إمامٌ… غيرُ رتيِب

حجم الخط
2

غاب إمام المسجدِ العتيقِ بدون إشعار وطال انتظار الناس، فالتفتوا تلقائيا للمْنَابْهِي. جالسا كعادته عن يمين المحراب، كان يبدو تحت برنسه كقبة بشرية مخروطية. توسموا فيه خيرا لطول ما رأوه يرتاد المسجد، فسألوه أن يؤُمَّ بهم. رفضَ فألحوا حتى أذعن، وأقيمت الصلاة، وحين التفت ليثبت له المؤذن الميكروفون على ياقته، هاله الجمعُ الغفير في صلاة الصبح تلك.. لا أحد يعلم أنه كان مناضلا صنديدا ماركسيا لينينيا، جمعَه السجنُ برجل صالح كان قد وجه رسائل النصح مرارا إلى من يهمهم الأمر.. هناك وراء الأسوار كان الرجلُ كلما لقيه يقول له: «قبل أن تفكر في قلب أي دولة، إقلب دولة نفسك.. وانتبه من نوم اليقظة يا مْنَابْهِي!» وبعد خروجه من الأسوار أصابته قَلبَة وحالٌ روحية زهَّدَته في جنة ماركس فطلـَّقَ الأدلوجة.. هو ذا الآن لا يعرفه أحد ولا يُرى عليه ذلك السفر الفكري الطويل.
رفع يديه وقال: «صلوا صلاة مودع!» وكبَّر وجعل يرتل الفاتحة كأنه عريقٌ في القرآن. حين وصل «ولا الضاليـن..» طرِبَ بنبرة الضاد ولين اللام وسكون النون، ثم اقشعر حين ردد الناس خلفه على قلب رجلٍ واحد «آميـــــــن» فهالَه صدى القبة العالية. تذكر النضالات وهديرَ الشعارات الغاضبة في الجامعات والميادين الحية، وها هو مسجدُ الحيِّ حيٌّ والصلاةُ حية والمصلون أحياء والمعبود حي.. فلِمَ كلُّ هذا المَوَات يا قوم؟
أعاد الآية «ولا الضَّالـِّيـن..» فزَأرَ الناسُ كأسود العرين «آميــن» ثم رددها ثالثا ورابعا وهم يقتدون به ويرددون. صارَ لصدره أزيزٌ كالنارجيلة، وخرجَ من المحراب يردد عاليا «ولا الضالين» والناسُ خلفه يرددون «آمين..» أشار بيده نحو البوابة «ولا الضاليـن» والناس أجابوه «آميـــن» وشق الصفوف يرددها وهم يؤمنون ويصطفون خلفَه حتى خرجوا من الباب الكبير: «ولا الضالين» ـ «آمين» ومشى بهم في الشوارع: «ولا الضالين» ـ «آمين» و«لا الضالين» ـ «آمين».. يهدرون كرعد الحقِّ على ألسنة الخلق. مضى بجموع الناس مجذوبين ممغنطين بالآية حتى وصلوا بوابة السجن الكبير القاسي على مشارف البحر، حيثُ الرجلُ الناصح ما يزال محبوسا لأنه حذَّرَ الناس مصائرَ الضالين.. التفت المْناَبْهِي ليَرى الحشود أولَ مرة. سيلٌ عرم يهدر أمام باب السجن بحنجرة رجل واحد إلى انقطاع النفَس: «ولا الضالين ـ آمين ـ ولا الضالين ـ آمين ـ ولا الضالين ..» تعجَّب المنابهي كيف ألهِمَ شعارا فريدا غيرَ مسبوق، جمع في لمحة ما لم تجمعه كل شعارات الصراع الطبقي. تذكرَ الرجل الناصح حين حكى له عن عارف بالله قال له تلاميذه وقد أصابهم الجوع «لا بد من الخبز» فأجابهم «بل لا بد من الله!»
وسرعان ما شَكَّلتِ القُوَّاتُ من جميع الألوان والأصناف درعا أمام السجن، مع أن أسوارَه القاسية وبوابتَه الغليظة وحدها تغني. وكانوا ينتظرون إشارة الفض بدون تردد. بلى! في ترددٍ كبير.. إذ لاحظ المنابهي أنهم وراء دروعهم وخوذاتهم كانت تبدو عليهم علامات التأثر والاهتزاز لوقع الآية الهادِر الآسِر. إنها آية الصبا التي شُرِبت ترياقا على الريق؛ ترنيمة الفطرة الأولى في الكُتَّاب؛ فاتحة الكِتاب وأمّه. منازلُ السائرين. مدارجُ السالكين. سورةُ يومِ الدين والمَلِكِ الحقِّ، لا ملوكِ الأرض العابرين الغابرين..
رُبَمَا يودون هم كذلك لو نزعوا بزَّاتِهم وطرحوا عتادَهم ووقفوا يرددون «ولا الضالين ـ آمين ـ ولا الضالين ـ آمين..» ربما يتوقون، لكن.. كما قال الفرزدقُ للحسين!
تناول ضابطٌ كبيرٌ مُكبرَ الصوت وأمر الجموعَ بالانصراف سالمين، بدون حاجة لنزيف خارجي، ولا داخلي مؤجَّل فاتِك يُقَيَّدُ ضد مجهول. لكنَّ المْنابْهي رفع صوتَه يطالب بسراح الرجل الناصح، وأنهم لن يعودوا إلا وهو بينهم. فاهتز الميدان بالآية من جديد. «ولا الضالين» ـ «آمين» وحدثت هيبةٌ وأنْسٌ كذلك، إذ نزل مطرٌ خفيف وأشرقتِ الشمسُ وبدا قوسُ قزح في السماء واضحا كاملا تكاد تلمسُه الأيدي.. حار الضابط الكبير. الناسُ عادة يجمعهم الطبل وتفرقهم العصا، فكيف اليوم جمعتهم سورةٌ تُتلى عادةً بدون وعي؟ كيف أتوا غـــيرَ هيابين ومن أي حقل ديني؟ وكيف أمَّهم هذا النَّكِرةُ أصلا؟ وعلى أي مذهبٍ هُم وعلى أيَّ طريقة؟ وأين الحقيقة؟
فكر القائد وقدر ثم التفت مبتسم الفم عابس العينين. في جميع الأحوال الوضع تحت السيطرة ولو احتاج الأمر إلى المروحيات والدبابات. لكنْ.. الحيلة خيرٌ من العارْ. قرر أن يُحضر الرجلَ الناصحَ لبضعِ ثوان يقول فيها للناس بضع كلماتٍ، فيُؤوِّلها الضابطُ بعدَه فورا ليحصلَ الشقاق، كرفع مصحف بين صَفَّيْن. وفعلا برز الرجل كأحد أصحابِ الكهف، وحوله كتيبة من الذين غلبوا على أمرهم واتخذوا عليه سجنا..
تفرَّسَ في وجه الضابط ولم يتفوه بكلمة. الكلامُ يفرق أكثر مما يجمع. رفع بصره إلى السماء وأشار عاليا جهة اليمين. التفت الناس فإذا قوس قزح قد دنا من الجموع بشكل عجائبي. وإذا هو ليس أشرطة ألوان متوازية بل مكعباتِ ألوان انتظمت كحبات مسبحة عملاقة معلقة في السماء. أخذ الرجل بيد المنابهي وصعد برشاقة فوقها والمنابهي يتبعه والناس خلفهُما يرتقون فرحين، والقوس يسعهم جميعا على غير عادة أو قانون طبيعي. كانوا يصعدون غير مبالين، بينما أفراد القوات ينظرون في ذهولٍ صارخِ الصمت، حتى امتلأ القوسُ عن آخره وصار كشرفاتِ حدائقَ معلقة أسطورية. ونادى الرجلُ الناصح على الكتائبِ فكاد جمعهم ينفرط، لكن الضابط الكبير أخذ يتوعد مَن سولت له نفسه، ويهددُ بقطع الأرزاق والأعناق. فقال له الرجل الناصح مبتسما: «يا بني اركب معنا في قوس الغيث وكن أنتَ الغوث!»

٭ قاص مغربي

إمامٌ… غيرُ رتيِب

رضا نازه

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية