لم يكن لنساء حلب سبب للاحتفال في هذه السنة بيوم المرأة العالمي. رغم أن موقع «رصيف 22» اللبناني سمى المدينة بـ «جمهورية النساء». في أحياء المدينة المدمرة التي تم تحريرها قبل نحو أربعة أشهر من سيطرة المتمردين، ما زال يلاحظ فقط عدد قليل من الرجال، الأغلبية قتلوا أو هربوا، وآخرون معتقلون أو مفقودون أو ينتظرون في خارج المدينة في مخيمات اللاجئين إلى حين تطهير شوارع حلب من الألغام والعبوات الجانبية.
حوالي نصف مليون نسمة كانوا يعيشون في المدينة الثانية من حيث حجمها في الدولة قبل الحرب، الآن بقي فيها 100 ـ 300 آلاف نسمة، وهذا مرتبط بمصدر المعلومات. حسب تقرير نشره موقع المعلومات الإنسانية السوري، من بين كل خمس عائلات هناك عائلتان تقوم النساء فيها بإعالة العائلة بصورة فردية. مفهوم «تعيل» هو مفهوم مضلل. لهؤلاء النساء لا توجد أماكن عمل أو مصدر دخل، باستثناء المساعدة التي يحصلن عليها من منظمات المساعدة العالمية التي توزع الملابس والوجبات الساخنة. لغالبية العائلات لا توجد كهرباء أو مياه جارية، وهي تضطر لشراء الكهرباء بسعر مرتفع من أصحاب المولدات والمياه من موزعي المياه الذين يبيعونها بالبراميل. أما عن الوقود للتدفئة، فليس هناك ما نقوله.
عدد من العائلات «المحظوظة» هي العائلات التي يخدم أبناؤها في الجيش السوري ويحصلون على راتب ما لا يتم دفعه بصورة منتظمة. الشباب الذين بقوا في المدينة يعتاشون من عملهم اليومي. أجرهم يمكن أن يصل إلى 10 دولارات في الأسبوع، «مبلغ يكفي بصعوبة للشاي والخبز والسكر». الحليب من الكماليات، قالت إحدى النساء لموقع «رصيف 22». هذه المرأة التي تعيل ستة أولاد قالت إنه فقط الآن بدأ عدد منهم بالدراسة في المدرسة التي تمارس نشاطها في مبنى مهدم تم إصلاح بعض غرفه. مشكلة أخرى هي الأطفال الذين ولدوا أثناء الحرب، وأعمارهم تتراوح بين 2 ـ 7 سنوات، هم غير مسجلين في أي مكان لأن المكاتب الحكومية كانت مغلقة طوال هذه الفترة، لذلك لا يستطيعون الحصول على مخصصات المساعدة أو التسجيل في رياض الأطفال. مقابل تسجيلهم تجبي السلطات حوالي 7 دولارات عن كل طفل، إضافة إلى رسوم السفر إلى مكاتب التسجيل ـ أيضا 20 سنتا. هذه تعتبر مبالغ كبيرة لنساء حلب.
ولكن وضع النساء اللواتي يترأسن العائلة وليس لهن شريك، يعتبر وضعا جيدا مقارنة بوضع النساء اللواتي يضطررن لبيع أجسادهن، حتى من أجل الحصول على وجبة مساعدة من منظمات الإغاثة. توزيع المساعدات يتم بواسطة عمال محليين، يستغلون مراكزهم من أجل اقامة علاقات جنسية مع النساء مقابل وجبات الطعام.
إحدى النساء قالت إن أحد نشطاء المنظمة عرض عليها الزواج «زواج مؤقت» مقابل ضمان دائم لوجبات الطعام. وعندما رفضت قال لها إنها لا تستطيع الحصول من الآن فصاعدا على مخصصات المساعدة. نساء أخريات أبلغن أنهن يمتنعن عن الذهاب إلى مراكز التوزيع خوفا من مضايقتهن، ومن الإهانة أو حتى الاغتصاب. حسب إحداهن، فإنه في منطقة سكنهن، العلاقة بين الجنس ووجبات الطعام أمر اعتيادي جدا، حتى أن النساء يمتنعن عن الذهاب إلى مراكز التوزيع كي لا يتهمن بالزنا في نظر جيرانهم.
تقرير مفصل أكثر بعنوان «أصوات من سوريا 2018» والذي نشر مؤخرا من قبل «ريليف ويب»، مركز المعلومات للأمم المتحدة عن الأزمات والكوارث العالمية. الـ 158 صفحة من صفحاته مليئة بالمعطيات والشهادات التي تثير القشعريرة عن التحرش الجنسي بنساء وفتيات وطفلات، في مراكز الشرطة ومخيمات اللاجئين، التي تم تشخيصها كامأكن غير آمنة للنساء. «المساعدة تقدم بالمجان فقط في أوقات نادرة. وجبات المساعدة توزع مقابل المال أو مقابل خدمات جنسية. النساء يستجبن لطلب «الزواج المؤقت» من جانب المسؤولين عن التوزيع فقط من أجل الحصول على وجبة»، قالت إحدى النساء من قرية بتنا القريبة من دمشق لأعضاء البحث. منظمتان للإغاثة اعترفتا بأنهما علمتا عن حالات كهذه، ولكن حسبهما، أوقفتا التعاقد مع مقاولي توزيع تصرفوا بهذا الشكل. ولكن نساء كثيرات يمتنعن عن تقديم الشكاوى بسبب الحاجة إلى وجبات المساعدة، أو لمنع الحرج عن أنفسهن.
مهما كان الأمر فإن بؤس كل هؤلاء النساء لا يصل إلى مستوى بؤس النساء المعتقلات في مراكز الاعتقال في الشرطة. في تقرير قصير نشرته «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» بمناسبة يوم المرأة العالمي، تم الحديث عن 7699 حالة تحرش جنسي نفذتها قوات الشرطة السورية ضد النساء. من بينها 864 حالة تحرش في المعتقلات في الشرطة في الأعوام 2011 ـ 2018. كل ذلك إضافة إلى عشرات آلاف حالات التحرش الجنسي من قبل مقاتلي ميليشيات المتمردين وداعش والعصابات الإجرامية. التقرير لا يستثني في انتقاداته أيضا الإدارة الذاتية في المحافظات الكردية التي تقع في شمال الدولة ـ هناك حسب التقرير تم إجبار النساء والفتيات على التجند في صفوف القوات المقاتلة الكردية.
«الأصعب من ذلك هو إهمال المرأة السورية من قبل المجتمع الدولي الذي فشل تماما في مهمة الدفاع، حتى لو عن الحقوق الأساسية مثل الحق في الحياة والسكن وعدم التعذيب وتحرير الأسيرات»، اتهم معدو التقرير. بالنسبة لهؤلاء النساء فإن يوم المرأة العالمي هو تعذيب آخر، لأنه يذكر النساء بالفجوة بين وضعهن ـ النضال المتواصل من أجل البقاء ـ ووضع النساء في الغرب.
هآرتس 12/3/2018