إلياس صنبر يستعيد صورة الفلسطيني من «الغياب» إلى «الحضور»

حجم الخط
0

«الفلسطينيون: صور لأرض وأهلها من عام 1839 إلى الوقت الحاضر» كاتالوغ مصور عن فلسطين أعده الفلسطيني إلياس صنبر، يحتوي على مجموعة تريد محاكمة الطريقة التي عاملت فيها الكاميرا المكان الفلسطيني وأهله. فالكاميرا في أصلها الأجنبي ظلت تعمل بطريقة تجرد المكان من أهله خدمة لمشروع كبير. ومن هنا تنبع أهمية هذا الكتاب، وهو من الكتب التي رشحت لجائزة كتاب فلسطين السنوية التي ينظمها للسنة الثالثة مركز مراقبة الشرق الأوسط «ميمو» وسيجري الإحتفال به في شهر تشرين الثاني/نوفمبر.

أرض جامدة

ظلت فلسطين هوسا مستمرا للمصورين، ولم تلتقط صور لبلد مثلما التقط لها، فمنذ اختراع عدسة الكاميرا عام 1839 والتطورات التي حصلت على التصوير الفوتوغرافي وحتى اليوم، ظلت العدسة تلاحق الأرض المقدسة وتنتج عنها صورا لا تحصى. وعمد المصور كما الفنان التشكيلي من قبله على تحميل الصور حمولة أيديولوجية، إذا أخذنا بعين الإعتبار أن المصورين الأوائل كانوا مرافقين لبعثات تبشيرية، علماء آثارـ حجاج وشخصيات مهمة، وقاموا والحالة هذه بتكييف الصورة لتخدم الغرض الذي يسعى إليه الزائر للأرض المقدسة. وتم التعامل مع فلسطين من منظور الرواية الدينية باعتبارها المكان الذي شهد ولادة الدين المسيحي. كانت فلسطين في زمن اختراع الصورة ولاية عثمانية ولهذا فقد هيأت الكاميرا بكل ما تحمله من مقدرات الفرصة للغرب الراغب «بإعادة استكشاف» فلسطين عبر «حملة صليبية هادئة» تقوم على التبشير والتحديث والتقدم. وكانت هذه مقدمة لحملة عسكرية قادمة تعيد المكان إلى وضعه «الطبيعي» في التوليفة المسيحية ـ اليهودية.

من الظلام إلى النور

 ولعبت الكاميرا في هذا السياق دورا مهما في تحديد صورة المكان وتقديمه برؤية جديدة، فالتحديث والتقدم علامة على إخراج المكان من «عصوره المظلمة» إلى زمن النور والتحرر. وعليه فالصورة التي التقطها الرحالة والحجاج وعلماء الآثار حاولت أن ترى المكان ليس كما هو ولكن بطريقة مختلفة، أي اكتشاف أرض تراكم عليها الظلام بفعل «الكفار» العثمانيين. فالشرق الجامد/الساكن ظل عصيا ورافضا للتحديث والتقدم. ومن أجل النظر لفلسطين بطريقة جديدة، كان عليها أن تخلع عنها حجاب القرون من الرجعية والظلام، ومن هنا فالكاميرا ـ الصورة الفوتوغرافية كانت تحمل إمكانيات استعادة المكان وإعادة إنتاجه بطريقة رطبة وندية تماما كما في عهد الرسل والأنبياء، شوارعه لم تتغير منذ أن مشى السيد المسيح عليها وتلاله الخضراء ما زالت تحمل تلك الحقيقة البدائية عن مكان لم يكتشف بعد. فالصورة بتقنياتها من الوقوف أمام الكاميرا لفترة معينة ثم الخروج من زمن الصورة كانت مناسبة لتطبيق النظرة وإحياء الزمن التوراتي. وتزامن البحث عن الأرض المقدسة مع الصراع بين الداعين لنظرية التطور التي مثلها تشارلس داروين والكنيسة الإنكليزية. وعليه فقد كان جمود المكان الفلسطيني وما ورد عنه من قصص في سفر التكوين والإنجيل طريقة لدحض فكرة داورين عن النشوء والإرتقاء. ففلسطين في الصور الأولى كانت مكانا محددا ومعرفا بمجموعة من العادات والقيم والتقاليد تماما كما وصفه العهد القديم، فالمصور كان يتعامل مع مكان «يعرفه» وبالتالي يعكس وجودا غير موجود أي كان يدعي النظر ولكنه لم يكن ينظر إلا  لنفسه. فهو والمكان صنوان. وهذا يعني أن الصور الأولى أكدت على تصوير المكان باعتباره «قفرا» حيا ولكنه بدون ناس.

ديكور

وعندما كان المصور يعكس بشرا في الصورة فقد كانوا كما هم في الزمن القديم، ويلعبون في إطار الصورة كديكور عن المكان الذي لم يتغير ولم يتغيروا هم بالضرورة. فهم أحياء ولكن الصورة تتجاهلهم لأنهم من عهد قديم عاشوا حول المكان ـ بناء، معبد، تلة، مغارة مثل «أهل الكهف» الذين تغير العالم حولهم وكانوا في سبات عميق. ولهذا أكدت الصورة مفهوم الغياب للفلسطيني. ولعل معركة الفلسطيني مع الصورة منذ اختراعها أنها ظلت محاولة للخروج من أرق الغياب وتأكيد الحضور وفي مراحل إبداع صورته وصناعتها كما صنع مصور الزمن الإستعماري الصورة عن «المحليين» البدائيين. ورغم الهزيمة الأولى في زمن التقاط الصورة على يد المصور الغريب استطاع الفلسطيني المصور أن يبدع صورا «حقيقية» عن نفسه ومكانه وبدا فيها طبيعيا وليس «دخيلا» على المكان كما أراد المصور الإستعماري تأكيد هذا. ولكن الخطر الناجم عن الصورة الأولى للمكان الفلسطيني وتشويهه خدمت الفكرة الصهيونية التي تحدثت عن أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. فما حصل للصورة الأولى أن الفلسطيني استخدم في الصورة لإثبات واقع لم يتغير وعليه فالفلسطيني حضر كخيال أو لعبة ظلال. والملاحظ أن صور المرحلة الأولى ركزت على الريف ولم يترك المصور العدسة تلتقط ما تشاء من طبيعة وجمال بل كان يلعب دور مخرج فيلم يهيئ المكان ويحشده بالمجسمات والشخوص الذين يتكررون في معظم الصور. وفي الأحيان القليلة التي ركز فيها المصور عدسة كاميرته على الحياة اليومية للفلاحين ـ في الحقل والبيت ظهر فيها الفلسطيني بدائيا، بائسا ومتهالكا والقصد من كل هذا نقل الصورة  الحقيقية عن «الشرقي». والملاحظ أن الجزء المسيحي في فلسطين فصل عن بقية السكان، فصوره أكثر حيوية وناسه مناسبون للصورة. ولم ينج من الصورة النمطية عن المكان إلا البدو والناس الرحل التي التقطها المصور بدون زيادة أو نقص وبدون أفكار جاهزة وخيالات أضفاها على إطار الصورة، أثناء تصويرها وإنتاجها. والسبب هو أن البدوي لم يكن يدعي ملكية المكان، فالأرض التي ترعى فيها ماشيته هي ملكه اليوم وما يأتي بعد هو قصة أخرى.

تكرار

ويلفت صنبر انتباه القارئ والناظر لنقطة مهمة وهي «الصورة المكررة» لفلسطين أي الصور التي لا تحصى والتي ما هي إلا إعادة انتاج لصورة واحدة التقطها سائح في رحلة ما وأعاد السياح من بعده تصويرها وإن بأبعاد مختلفة. والغرض منها إظهار فلسطين خالية من السكان، ولم تهتم الصور التي التقطت قبل ستينيات القرن الماضي بالتركيز. ويقارب صنبر هنا بذكاء بين صور «العالم الجديد» التي التقطها مصورون مثل إدوارد كيرتس عن «العرق الزائل» أي الهنود الحمر وصور فلسطين، فهي تشترك في العديد من الملامح المتعلقة بجمود العنصر البشري والذي يحدق للأمام بخوف من هذه الآلة الغريبة إضافة لما تحتويه الصورة من مقتنيات البيت ومتاعه (صفحة  134). والفرق بين عالم الهندي الأحمر والفلسطيني هي أن الغرب «اكتشف» عالمه أما فلسطين فقد قام بإعادة اكتشافها.

البداية

 وعلى صعيد الصورة فقد بدأت إعادة الاكتشاف عام 1839 مع ظهور الكاميرا، حيث وصل أول مصور مع بعثة  كلفها جين ـ نويل ليربور وضمت الفنان هوراس فيرنه وفردريك غوبيل فيسكه. وشهد منتصف القرن التاسع عشر تدفقا للمصورين الذين جاءوا إلى فلسطين لعدة أسباب: رومانسية والبحث عن إثارة أو مغامرة والحج أو باحثين جدليين وعلماء آثار يريدون الحفر وتجار آثار وقناصل دول أجنبية وجواسيس. وفي الوقت الذي تطورت فيه أساليب التصوير  وآلاته بشكل سهلت على السائح أو بعضهم حمل كاميرته معه والتقاط صوره الخاصة، إلا أن هذا لم يؤد لتعدد الأساليب والنظرات، وإن حصل فهو نتاج تنويعات قام بها المصور على بعض المشاهد. والملاحظ في الصور التي التقطها الإنكليز هو محاولتها لاستعادة الزمن العبري ومعرفة المصور بجغرافية الكتاب المقدس. أما الصور التي التقطها الفرنسيون فهي تعترف بصورة ما بأنها من زمن الكتاب المقدس لكنها لا تقف عند هذه النقطة، فالفرنسي كما يقول صنبر كان مهتما بالماضي الصليبي وقلاعه أكثر من جغرافية الانجيل وإحياء زمنه. ويشير هنا إلى الصور لم تكن تلتقط فقط أثناء الرحلات والبعثات، ففي العقد السادس من القرن الماضي بدأ المصورون المحترفون يأتون إلى المنطقة وينشئون استوديوهات للتصوير. وبدأ المصورون المحترفون بإنتاج صور ترضي رغبة المستهلك في أوروبا وإنتاج صور عن الأرض المقدسة وأهرامات الجيزة.

الفلسطيني يرد

 صحيح أن الصورة ظلت مقصورة على العين التي تريد إعادة اكتشاف فلسطين، لكن الكثيرين من العرب الذي تعلموا على استخدام الآلة أثناء عملهم مع الأجانب سرعان ما بدأوا أنفسهم يفتتحون استوديوهاتهم. ويرتبط تاريخ التصوير براهبيين أرمينين كانا يعيشان في القدس وهما يسايي غرابديان وغرابيد كريكوريان ونشأ بعدهما جيل من المصورين الفلسطينيين، لكن الظاهرة ليست معزولة عن تطور التصوير في الدولة العثمانية «المصورون العثمانيون» الذين أرسلهم السلطان عبد الحميد لتصوير إنجازاته. ولم تتغير الطريقة التي نظر فيها المصور الفلسطيني في البدايات عن نظرة الغربي التوراتية للمكان. ومع ظهور خليل رعد الذي افتتح محله في القدس بداية القرن العشرين وظل ناشطا حتى عام 1948 ظهر نموذج مختلف وحقيقي كشف عن الصورة الحقيقية للمكان الفلسطيني. واستطاع عكس المكان وأهله ولأول مرة تظهر المجسمات المتحجرة في صور البدايات الغربية وهي تتبسم. وهو ما فتح الباب أمام حقيقة جديدة في التصوير وعالم مفتوح على كل الإحتمالات ولكنه حقيقي. وما تكشفه صور صنبر أن الحياة في فلسطين قبل «الغياب» في عام 1948 كانت «حلوة» فلم يكن الفلسطيني رغم المخاطر التي تحيط به ومدافع الحرب العالمية واحتلال بريطانيا لبلدهه وقدوم المهاجرين، يشك في أن قدره هو بلده. وما يؤكد هذه النظرة الصور التي جمعها المؤرخ الفلسطيني المعروف وليد الخالدي «قبل الشتات» فقد كانت هناك حياة وثقافة، وطن وناس ينتمون إليه.

الغياب

 تغير كل هذا في عام 1948 «غابت فلسطين» وأصبح الفلسطينيون ضحايا لاحتلال جديد. ومن هذه المرحلة لم تنج سوى صور قليلة وهي تظهر أن الفلسطيني هو الذي رمي في البحر لا العدو الجديد الذي ظل يدعي أن الفلسطينيين يريدون رميه في البحر. ومن هنا فالمنفى هو عودة للغياب من جديد وضحايا أيضا حيث تظهر الصور الفلسطيني حالة وصوله للمنفى وبنائه الخيمة وحصوله على بطاقة لاجئ من الأونروا. لم تطل مرحلة الغياب، ففي الستينيات من القرن الماضي بدأت صور المقاومة والفدائي في قواعد بالأردن وجنوب لبنان. ورغم محاولة المقاوم التخفي خلف «الحطة» الفلسطينية إلا أن الكاميرا كانت قادرة على تأكيد حضوره، وإعلان عودته من الغياب. وتزامنت مرحلة المقاومة مع حرب التحرير الجزائرية وفيتنام ثورة الطلاب الفرنسيين وثورة كوبا أي مرحلة التخلص من الإستعمار. ومن هنا فرغم الهزيمة التي تعرضت لها المقاومة وخروجها من بيروت عام 1982 بعد أشهر من الحصار تعبر صور تلك المرحلة في إطار منها عن حالة انتصار. فقد تم إخراج الفلسطينيين من المدينة ولكن «كشعب» . فصورة المقاومة على البحر تعيد الذهن لخروجهم البحري في عام 1948 ولكن بطريقة معاكسة. فبعد نصف قرن يبدو الراحلون على السفن هادئون ويرتاحون بعد قتال شديد واختفت نظرة الذعر التي لاحقت أباءهم. وأسهمت صور حصار بيروت ومذبحة صبرا وشاتيلا، البشعة في تجريد إسرائيل من حقها في احتكار وضعية «الضحية». لم تكن بيروت هزيمة بسبب هذا ولأن الإنتفاضة كسرت الكثير من النمطيات فالطفل لم يعد مسلحا بالأر بي جي ولكن بالحجر ويرقص رقصة الجذل أمام الجيش الذي لا يقهر ومن هنا كانت وصفة إسحق رابين بكسر أرجل وأيدي رماة الحجارة. انتصرت الصورة وانتصرت فلسطين. وكتاب صنبر مهم من ناحية تاريخية، بصرية وتأكيد الفلسطيني لنفسه، شعبا وأرضا.

Elias Sanbar: The Palestinians: Photographs of a land and its People From 1839 to the Present Day
Hazan ـ Yale University Press, New Haven 2014
381 pages

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية