إلى الملك سلمان: محبوس… في الرياض!

حجم الخط
16

محبوس أنا في الرياض.. ولم أقل أنا مسجون، لأن السجن في العادة هو لمن يقبع في غرفة وراء القضبان بتهمة ما أو لقضاء حكم ما عليه. أنا محبوس لأنني لست طليقا استطيع أن أغادر وأسافر وأعود أو لا أعود.
محبوس لأن مدة إقامتي قد انتهت، وغير قادر على تجديدها لأحصل على تأشيرة خروج. إن تنتهي إقامتك في السعودية يعني أن تنتهي حياتك «ليس موتا بل قهرا». وإقامتك إذ ينتهي موعد تجديدها يعني إذا مشيت في الشارع وأمسكت بك الشرطة لأي سبب تفتيش أو مخالفة سير، فطبعا سيأخذونك إلى التوقيف والسجن يوما أو يومين.. معنى هذا خليك في البيت.. والمهم عند انتهاء موعد إقامتك البنك يغلق حساباتك البنكية مهما كان نوعها. وتصير تشحذ لتعيش.. وتصبح غير قادر على دفع ما يستحق عليك من فواتير البطاقات الائتمانية أو الكهرباء أو المياه، وتسجل عليك غرامات لعدم السداد.. ولا تستطيع أن تسجل أولادك في المدارس الخاصة، وليس الحكومية فليس مسموحا لأبناء المقيمين الدراسة في المدارس الحكومية. وشكا لي زميل أن بناته الصغيرات جالسات في البيت، بدون تعليم لأنه عندما أراد تجديد تسجيلهن في المدرسة لعام دراسي جديد رفضوا تسجيلهن لان اقامته انتهت وبالتالي اقامتهن انتهت.
فقدت هاتفي الجوال قبل أسبوعين وذهبت لاستخراج شريحة بديلة فطلبوا مني هوية الإقامة، فلما رأوا أنها منتهية المدة، قالوا: ممنوع أن نستخرج لك شريحة بديلة، وممنوع أن تشتري شريحة برقم جديد.. يا جماعة الخير هذا هو جواز السفر.. ولكنهم لا يعترفون به، حتى لو وددت أن تذهب في شهر رمضان الفضيل لأداء العمرة لا تستطيع أيضا لأنك لا تستطيع التنقل بين مدن المملكة وإقامتك انتهت مدتها.
إقامتي انتهى موعدها.. وأنا غير قادر على تجديد إقامتي في البلاد – بعد 38 عاما من الإقامة فيها – بانتظار صدور رخصة العمل من وزارة العمل «وزارة العمل تقول إن مهنتي في الإقامة صحافي، وهذه المهنة تمت سعودتها». طيب يا جماعة الخير إسمحوا بتغيير المهنة من صحافي إلى عامل إلى سائق إلى أي شيء «المهم أن تخلص».. يقولون لي إن الشركة التي تكفلك، وهي شركة كبيرة ممنوع عنها تصاريح العمل.. وممنوع عنها أي معاملة لتغيير المهنة أو استقدام عمالة جديدة لأنها لا تدفع أجور عمالها وموظفيها، والشركة ليس معها فلوس لأن وزارة المالية لا تدفع لها مستحقاتها المالية.. وفي وزارة المالية عجز بسبب تدهور أسعار النفط.. أن تنتهي اقامتك في السعودية يعني أن تنتهي حياتك. طيب لتأخذ تأشيرة خروج نهائي وتغادر هذه البلاد التي تعامل من أقاموا فيها لعشرات السنوات مثل العامل القادم من الخارج قبل يومين: لا يمكن أيضا.. لماذا؟
لأنك إذا اردت أن تترك المملكة وتغادر يجب عليك أن تصفي كل أمورك فيها.. أن تبيع البيت الذي اشتريته منذ سنوات طويلة والمسجل باسمك.. وان تبيع سيارتك..وعفش بيتك.. وتغلق حساباتك في البنك.. ولا تستطيع أن تقوم بذلك لأن إقامتك انتهت مدتها ولا تستطيع أن تقوم بأي شيء وإقامتك انتهت مدتها.. ولا يمكنك أن تراجع أي دائرة حكومية..لأنه حين تريد أن تدخل إليها يسألون إثبات شخصيتك وعندما تقدم لهم هوية إقامتك يقولون لك إقامتك انتهت.. مع السلامة
وهكذا أبقى حبيسا في الرياض ماذا أفعل؟
أرسلت مقالا أشكو فيه حالتي للصحف السعودية فلم ينشروها.. ممنوع ذلك لأسباب «شوفينية»، المقيم والأجنبي ممنوع عليه أن يشكو همه «لغير الله»، فسفارات بلاده العربية – وأولها السفارة الأردنية – غير معنية بالسؤال عن حقوق رعاياها لأنها لا تريد أن تعكر أجواء العلاقات مع المملكة التي تقدم لها المساعدات. أحد الأصدقاء، كاتب إعلامي سعودي له مكانته، طالب في إحدى مقالاته مرة بالغاء نظام الكفالة.. اتصل بي وكتب على صفحة الفيسبوك راثيا حالي قائلا: «اذا كان صديقنا سليمان بوضعه وعلاقاته المتينة بحكم عمله الطويل في المملكة لا يستطيع تجديد أو نقل كفالته فمن يستطيع إذن؟
نظام الكفالة نظام بال مُستهلك متخلف لا يناسب الزمن، ولا يتواءم مع إعلان المملكة تجديد رؤيتها لسنوات مقبلة.. وهناك مطالبات شاركت فيها لإلغاء هذا النظام السخروي.. وكانت هناك مؤشرات يبدو أنها خبت لإلغاء هذا النظام، وإذا كنّا نتحدث هنا حول العمالة فكيف الحال مع الاعلاميين وأصحاب الرأي والفكر، خاصة أولئك الذين جعلوا من المملكة مكانا يطيب لهم العمل فيه.. ومن المؤسف أن يصل الحال للنقطة التي يقول فيها احد أصدقاء أبا عمر: «لو عاش الاستاذ سليمان فى بلاد الغرب لحصل على خمس جنسيات في هذه المدة ولكنه أساء الاختيار.. إذن بيستاهل».
قلت لصديقي الكاتب اليومي في إحدى الصحف السعودية «لما يا دكتور لا تكتب عن مثل هذه المآسي التي يعيشها المقيمون في المملكة». كان رده «لا يحبون نشر مثل هذه المواضيع «.
هل يعلم الملك سلمان بهذا… بالطبع لا، فالملك سلمان يشيد بالوافدين الذين خدموا المملكة ويرحب بمن يريد أن يستمر في اقامته في المملكة منهم.. ووزير العمل مفرج الحقباني يقول «من لا عمل له لا إقامة له. وتسأله «والذين عملوا وأقاموا في المملكه لاكثر من 25 عاما. ويفضلون استمرار العيش فيها ما ستفعلون بهم هل ستطردونهم؟» رد قائلا: نريدهم أن يرجعوا لبلادهم سالمين.

٭ كاتب فلسطيني

إلى الملك سلمان: محبوس… في الرياض!

سليمان نمر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية