لندن ـ «القدس العربي»: ما من شك أن إقليم كردستان العراق سيكون المستفيد الأكبر من سقوط أجزاء كبيرة من الأراضي العراقية بيد الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وحلفائها. فقد مكن ذلك القوات الكردية من السيطرة على مدينة كركوك والمناطق المحيطة بها ومناطق أخرى محاذية لإقليم كردستان العراق كانت مسألة تبعيتها موضع نزاع مع الحكومة المركزية العراقية.
ومن المرجح جداً أن تلك القوات لن تنسحب من مدينة كركوك او من المناطق التي دخلت إليها بعد أن أخلتها قوات الجيش العراقي النظامية. ولكن بعكس ما تقول بعض التقارير، فإن القوات الكردية التي تمركزت في مدينة كركوك لم تتوجه إلى حقل كركوك النفطي، أو إلى أي من الحقول الشمالية الأخرى بحسب ما يقول أحد مسؤولي وزارة الموارد الطبيعية للإقليم في إربيل. وحاليا تتواجد في حقل كركوك قوة حماية خاصة تابعة للدولة العراقية.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا أحجمت القوات الكردية عن دخول حقل كركوك رغم قربه من الإقليم الكردي، ورغم مزاعم حكومته المتكررة بأن للإقليم حقوقاً في ذلك الحقل واتهامها بغداد بتجاهل تلك الحقوق؟
الجواب ذو شقين: فالأكراد يؤكدون أن قواتهم دخلت مدينة كركوك لأن الحكومة المركزية العراقية طلبت منهم ذلك بعد إنسحاب قوات الجيش العراقي من المدينة. ويبدو أن حكومة الإقليم تريد أن تتفادى أي اتهامات بأنها تستغل الأحداث الحالية التي تعصف بالعراق لتوسيع رقعة المناطق التي تسيطر عليها عن طريق انتزاع مناطق إضافية من الدولة العراقية، في حين تريد الولايات المتحدة وتركيا وإيران ودول الجوار الأخرى تفادي إنقسام العراق على أساس طائفي وعرقي من خلال حرب أهلية دموية تبث عدم الإستقرار في المنطقة بأسرها. وتريد حكومة الإقليم طمأنة تركيا بالذات أنها ليست في وارد الإعلان عن إنفصال وإستقلال الإقليم عن العراق، إذ أن ذلك سيثير مخاوف أنقرة من أن يحذو الأكراد في جنوب شرقي تركيا المحاذي لكردستان العراق ذات المنحى الاستقلالي. ثم ان علينا ان نتذكر ان الحفاظ على أفضل العلاقات مع تركيا كان من أهم عناصر السياسة الخارجية لإقليم كردستان على إمتداد سنوات طويلة. وسيطرة الأكراد عسكرياً على حقل كركوك الآن سيُفهم منه أن الإقليم يعد العدة لإعلان استقلاله عن العراق عن طريق تأمين الموارد المالية اللازمة من ريع نفط كركوك.
أما السبب الآخر والأهم فهو أن حكومة الإقليم تريد أن تتفادى – بقدر الإمكان – أي مواجهة عسكرية مع قوات داعش، التي من شبه المؤكد أنها أصبحت مسلحة بشكل أفضل من القوات الكردية، خاصة بعد استيلائها على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية التي خلفها الجيش العراقي في الموصل وبقية المناطق التي تمكنت من إحتلالها.
5 حقول نفطية في مناطق
الشمال خارج كردستان
هناك خمسة حقول نفطية رئيسية في شمال العراق خارج إقليم كردستان، وكانت تديرها شركة نفط الشمال الحكومية قبل اندلاع المعارك في المنطقة. ومجموع طاقتها الإنتاجية أكثر بقليل من 500 ألف برميل يومياً، ولكن ذلك لا يشكل أكثر من 7٪ من مجمل الطاقة الأنتاجية النفطية للعراق، ومعظمها موجودة في الحقول العملاقة في محافظة البصرة الجنوبية.
اما حقل كركوك، بقبتيه وهما «أفانا» و»بابا « فهو أكبر الحقول الشمالية. وتبلغ طاقته الإنتاجية الحالية 225 ألف برميل يومياً فقط، بعد ان تراجعت كثيراً في السنوات الأخيرة بفعل مستويات المياه المتصاعدة في مكامنه. وقبل 3 سنوات كان الحقل ينتج حوالي 800 ألف برميل يومياً، إنخفاضا من حوالي مليون برميل يومياً في أواخر عهد النظام العراقي السابق قبل الغزو الأمريكي عام 2003.
ويعود سبب هذا الإنخفاض الحاد والمتواصل في الطاقة الإنتاجية لحقل كركوك إلى قِدمه، إذ أنه اكتشف عام 1927 وبدأ في الإنتاج عام 1934. وكانت الحكومة العراقية قبل اندلاع القتال مع داعش في شمال العراق في وارد التفاوض مع شركة «بريتيش بتروليوم/(بي.بي)» للتوصل إلى «عقد خدمة» تقوم الشركة البؤيطانية بموجبه بالعمل على وقف تدهور مستوى الإنتاج في الحقل ومن ثم زيادة طاقته الإنتاجية.
وقد أوقفت الحكومة العراقية الإنتاج من حقل كركوك حتى قبل إندلاع المعارك مع داعش في شمال العراق بسبب الاعتداءات المتكررة من قبل مسلحي المعارضة السنية على خط أنابيب التصدير الذي يحمل صادرات نفط كركوك إلى ميناء شيهان التركي لكي يشحن من هناك إلى الأسواق الدولية.
ثاني أكبر حقل في شمال العراق هو باي حسن، وطاقته الإنتاجية 190 ألف برميل يومياً، يليه حقل جمبور بطاقة 55 ألف برمــــيل يومياً، وحقل خباز بطاقة 29 ألف برميل يومياً وحقل عجيل بطاقة 28 ألف برميل يومياً وحقل حمرين بطاقة 6 آلاف برميل يومياً. وكانت شركة نفط الشمال الحكومية قد بدأت بالإنتاج من هذا الحقل حديثاً بهدف رفع طاقته الإنتاجية بشكل تدريجي.
ولغاية الآن قد احتلت الفصائل المسلحة السنية التي تقودها داعش المناطق المحيطة بحقلي عجيل وحمرين، ولكن من غير المعروف ما إذا كانت تنوي تشغيلهما ،اٌسوة بما فعلته داعش بحقول النفط السورية التي احتلتها، بهدف بيع النفط في السوق المحلي أو تهريبه عبر الحدود التركية وبيعه هناك لزيادة دخلها.
وعلى عكس ما يشاع بين حين وآخر حول سقوط مصفاة بيجي، ما تزال داعش وحلفاؤها يحاولون منذ أكثر من أسبوعين احتلال المصفاة الواقعة إلى الجنوب من حقول الشمال، والتي تبعد حوالي 130 ميلاً إلى الشمال من بغداد وتستطيع تكرير 300 ألف برميل في اليوم.
ولغاية الآن (الجمعة 27/6) تسيطر قوات حماية خاصة تابعة للحكومة العراقية عاى المصفاة تساندها المروحيات العسكرية. وكانت الحكومة العراقية قد أوقفت العمل في المصفاة، وهي الأكبر في العراق،ما أدى إلى خلق أزمة وقود في شمال العراق، حتى داخل إقليم كردستان، إذ ان إنتاج المصافي هناك لا يسد الإستهلاك المحلي بشكلٍ كامل.
وما يزيد من قوة دوافع داعش لإحتلال مصفاة بيجي (عدا عن الأثر العسكري والنفسي والدعاوي) وجود خط أنابيب يربطها بحقل عجيل النفطي الذي تسيطر عليه، وبالتالي وجود إمكانية لتشغيل المصفاة ولو جزئيا، لان هذا الخط سيوفر للمصفا دفقا من النفط الخام بعد ان تنفد كميات الخام الموجودة في خزانات المصفاة والتي كانت تتزود من حقول تخضع لسيطرة القوات العراقية.
إستقلال دون إنفصال
ومن قبيل إبداء الرغبة في التعاون النفطي مع بغداد، فقد عرضت حكومة إقليم كردستان مساعدة بغداد على إعادة تشغيل حقل كركوك وتصدير إنتاجه بواسطة خط أنابيب جديد بطاقة 225 ألف برميل يومياً قامت حكومة الإقليم بإنشائه بدءاً من حقل خرمالة الذي تسيطر عليه حكومة الإقليم، مروراً بقبة أفانا وحقل باي حسن – وهو ثاني أكبر حقل في شمالي العراق خارج إقليم كردستان العراقوطاقته 190 ألف برميل يومياً، ليلتقي مع خط أنابيب آخر إنتهت حكومة الإقليم من إنشائه وتشغيله أواخر العام الماضي بطاقة 300 ألف برميل يومياً. ثم يتصل هذا الخط الأخير، عند نقطة فشخابور على حدود إقليم كردستان العراق مع تركيا، بخط أنابيب التصدير العراقي الرسمي الذي يحمل الصادرات النفطية العراقية إلى ميناء شيهان التركي. هذا المقترح الكردي فيما لو قبلته بغداد يفتح الباب أمام تصدير نفط كركوك بدون أن يمر في الأجزاء التي سيطرت عليها داعش بعد استيلاءها على الموصل في 10 حزيران.
ولكن تعاوناً كهذا قد يكون شبه مستحيل إذا استمر نوري المالكي كرئيس للوزراء، لأنه يعارض بشدة الإستقلالية التي تتبعها حكومة إقليم كردستان في إدارة حقولها النفطية، ومنحها عقود المشاركة في الإنتاج للشركات العاملة في تلك الحقول بدون موافقة الحكومة المركزية في بغداد، وكذلك قيام الإقليم بتصدير النفط عبر تركيا، سواء بخطوط الأنابيب أوالشاحنات، بدون موافقة بغداد أيضاً. وقد قطعت بغداد عن حكومة الإقليم المخصصات المالية المستحقة لها (17٪ من الميزانية العراقية الفدرالية)، عقاباً لها على تصديرها النفط المستخرج من حقول الإقليم بشكل مستقل ومباشر، وليس عبر «سومو» قناة التسويق الرسمية للعراق. وقد أدى ذلك إلى خلق أزمة مالية حادة داخل الإقليم، ودفع حكومته لإستدانة 3 مليارات دولار لسد النفقات الجارية على أمل ان يتم تسديد الدين من العوائد المستقبلية لتصدير النفط.
من المؤكد أن سلطات إقليم كردستان ستطالب الحكومة المركزية بتنازلات كبيرة مقابل التعاون الذي أبدته وستبديه في هذه الأزمة، سواء من الناحية العسكرية أو فيما يتعلق بتصدير النفط (إذا ما حصل). وهذا ما قصده مسعود برزاني، رئيس كردستان العراق، بقوله أن هناك واقعاً جديداً في العراق بعد سقوط الموصل في أيدي داعش وحلفائها. فمن المؤكد أن إقليم كردستان سيصر على الاحتفاظ بمدينة كركوك التي يعتبرها الأكراد عاصمتهم التاريخية، كما سيصرون على إعتراف بغداد بحقهم في إدارة وتصدير نفط الإقليم بشكل مستقل، وعلى تكريس مبدأ الفدرالية المنصوص عليه في الدستور العراقي إلى أقصى حد، مما يخفف سيطرة الحكومة المركزية على سياسات الإقليم ويمنحه أكبر قدر من الإستقلال، بدون أن يضطر إلى إعلان إنفصاله الكامل عن العراق.