■ منذ ذلك الجُرح الذي تُركَ مفتوحاً في روحي وأنا أغادر شوارع القاهرة ذات مساءٍ ممطر من شتاء 2006، ساحباً خلفي حقيبة سفرٍ من دون أن أودِّع أهلي أو أمي، التي كنت أعرف أن الحنين سيُمرضها قبل وداعي لها، فآثرت الخِفية وتسللت إلى مطار القاهرة بجواز سفرٍ خالي الصفحات سوى من تأشيرة يتيمة لأوروبا، فرنسا، التي أدخلني إليها أنور عبد الملك، فلم تغادرني بعدها أبداً، ولم يغادرني هو أيضاً..
منذ ذلك الجُرح وأنا أنزف منذ عشر سنوات، منذ استوطنت الطائرات والصحارى العربية ذارعاً إياها شرقاً وغرباً، مبتسماً مما أراه من خلف كواليس أروقةِ ثقافةٍ ظللت حريصاً ألا أقفز إلى مشهديتها مهما أنجزت أو قُدِّر لي أن أكتب.. وأنا أبتعد عن مؤسسات الثقافة الرسمية، كان كل ما في روحي هي مصر، والحنين إليها، والتخطيط للعودة لها.. وأنا أقول لنفسي ألا شيء أغلى من الدم وأكثر وثاقاً من الهوية والجذور..
في صحارى الشرق والناطحات التي انشقت عنها الرمال كأنها سراب أو خيالٌ يحسبه الظمآن ماء، وبينما أتنقل من عملٍ لآخر، بين الفيافي والوهدان والقيظ، كانت مصر تئن في روحي من بعيد، في المشاهد التي تتتالى على الروح كل مساءٍ وأنا أبحث في واحات السراب عن حقيقةٍ تغسل الروح وتردها لأصلها الطيني الراكض مع النيل من الأعالي إلى المصب عبر وجوهٍ لم تفارقه لحظة: رؤوف عباس وهو يقول لي في مكتب عبدالعال الباقوري وقد أتى اسم مصر في الحوار الدائر بيننا: «مصر دي حكاية كبيرة يا ابني».. وهو يبتسم ويهز رأسه بحكمة. وعبد العال الباقوري الذي كان ينفر من مجرد ذكر اسم «اسرائيل» ولو أتت في سياق مسبّتها! شجاري الأخير، قبل سفري بأيام، مع مجدي الدقاق في دار «الهلال» وقد علا صوتي في مكتبه وأنا أقول له (وأكررها الآن)، أنت أتيت لتُلمّع وجه النظام، وجعلت من «الهلال» نشرةً دورية لمبارك، وكرسي جورجي زيدان أكبر منك كثيراً»، فيطردني من مكتبه، ويتدخل ياسر شعبان، المُترجم والروائي النبيل والخلوق ليُهدّئ الموقف..
كل صباحٍ مع الصحارى هنا، تأتي الوجوه وتغادر، وتعاتبني بقسوةٍ كابنٍ ضالٍ أولاها ظهره جميعاً ساخطاً، أو مغضوباً عليه، ومغادراً وطناً أقرب إليه من نفسه.. تأتي ليلى عنان من بعيدٍ بابتسامتها الحنون الحازمة.. وقسوتها التي تخفي حناناً هائلاً وهي تقول لي: «لماذا لا ترحم نفسك يا ولد»؟ (بينما أقف أمامها بجسدي النحيل الذي يقطرُ عرقاً وأنا أحمل عشرات الملفات التي كلفني أنور عبد الملك أن أركض بها إلى «الخارجية» و»الأهرام» والمجلس الأعلى للثقافة، وصالون عبد الرحمن بدوي، فأجيبها مبتسماً ومنهكاً « لأنه أبي، وأنا لست عاقاً»، فتبتسم لي بأمومةٍ لم تغادرني منذ اثني عشر عاماً!
أنور عبد الملك جالس على كرسيه الخشبي الهزاز وخلفه صورة شهدي عطية، يتأرجح الكرسي بعصبية وهو يراجع نتائج اختباراتي في اللغة الفرنسية في المركز الثقافي الفرنسي في القاهرة، ويكتشف أنني لم أحرز تقدُّماً كبيراً في اللغة الفرنسية، فيحمرُّ وجهه غاضباً ويرمي الأوراق في وجهي صائحاً معاقباً بمنعي من الاستماع إلى بيتهوفن معه بعد العشاء في المنزل.. وأن أجلس في غرفة المطالعة لأقرأ لعبد الرحمن بدوي والطهطاوي!
شوارع مصر.. وأنا أركل حجراً بعد الآخر في الطريق من المجلس الأعلى للثقافة ويدي في جيبي بنطالي الجينز والأخرى تحمل ورقةً عليها توقيع جابر عصفور بتعييني في المجلس الأعلى للثقافة، وردّ عماد أبوغازي بعدم وجود شاغر ولا درجة مالية، فأبحث عن مسؤولة اسمها «مدام خضرة»! لتوقع لي على طلب تعييني المؤقت (بالمكافأة اليومية 8 جنيهات.. حتى يحولوني إلى موظف مؤقت، ومنه إلى ثابت). تطلب مني السيدة (خضرة) أن أنتظر قليلاً. ترسل من يحضر لها سجائرها المارلبورو، وبعد أن تنتهي من سيجارتها الأولى وترشف القهوة على مهلٍ، وأنا أقطر عرقاً أمامها.. أمد يدي بالطلب مجدداً فتطلب مني النزول إلى مكتب عماد أبو غازي، وهناك، يخبرني أنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً لي، أعود بالطلب إلى مكتب جابر عصفور، فتأخذه مني سكرتيرة وقور (بين أربع سكرتيرات شابات وحسناوات تحمل إحداهن شهادة دبلوم الصنايع!) وتختفي قليلاً في الداخل، قبل أن تعود لي بالرد نفسه.. «عليك أن تنتظر قليلاً.. فالدكتور جابر لن يستطيع أن يفعل لك شيئاً». الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة.. رئيس المؤسسة لن يستطيع أن يفعل لي شيئاً!
أنظر إلى تمثال سعد زغلول بالقرب من مبنى الأوبرا.. أعاتب «نحَّاته» محمود مختار في ذاكرتي.. «يرضيك عمايل حفيدك أبوغازي يا عم مختار»؟ أتأمل التمثال وسعد زغلول بكفِّه المُلوِّحة في الهواء (هل كان يودِّع الاستعمار أم يقول: مافيش فايدة»؟!).
الوجوه التي تأتي هنا في الصحراء، تعاتبني بقسوةٍ مبطنةٍ بحنوٍّ هائل، وقد صار الابن الضال أباً لثلاثة أطفال، وُلدوا جميعاً في بلدٍ آخر.. يبعد عن مصر كثيراً، لا البلد الآخر الذي أحببته، لبنان، يبعدني عن مصر، ولا أبنائي يبعدونني عن الوجوه القريبة الدافئة التي يأخذها التاريخ وأحوال الأيام. الشاعر عبد المنعم عواد يوسف وهو يتأبط ذراعي ونجوب شوارع وسط القاهرة ليلاً من الأتيلية إلى نقابة الصحافيين، ثم إلى مقهى زهرة البستان، وهو يُعرِّفني على الشعراء والنقاد ويسألني عن أنور عبد الملك وصحته.. ويحدثني عن صداقته بصلاح عبد الصبور، وحجازي وأمل دنقل وعفيفي مطر، ويسألني عن المحاضرات التي تلقيناها على يد أحمد كمال زكي، عملاق «الأساطير»، الأنيق، المترفع، الذي لا يعجبه شيء.. لا طلبة ولا نُقَّاد! أقول له إنه لا يعرفني.. فأنا طالبٌ بين مئات الطلاب في القسم الذي يُدرِّسنا فيه.
بعد أسبوع يتصل بي الأستاذ عبد المنعم، يجيئني صوته متهللاً: «لا يمكن!.. كمال زكي يريد أن يراك.. قال لي إن هذا الشاب موهوب وأعجبني شعره!» شكرته وأنا أسأله عن هذا الذي «لا يُمكن» في حديثه.. فضحك وقال لي إن كمال زكي لا يعجبه شيء أو أحد أصلاً.. وإعجابه بنصك غريب.!». هل تراني روحه الآن، جالسا بين الكثبان والوهدان أقرأ في صحف الرمل والهباء والعمر الضائع؟ عابرا في صمتي مستظلا بوحدتي، ومُحلِّقا إلى الوجوه التي لا تغادر..
أتذكر وأتساءل: لماذا لم يُعيِّنَني عماد أبو غازي في المجلس الأعلى للثقافة عام 2006، ومعي خطاب التعيين موقَّعاً عليه من جابر عصفور «الذي لديه صلاحية توقيع الوزير»، وهو رئيس المجلس؟ ولماذا تراجع جابر عن موقفه؟ أتذكر وجه أستاذنا طلعت الشايب في أروقة المجلس يسير مسرعاً كعادته ويقول لي: قرأت مقالك أمس في «أخبار الأدب» الذي تنتقد فيه وزارة الثقافة، مقال جيد حقاً. طلعت الشايب كان الوحيد في فريق عمل المشروع القومي للترجمة، الذي كسر البروتوكولات المنّمقة قائلاً لسوزان مبارك وهي تطالع «الأغلفة» التي طبعوها على عجل، (فالكتب نفسها لم تُكن نفذت بعد آنذاك): إن معظم العاملين في هذا المشروع لم يحصلوا على مستحقاتهم. فأشارت إلى جابر عصفور الذي جاء مسرعاً وحدّثته، وهو يومئ بالإيجاب سريعاً وسريعاً بعدها حُلّت أزمة المستحقات، بعدما كان يبطئ صرفها دوماً موظفٌ منتدبٌ للمجلس بالروتين والإجراءات، أخبرني لاحقاً أنه جاء في مهمة العمل بالمجلس من طرف جابر عصفور (الذي لم يستطع تعييني!).
عبارة طلعت الشايب لي كانت هي مفتاح اللغز بالنسبة لي فيما حدث معي.. الرسالة كانت واضحة للغاية: لن يعينوك في وزارةٍ تنتقدها! من هم الذين لن يعينوني؟ جابر عصفور.. الناقد الذي بدأ يسارياً.. وانتهى على يمين مبارك، وعماد أبو غازي، الذي لا ينكر أحد مشواره اليساري، وحتى اعتقاله، ودماثته وحسن خلقه مع الجميع، ولكنه للأسف خذلني منفذاً رؤية مؤسسة تريد عبيداً لا مفكرين.. غادرت المجلس الأعلى للثقافة غير نادمٍ على موقفي، وغادرت مصر بأكملها حزيناً على بلدي وما حلمت أن أقدِّمه لها. في طريقي المغادر مكتب أبوغازي، أرى سكرتيره الأنيق ذا البدلة الزرقاء، وهو يلوِّح بماكينة حلاقة أوروبية مستوردة ويقول له: هل تعرف ثمنها؟ إنها مستوردة.. وزميله الآخر الأكثر أناقةً يقول له: عندي منها اثنتان! «حُجَّاب ثقافة مصر»!
في الطريق إلى سلالم المؤسسة ألمح شهرت العالم تركض ركضاً إلى مكتبها متجاهلةً المصعد، يبدو عليها الإرهاق بشدة من الإشراف على ترجمات كتب المجلس، أقدّرها كثيراً، بشوشة مع الجميع. بينما الساعي المسكين يهرول باحثاً عن سجائر «مدام خضرة» التي أعطتني درساً في المماطلة لكيلا توقّع لي أوراق التعيين بعدما جاءتها مكالمة مقتضبة أخذت تنصت لها طويلاً وهي تتفرسني من أعلى إلى أسفل.. وفي الطريق أيضاً ألمح ناقداً كبيراً في لجنة الدراسات الأدبية يتوجه إلى قاعةٍ خاليةٍ ليعتلي المنصة ويلقي محاضرةً على ثلاثة من الحضور! خارج المجلس أطالع موظفة، معها شهادة دبلوم التجارة (صارت اليوم تترأس قسماً مهماً في المجلس)! أطالع موظفاً بشوشاً يركض وهو يحمل حقيبته الجلدية المكتظة، يهرول على سلالم المجلس.. (يحبه جابر عصفور كثيراً، وأراه دائماً يضحك بين الكل.. حيثما يضحكون يضحك.. ويلتقي أبوغازي في مكتبه كثيراً.. ويحل مشاكل الجميع.. ولا يعارض كثيراً.. موظف مثالي وإن كان منتدباً من دار الهلال.. حلمي النمنم! ) يصبّح عليًّ على عجل محيياً، بينما يهرول ليتابع الصعود إلى مكتبه بجوار مكتب شهرت العالم.
أغادر المجلس بأكمله..
أغادر مصر.. ولا تغادرني..
جلسة عبد القادر القط الصباحية في مكتبه قبل المحاضرات، وهو يناقشنا أنا وزملائي في أعمالنا الأدبية الأولى، بمحبةٍ وتشجيعٍ هائِلَيْن.. مذكرات أنور عبد الملك التي ترك معظمها بحوزتي ولا أعرف لليوم ماذا أفعل بها.. الكثير من الشرائط المسجّلة بصوته التي كان يود نشرها في نهاية حياته ولا أعرف أين ذهبت بعد وفاته بالخارج، رحمه الله. نصيحة صنع الله إبراهيم، لي وهو يقول لي «استغنَ عن العالم.. اتركهم هم ومجالسهم ووظائفهم واجلس ولو تحت بير السلم لتدرس وتكمل الدكتوراه اقتت على الخبز الحاف». أحمد فؤاد نجم في جلبابه الأبيض يقول لي في حديقة جريدة القاهرة في الزمالك وكان على موعد مع صلاح عيسى: وزارة ثقافة ايه اللي تشتغل فيها يا ابن الكـ……. روح اكتب شعر وسافر ولف العالم وعيش وطلع لهم لسانك.. اشتغل عند موهبتك»..
أغادر مصر.. معدماً. منفياً. بلا وظيفة (مكتوب في بطاقتي لليوم بلا عمل).. وفي قلبي جرحٌ على شكل وردةٍ مُكوّنة من وجوه أحببتها.. يقول لي ابني الصغير، بالإنكليزية، وهو يشير إلى الهرم في التلفاز: «ما هذا الجبل الذهبي يا أبي»؟ أجفل ويصدمني السؤال.. أتأمله طويلاً.. وأقرر أن أغادر المنزل لأحجز أول رحلة طيران إلى مصر لأصحبه إلى «الجبل الذهبي».. يلح في السؤال مشيراً إلى الهرم، وقد ألصق إصبعه الصغير بالتلفاز أجيبه مبتسماً بمرارة: «نعم هذا جبل من الذهب يا ابني.. ولكنه مقبرة عظيمة أيضاً».
٭ شاعر مصري/ دبي