لندن ـ «القدس العربي»: ليست الأعمال الإرهابية جديدة في هذا الجزء من العالم، لكن وتيرتها ازدادت مؤخرا لتلقي ظلالا داكنة على القطاع السياحي في البلاد العربية بشكل خاص. وبالرغم من أن الإرهاب أصبح ظاهرة دولية وليس هناك بلد حاليا في مأمن منه، إلا أن خسائر الدول العربية كانت هائلة خاصة في البلاد التي تعتمد بشكل أساسي على السياحة.
وتبقى التخوفات سيدة الموقف في عالم السفر مع اقتراب إجازات أعياد الميلاد ورأس السنة التي تعتبر موسما مهما للسياحة العربية.
وبعد سقوط الطائرة الروسية في مصر، ثم إسقاط الطائرة الروسية في تركيا والذي أدى لوقف تدفق خمسة ملايين سائح روسي للبلدين، وهجمات لبنان، والأحداث الدموية في عدة مناطق سياحية في تونس، وما يقوم به تنظيم «الدولة» من تدمير للإرث الحضاري في سوريا والعراق، فان السائح الأجنبي وربما العربي أيضا يفكر مرتين قبل ان يقرر السفر.
وفي الوقت نفسه ليس من الواضح متى ستقرر دول مثل روسيا وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وهي من المصادر الأساسية لسوق السياحة العربية التوقف عن نصح مواطنيها بعدم السفر إلى بعض بلدان الشرق الأوسط.
فما هي المخاطر الحقيقية التي يجب توخيها؟ وكيف أثرت كل هذه الأزمات على القطاع السياحي ومتى ستعود إلى عافيتها؟
مصر أشد المتضررين
«القدس العربي» التقت عددا من الخبراء في السياحة والاقتصاد لتتعرف على واقع الحال في سوق السياحة وكيف تأثرت بالهجمات الإرهابية.
حسن عطا عبد الله الرضيع، الباحث الاقتصادي في جامعة الأزهر- فلسطين قال عن تأثير الإرهاب على السياحة العربية بادئا الحديث عن أهمية القطاع واهتمام العالم بزيارة بلادنا الدافئة والغنية بالثروات الطبيعية:
تاريخياً تُعتبر المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم استقراراً في الأوضاع المناخية حيث تمتلك إضافة للموارد الطبيعية كالنفط والغاز وغيرها، مناخا جيداً ومناسباً ومستقرا في كافة المواسم، إذ كان السبب الرئيسي لحملات التتار على البلاد العربية وجود مناخ جيد. فالمناخ والطبيعة الخلابة بالإضافة إلى الآثار الكثيرة في بلاد الشام والعراق ومصر والمغرب العربي ووجود الأماكن الدينية ( إسلامية ـ مسيحية ـ يهودية) ساهمت بتطور السياحة وبالتالي خلق نمو اقتصادي وخصوصا في العقدين الأخيرين.
ويضيف: تعتبر مصر من أبرز الدول العربية تأثراُ بالإرهاب وخصوصا بعد تدهور الأوضاع في سيناء والأحداث الإرهابية خلال الأعوام الأخيرة، ما أدى إلى تراجع حصيلة الدولة المصرية من النقد الأجنبي، إذ تساهم السياحة بحوالي 11 ٪ من إجمالي الناتج المحلي و12٪ من نسبة القوى العاملة وحوالي 10٪ من قيمة النقد الأجنبي، وبهذا المعنى فإن استمرار الإرهاب وسقوط الطائرة الروسية رافقه تراجع عدد السياح وانخفاض المردود المصري من العملات الصعبة وارتفاع عدد العاطلين عن العمل وكل ذلك يساهم بارتفاع العجز في الموازنة العامة المصرية ويؤدي إلى ارتفاع الدين العام وتراجع استقرار الجنيه وضعفه أمام الدولار، ما يستدعي ضرورة محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه في سيناء.
«هبة الأقصى»
تقلص عائدات سياحة إسرائيل
وأشار الرضيع إلى أن الهبة الجماهيرية الفلسطينية التي انطلقت في بداية الشهر الماضي أدت إلى إحداث إرباك الاقتصاد الإسرائيلي حيث تشكل السياحة 7٪ من الناتج المحلي الإجمالي البالغ سنويا 291 مليار دولار، فاستمرار الهبة وتصاعدها يُلقي بظلاله على عائدات السياحة وتنخفض الاحتياطيات من الدولار وهذا ينعكس بالسلب على مجمل الأداء الاقتصادي وخصوصا في مدينة القدس العربية والتي تتميز بالسياحة الدينية.
مخاوف من تراجع الحجيج
وأضاف: ان ما جرى من تدافع للحجيج في منى ومقتل قرابة 4000 شخص ووجود شبهات إرهابية في العملية، وقبلها وقوع الرافعة على رأس المعتمرين سيترتب عليه تراجع موسم الحج وهذا يعتمد على ما ستؤول إليه الأمور في المناطق الساخنة عربياً. موسم الحج مهم جداً للاقتصاد السعودي حيث يحقق مليارات الدولارات سنوياً فمثلاً تقترب الرسوم الإدارية لكل حاج من 140 دولارا وسنويا يدخل السعودية قرابة 5 ملايين حاج، أي أن الاستفادة السعودية تساوي 7 مليارات دولار سنويا، دون المكاسب الأخرى المرافقة لموسم الحج مثل أرباح التجارة والخدمات الفندقية وغيرها.
ويعتقد الرضيع أن طبيعة الصراع الدائر في سوريا واليمن والعراق ستؤثر سلباً على الاقتصاد السعودي، حيث أن هذه الملفات واستمرار التدخل العسكري السعودي في اليمن قد يرافقه تنامي العمليات الإرهابية واستهداف الأماكن الاستراتيجية في السعودية وسيزيد أعباءها الاقتصادية مع ارتفاع تكاليف الأمن والعجز في الموازنة العامة، وسيؤدي إلى تراجع عدد السياح والحجيج لموسم العام المقبل.
الداخلية والخارجية
المستشار الاقتصادي أحمد خزيم قال عن تأثر السياحة بالإرهاب: السياحة صناعة تتأثر بأي توترات في العالم فالأحداث في المنطقة العربية ترفع نسبة الخوف والقلق وتؤدي إلى تراجع العائد من ايرادات السياحة وخاصة مع تنامي العمليات الإرهابية. والخسائر الاقتصادية تتمثل في الفارق بين تصاعد الدين العام الذي تجاوز 2 تريليون جنيه بمعدل زيادة سنوية تتجاوز خمسمئة مليار جنيه سنويا في الثلاث سنوات الأخيرة.
وعن نجاعة تشجيع السياحة الداخلية وقدرتها على تعويض الخسارة قال: السياحة الداخلية لا تعوض الخارجية مطلقا حيث ان الداخلية أقصى طموح منها هو الحفاظ على تكلفة التشغيل للمنشآت السياحية للتمكن من الابقاء عليها وعلى عمالتها خاصة وان السياحة الداخلية تكون بالعملة المحلية في حين تكمن قيمة السياحة الخارجية في انها مصدر هام للعملة الصعبة وخاصة الدولار الذي يشكل منه الاحتياطي النقدي وهو الغطاء لإصدار النقد المحلي.
ويؤكد خزيم على ضرورة ايجاد حلول من خلال التنوع الاقتصادي حيث ان مصر تملك مقومات متنوعة من اقتصاد زراعي وصناعي وخدمي وبحري بخلاف الاقتصاد السياحي وهذا التنوع إذا احسن استخدامه من خلال التنمية بالقيمة المضافة للموارد لكان ذلك أفضل من الاعتماد على نوع واحد من الاقتصاد.
توقعات
أما المرشد السياحي اسامة محمد عبدالحليم الأسواني فقال: بصفتي محبآ لبلدي وأريد ان أجعلها في مصاف الدول المتقدمة سياحيا كوني سفيرا لها داخليا وخارجيا أود ان أوضح نقطة هامة جدا وهي ان التهديدات الإرهابية لا تؤثر في السياحة والدليل أنه في مصر وبعد حوادث الإرهاب في اواخر التسعينيات عادت السياحة أقوى مما كانت لان مصر وموقعها الجغرافي المتميز وتاريخها التليد ومعالمها التي لا مثيل لها في العالم وأسعارها التنافسية وخدماتها الفندقية المميزة، كلها عوامل جذب قوية. ولا ننسى أن الولايات المتحده الأمريكية التي تعرضت لأقوى ضربات إرهابية في أحداث ايلول/سبتمبر الأسود 2001 وبرغم التهديدات الإرهابية حققت وفقا لمنظمة السياحة العالمية أوائل 2015 المركز الثاني لأكثر الدول زيارة في العالم بواقع 69.7 مليون زائر، لذا فالتهديدات لا تؤثر في صناعة السياحة طالما نتعامل معها باحترافية ونعالج الأخطاء السابقة. مضيفا: وبالنسبة لحادث الطائرة الروسية فإلى الآن لم تنته لجنة التحقيقات من عملها ونحن نتكلم عن افتراضات لم يتفق عليها الجميع، وعموما في كل بقاع العالم تحدث أمور مشابهة لهذا الحادث الأليم وبعد معالجة المشكلة تعود الأمور كما كانت والأمثله كثيرة في بلاد عديدة.
تضرر العاملين
وعن العاملين في المهن السياحية وهم المتضرر الأكبر من حوداث الإرهاب يقول الأسواني ان العاملين في السياحة ليسوا كلهم في شرم الشيخ بل في امتداد الخريطة السياحية في مصر، ففي الاقصر وأسوان الاشغال لم تتأثر كثيرا لان السوق السياحي المصري ليس حكرا على دولتين سحبتا رعاياهما بل هي سوق متميزة بما تضمه من مقومات جغرافية لا توجد إلا في مصر المحروسة. أما لو تكلمنا عن العاملين في السياحة في شرم الشيخ فالسواد الأعظم منهم يعمل في مجالات رياضية متعددة مثل الرياضات المائية من غطس وتصوير تحت الماء وما شابه وهي مطلوبة في كل سواحل البحر الأحمر والمتوسط وخلافه فهم قوة تستطيع التأقلم مع كل الجنسيات والتعامل في لأي مكان لأنهم على درجة كبيرة من الحرفية ويتقنون لغات عالمية.
السياحة لن تموت
وعن تراجع الموسم السياحي في مصر يقول: مثلما عادت الأمور في فرنسا والتي تعرضت منذ أيام لأعمال إرهابية وقتل فيها الكثير من الأبرياء وفرنسا هي الدولة السياحية الاولى في العالم والتي بلغ عدد الزائرين لها قرابة 84.7 مليون زائر وفقا لمنظمة السياحة العالمية لعام 2015 في مصر السياحة قد تمرض ولكنها لن تموت، ربما تتراجع قليلا أعداد السائحين ولكنها ستعود ريثما تنتهي زوبعة التحقيقات الجارية.
ومن خلال خبرة الأسواني مع السياح الأجانب يقول: السائح الغربي من أولى اهتماماته سؤاله التقليدي عن ثقافة البلد ثم عن أهم المزارات التي يمكن أن يبدأ بها برنامجه ثم سؤاله عن الأمن والأمان في البلاد وغالبا أهم ما يشغله هو قرب الفندق من المزارات قدر المستطاع حتى لا يضيع من وقت البرنامج وفي الغالب السائح الغربي والعربي إهتمامهم واحد. أما في الجانب الثقافي فالسائح الغربي عموما يهتم بالسؤال عن كل شيء حتى انه في بعض الأحيان يسأل عن نوع الأحجار وعن آخر الاكتشافات الآثارية فى مصر و في بعض الأحيان عن أهم الأشجار والنباتات والفواكه في العموم هو شغف الغرب بحضارة الشرق أما بالنسبة للسياحة الترفيهية فنجد ان الشرقيين دائمآ يسألون عن أماكن التريض والسباحة والغوص والسفاري أكثر من الغرب وفي بعض الأحيان تتساوى النسب بين الطرفين أما السياحة الدينية فالغربيون شغوفون جدا لقلة تلك المزارات في بلدانهم فتجدهم يسارعون في الذهاب إلى قاهرة المعز الإسلامية وشارع الصليبة ومجمع الأديان في مصر القديمة ودير سانت كاترين والأديرة القبطية المتعددة ويستمتعون جدا بزيارتهم لتلك الأماكن.
تونس: سياحة المهاجرين
يؤكد خبراء دوليون تأثر السوق السياحية التونسية بشكل كبير بالحوادث الإرهابية، إذ يتوقع أن يتم إلغاء 80 ٪ من الحجوزات.
وتشير التوقعات إلى ان تونس ستخسر ما لا يقل عن 515 مليون دولار هذا العام أي حوالي ربع إيرادات السياحة السنوية المتوقعة وذلك إثر الهجوم الإرهابي بالمنتجع السياحي في مدينة سوسة والذي جاء بعد أشهر قليلة من الهجوم الإرهابي على متحف باردو بالعاصمة (خلّفا 60 قتيلا من السياح) وحسب مختصين فهناك توقعات لسنة غير جيدة للسياحة التونسية هذا العام وربما سيبقى تأثيرها لمواسم مقبلة، وقد اتخذت الحكومة التونسية جملة من الإجراءات العاجلة منها إلغاء ضريبة الخروج على الزائرين للبلاد والتخفيض بنسبة 30 في المئة في معاليم النقل الجوي والبحري للجالية التونسية المقيمة بالخارج لحثهم وتشجيعهم على قضاء عطلهم ببلدهم والمساهمة في التخفيف من الضربة الموجعة التي تلقاها قطاع السياحة في تونس، بالإضافة إلى منح قروض جديدة تسدد على 7 سنوات مع إمهال بسنتين على أن تخصص هذه القروض لتمويل نشاط المؤسسات السياحية خلال الموسمين 2015 و2016 والتخفيض في نسبة الأداء على القيمة المضافة من 12 إلى 8 في المئة وإعادة جدولة ديون المؤسسات السياحية تجاه الشركات الوطنية ( الكهرباء والغاز و المياه)، وفي المجال الاجتماعي قررت الحكومة تكفلها بمساهمة الأعراف في النظام القانوني للضمان الاجتماعي لفائدة المؤسسات التي ستحافظ على جميع عملتها وتمكين الأعوان المحالين على البطالة الفنية من منحة وجدولة أصل الدين المتعلق بالمساهمات في نظام الضمان الاجتماعي على 7 سنوات بطلب من المؤجر والإعفاء من خطايا التأخير عند خلاص أصل الدين واحترام الجدولة وذلك في إطار تخفيف الأعباء الاجتماعية على الأعراف خاصة وأن قطاع السياحة يوفر 400 ألف موطن شغل مباشر وغير مباشر.
لبنان: النزاع الطائفي
يعود تراجع السياحة في لبنان للأسباب للتالية:
دعوة بعض الدول الخليجية رعاياها إلى عدم السفر إلى لبنان بسبب الأحداث في سوريا. والأحداث الإرهابية والأمنية في عدد من المناطق اللبنانية والتي كان لها الدور الأبرز في الاحساس بعدم الأمان لدى المغتربين اللبنانيين والسياح التقليديين الذين يقضون فصل الصيف عادة في لبنان وعدم تمكن المغتربين اللبنانيين وخاصة المقيمين منهم في الدول العربية من السفر إلى لبنان في البر بسبب الأوضاع الأمنية في سوريا والكلفة المرتفعة للسفر بالطائرة.
والركود غير المسبوق في القطاع العقاري والارتفاع الجنوني لأسعار العقارات في لبنان في فترة زمنية بسيطة ما جعل الأسعار الجديدة بعيدة عن متناول ذوي الدخل المتوسط والمحدود.
أسباب تراجع السياحة
ويشر الأسواني انه عدا عن الإرهاب هناك أمور أخرى تجعل السائح لا يعود مرة أخرى وهي:
• سوء أداء شركات الطيران والخدمات المكملة لها.
• ارتفاع الأسعار الجنوني للسفر عن باقي الدول القريبة.
• عدم التزام الشركات المنفذة للرحلة ببنود البرنامج والإقامة وخلافه.
• عدم حرفية من يتعاملون مع السائح من لحظة قدومه حتى مغادرته للبلد.
• سوء التنظيم بالنسبة لوقت الرحلة أو طريقة تنفيذها مثلما هو مدون في البرنامج.
• ما يتعرض له السائح من مضايقات في أماكن الزيارات.
الإعلام العربي الرسمي والخاص وتحديدا المرئي منه يتنافس على تشجيع وجلب السائح من خلال بث تقارير تشير إلى أمن المناطق السياحية على الرغم من تكرار التهديدات الإرهابية التي تتوعد بالمزيد من الهجمات في الأيام المقبلة، وتنقل لنا مواقع التواصل الاجتماعي حرص الكثير من الناس على السفر والسياحة إلى المناطق التي استهدفها الإرهاب تعبيرا عن رغبتهم في تحديه وعدم الخوف من تهديداته واعتبر البعض ان السفر الآن هو لدعم السياحة من خلال تغريدات وهاشتاغات تشجع على قضاء الإجازات عن طريق عرض إعلانات لحجوزات مخفضة تغري الزائر تتمثل في التنوع الكبير في حجوزات السفر والفنادق وغيرها بأسعار في متناول الجميع، وكأن الهدف أصبح للبعض واجبا وطنيا أكثر منه سياحة واستجمام. فهل حقا سينجح الإعلام في إعادة ازدهار السياحة العربية أم أن شبح الإرهاب سيخيم على السياحة العربية إلى أجل غير مسمى؟
وجدان الربيعي