقاش الداخلي المحموم والعمل السياسي الدولي. المار في مدن أربيل أو دهوك أو السليمانية لا يشك ولو لحظة بأن الأولى تشهد حربا ضروسا في شمالها بين قوات حزب العمال الكردستاني والجيش التركي، وإن كان الأخير يركز على قصف الطيران العسكري على القواعد العسكرية للأول.
ولا يوجد أي تخييل بأن الحدود الجنوبية للمحافظة في خط مجاور مع داعش، وتشهد عمليات تحشيد مستمرة من قبل قوات البيشمركة، والتحالف الغربي، والجيش العراقي، للتحرك لتحرير مدينة الموصل عاصمة الخلافة المفترضة من التنظيم. ولا يمكن سماع رشقات الرصاص بين المقاتل الكردي الإيراني التابع للحزب الديمقراطي الكردستاني والجيش الإيراني والحاصلة في أقصى شمال شرق المحافظة إلا من خلال قنوات الأخبار المحلية. ذات الشيء مع دهوك باستثناء الجزء الشرقي الهادئ والملاصق للمحافظة السابقة، والجزء الغربي الهادئ ايضاً، لمحاذاته لمناطق الأكراد في سوريا والتي تسمى كردياً (روج آفا). اما في ثالث تلك المدن (السليمانية) شيء آخر، يظهر التركيز على عدائية ميليشيات الحشد الشعبي، وسخونة الجوار المتوقع معها، والذي يظهر ملامحه بين الفينة والأخرى مسيطراً على مشهد القتال بين الكردستاني وإيران وبين البيشمركة وداعش في بعض الأحيان! هنا لا يوجد وصف للحالة كونها ذا تأثير على الحياة المدنية، أبداً، هي حديث الساسة والمتابعين. ضجيج الناس عن القضايا الداخلية في داخل مدن المحافظات الثلاث الرئيسية يجعل من أي مشهد سياسي آخر عبارة عن هامش منسي.
لم يشهد المجتمع الكردي هذا الفصل الإيجابي بين الأحداث التي تهمه كفرد من المجتمع وبين التي يعتبرها من مسؤوليات الحكومة الشبه كلية في أي وقت آخر من مسيرته السياسية. لايعني الفصل هنا أن المجتمع أنسحب لداخله وتقوقع. هو بدأت قناعاته تترسخ على مفهوم أن الممثلين السياسيين يستحقون أن يترك لهم العمل السياسي الخارجي، وأن يترك لهم الساحة ليرتبوا الأوضاع مع كل هذه الحواف الحادة لحدود البلاد. قضية كقضية (رواتب الموظفين) بالنسبة للمواطنين أهم بكثير من الأخبار عن التهديدات الإيرانية للإقليم التي تعقب كل عملية للكردستاني على حدودها. الحديث المستمر عن الخلافات السياسية الداخلية بين الأحزاب الممثلة في البرلمان، وعن تفاصيل حواراتهم، وتقويم عمل الأطراف المتشاحنة، أجدى بكثير (لدى الناس) من تحليل ضربات الطيران التركي لمواقع حزب العمال الكردستاني داخل المناطق الجبلية الوعرة، وإن يصدف احياناً سماع بعض الشتائم لتركيا عند ظهور بعض القرى الكردية النائية وقد تعرضت لقصف الطائرات التركية تحت حجة وجود مقاتلي حزب العمال الكردستاني فيها، أو تحت مانشيت الخطأ غير المقصود. في السليمانية كانت قضية من نوع (منتجع جافي لاند السياحي) ذات صدى أكبر بكثير من صراع ساخن لقوات البيشمركة مع الحشد الشعبي في بلدات جنوب الإقليم. وكان تسريب فاضح لشيخ سلفي مشهور وهو يغازل فتاة كانت طالبة من طالباته ضمن برنامجه الديني الترشيدي ذا اثر اجتماعي واضح وأكبر بكثير من تبعات حروب الجماعات الكردستانية مع تركيا وإيران.
في السيرورة المؤسفة عن عالم الأكراد ظل الانطواء على الذات بشكل سلبي سمة عامة للمجتمع. ولكن الانطواء هنا لصالح توزيع المهام لا لصالح الانسحاب من المشهد. يمكن للمجتمع تحديد نشاط مدني بكل سهولة، ويمكن تحصيل حراك سياسي مجتمعي دون الرجوع إلى القادة والأحزاب بكل نجاح. هذا الانطواء الذي يظهر في مجتمع إقليم كردستان إيجابي الملامح. وهو تقدم في مسعى فهم الوضع الداخلي، وتوجهات الجهات السياسية، وتظهر هذه الايجابية مع الاقبال الكبير للناس على الانتخابات المحلية بشكل دوري. عملية ترك مشهد السياسة الخارجية هنا لم يأت من سحق الفرد. بل هي قدرة الفرد القادم من عالم الحروب المستمرة، سواء الخارجية منها وسواء الأهلية، ومن عالم العادات العشائرية، والتأثير الديني، والقادم من سنوات الاضطهاد، على سحق فكرة أنني أستطيع فعل كل شيء! أو أنا كل شيء! المعهودة للحكومات الشرق الأوسطية. عليه، فان المسؤوليات الخارجية المهملة والمذكورة كمثال والناتجة عن الانطواء إلى المحليات من قبل مجتمع الإقليم يثقل كاهل الساسة والحكومة على ضرورة حل تلك المعضلات الخارجية دون تأفف كون حلها أصبح اصلاً من المسلمات لأنهم/ ينتظرهم/ رزم من القضايا المحلية الساخنة، والتي يرافقها العشرات من الآراء، والعرائض، والمظاهرات، والأصوات المختلفة. مسؤولية أنك مضطر أن تكون ناجحاً خارجاً، وحاضراً للإنصات داخلاً، مسؤولية ثقيلة وشاقة، هذا إن كنت تريد حالة سياسية سليمة للدولة والمجتمع وهذا أيضاً إن لم تكن تتهرب من أن تكون ناجحاً في عملك بالطبع.

٭ كاتب سوري

إقليم كردستان العراق حواف حارة وداخل دافئ

براء صبري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية