هل أيقظتني يا صديقي فجر يوم أمس لتذكرني بذكرى رحيلك، أم هي محاولة الحال إلى الاتصال بي من باب الرعاية «لأن الصديق هو الذي يرعاك حين تغيب عنه»؟، أنا يا صديقي لم أنس الذكرى رغم الجروح والقروح المفتوحة والدماء النازفة من جسد الأمة العربية، ورغم البؤس والخذلان ومرارة الفواجع، ولذلك أصابتني الحيرة فترددت كثيرا في ترتيب أولويات الحديث إليك، هل أبدأ بالخاص إلى العام أو العكس، ولكن جرت نواميس البوح أن تتدرج من الأنا إلى الآخر، ومن الجزء إلى الكل، هكذا أستسهل حلقات الحديث، فمنذ رسالة العام الماضي وإلى الآن لم يتغير شيء على الصعيد الشخصي، سواء مجيء بنتي الثانية أوبار، اسم من المدن الطلسمية في ظفار، وقيل إنها بلاد عاد وكذلك اسم لأوبار الإبل وهذه جزئيات ذاتي المتشكلة، هذا إضافة إلى صدور روايتي الأولى التي سميتها «موشكا» في محاولة مني للاقتراب من ملحمة الإنسان واللبان في ظفار، التي أصابتنا بعشقها وانسلت متوارية خلف الحجب المحجبة، ونحن نحرس ذكراها وأحرفها المنقوشة « على جدران الكهوف والمغارات المختبئة عن الضباب والرياح والأمطار ولهيب الأكوان»، وأحرفها المكتوبة بخط المسند، أعرف ماذا تمثل ظفار لك لذا سأمتنع عن الاستطراد في هذا الباب.
لا أخفيك يا صديقي وأستاذي أنني على وشك الخروج مرة أخرى من ظفار إلى الاغتراب من جديد لأجل الدراسة، فإذا كانت الغربة الأولى قد استمرت ثلاث سنوات، فأظن أن هذه المرة ستستمر بضع سنين أو ربما تزيد، لأن هذا الخروج لم يكن خياري، بل هناك جملة من الظروف دفعتني إلى اتخاذ قرار كهذا، سأفصح لك عنها حينما نلتقي، مع معرفتي المسبقة بأن الحنين لتفاصيل الطفولة والحياة المُعاشة على امتداد ثلاثة عقود سيلازمني أينما حللت، الحنين لإرزام النوق العائدة من المراعي في مواسم تخالط الرعاة في أودية ظفار وهضابها، والاشتياق لسماع أغاني (الدبرارت والنانا) المؤداة بحناجر من الشرق منبع الكلمات والألحان الشجية، نعم هكذا سنفارق المعشوقة في محاولة منا للإفلات من مدارات حبها، وسنحاول الخروج من الغرفة المسماة «بقدس الأقداس» الموجودة في المعابد القديمة والمختزلة حاليا في المجامر الظفارية ذات الزوايا الأربع والوجوه الأربعة، سيتيح لنا هذا التحرر رؤية المحبوب بالعين المجردة، والحكم عليها أيضا بتجرد خالٍ من العواطف والأهواء، ولا أخفي عليك أيضا أنني بعت قطعة الأرض الممنوحة لي من وزارة الإسكان قاطعا أي صلة مادية بهذه الأرض، هكذا أدركت مؤخرا أن قطعة الأرض المُحددة، مثلها مثل القبر الذي يختاره لك الحفارون، لهذا آثرت ألا أدفن حبي وعشقي لظفار في مساحة مقدرة بـ600 متر مربع، وفضلت على الحفرة امتداد الجغرافيا وشسَع الفضاء وبسط الأجنحة، حسب تبدل المواقيت وتلاحق الفصول.
كان يمكن أن أخبئ اغترابي عنك إلى أن أستقر وأكتب لك من بلد المقر والمقام، لكنني خشيت العتاب وسوط اللوم، مع أني لست متأكدا من رأيك بالنسبة لخيار الغربة، لكنني أعدك بحفظ السر وكتم الوجدان، مع يقيني التام بفقدان سماع صوتك كلما ألم بي الضنى والاشتياق، كما كنت أهاتفك من تونس، ذلك هو الصديق الذي يقول عنه أبو حيان التوحيدي في «المقابسات» (الصديق آخر هو أنت، ويقال: الصديق هو أنت إلا إنه بالشخص غيرك)، وهو ما أكد عليه بعد ذلك الفيلسوف جيل دولوز الذي يقول: إنه لا يمكن تخطي الصداقة، فالدرس الأول للفلسفة في أصلها اليوناني هي الصداقة.
أظن يا صديقي أنني أنهيت البوح الشخصي، والآن سأتحدث لك عن الوضع العربي البائس كشاة جرباء في الشتاء، فالعرب منقسمون على أنفسهم بلا قضية يدافعون عنها وبلا مشروع، فالقضية الفلسطينية نسيت والعراق يُخطط له التقسيم وليبيا بلا دولة وبلا نظام وسوريا الأخرى تعيش حربا وتدميرا للإنسان والبنى التحتية وحتى الآثار، نسيت أن أذكر لك اليمن معشوقتك الأخرى بعد العراق والمدن الخالدة التي أحببتها، نعم اليمن يُقصف يا صديقي من قبل التحالف السعودي بالاشتراك مع دول خليجية ما عدا عمان- ومصر والأردن والمغرب، نعم المغرب من آخر البلاد العربية قصفت اليمن وسقطت لها طائرة في صعدة، يبرر التحالف العربي قصفه لليمن المسمى بعاصفة الحزم بالوقوف أمام المشروع الإيراني في المنطقة، لكنهم بدلا من ضرب طهران وجهوا نيرانهم إلى اليمن.
سأكتفي يا صديقي بسرد الأوجاع والتألم، لعلها تكون آخر الجراح المفتوحة في جسد الأمة، متمنيا أن أكتب لك لاحقا والحال أفضل مما عليه نحن الآن.
كاتب عُماني
محمد الشحري