إنتاج ضخم لمسلسل يروي انتصار كوت العمارة في العراق و«الاستسلام الأكثر إذلالاً» في تاريخ الإنكليز

حجم الخط
4

إسطنبول – «القدس العربي» : في السنوات الأخيرة، حث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أكثر من مناسبة على «إظهار تاريخ الدولة العثمانية بشكل صحيح» من خلال التعليم والدراما والسينما، وانتقد على الدوام المناهج التعليمية التركية التي خاض جهوداً واسعة من أجل تعديلها، معتبراً أن العديد من الكتب والانتاجات الفنية تشوه التاريخ التركي وتحاول إظهار أنه يبدأ منذ تأسيس الجمهورية قبل قرابة الـ100 عام في تجاهل لمئات السنين من «أمجاد حكم العثمانيين»، على حد تعبيره.
هذه الدعوات لاقت بالفعل استجابة واسعة في الوسط الفني التركي، لكنها لم تكن لتحصل وتنجح بهذا القدر لولاً الدعم غير المحدود الذي قدمه أردوغان في هذا الجانب من خلال قناة «تي ري تي» الرسمية، التي أنتجت مؤخراً ثلاثة أعمال فنية ضخمة وبتكاليف هائلة وهي مسلسلات «أرطغرل» و«عبد الحميد الثاني»، وأخيراً «كوت العمارة».
وبينما حقق المسلسل الأول «أرطغرل» أرقاماً قياسية من حيث نسب المشاهدة في تركيا، وجد اهتماماً غير مسبوق من قبل الشعوب العربية، فيما بدأ المسلسل الثاني «عبد الحميد الثاني» بالتربع على عرش المسلسلات التركية، يُتوقع أن يحصد المسلسل الجديد «كوت العمارة» على نسب مشاهدات قياسية في تركيا والعالم العربي بشكل خاص مع بث الحلقة الأولى.
ومساء الخميس، بثت القناة الرسمية الحلقة الأولى من المسلسل الأمر الذي حاز على اهتمام هائل من قبل الشعب التركي وتصدر وسم الحلقة الأولى التغريدات على موقع تويتر في تركيا، ونشرت عشرات آلاف التغريدات التي تتغنى بانتصارات الجيش العثماني وتداول المعلومات التاريخية عن «كوت العمارة» فيما ربط آخرون بين تاريخ بث المسلسل واستعداد الجيش التركي للقيام بعملية عسكرية ضد الوحدات الكردية في عفرين.
وخلال السنوات الأخيرة تحدث كبار مسؤولي حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا عن «محاولات لفصل الشعب التركي عن تاريخه»، وقال أردوغان: «من المؤسف، أننا أعددنا تاريخنا الرسمي لسنوات، بالشكل الذي أراده البريطانيون»، فيما قال أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء آنذاك: «العقلية التركية القديمة، لم ترغب لسنوات طويلة، في استذكار هذا الحدث المهم (معركة كوت العمارة)، وإنما حاولت جاهدة أن تنسى معالمه بشكل ممنهج».

حين انتصر العثمانيون على الإنكليز

شارك أردوغان ورئيس الوزراء بن علي يلدريم وعدد من الوزراء وكبار المسؤولين الأتراك، الثلاثاء، في العرض التعريفي لمسلسل ملحمة «كوت العمارة»، حيث جرى العرض التعريفي للمسلسل التركي في مركز ثقافي في العاصمة أنقرة، وتضمن مشاهد من الحلقة الأولى.
ويتحدث المسلسل عن معركة «كوت العمارة» وهي المعركة التي انتصر فيها الجنود العرب والأتراك المنضوون تحت لواء الجيش العثماني آنذاك على القوات البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى في مدينة الكوت جنوب شرقي العاصمة العراقية بغداد.
وتعتبر المعركة ثاني أكبر نصر للقوات العثمانية في الحرب العالمية الأولى، بعد معركة جناق قلعة (1915)، حيث انتهى الحصار باستسلام الجيش البريطاني بالكامل والبالغ عدد عناصره 13 ألف جندي للقوات العثمانية، وتقول وثائق عثمانية موجودة في أرشيف رئاسة أركان الجيش التركي، قائد الجيش العثماني آنذاك، خليل باشا، كتب عقب استسلام الجيش البريطاني في 29 نيسان/ أبريل 1916، إن «التاريخ سيواجه صعوبة في إيجاد كلمات لتسجيل هذا الحدث»، وتنقل وكالة الأناضول عن المؤرخ البريطاني جيمس موريس وصفه للمعركة بأنها «الاستسلام الأكثر إذلالاً في التاريخ العسكري البريطاني».
ويحتفل الشعب التركي، في 29 نيسان/ أبريل من كل عام، بذكرى المعركة التي ألغي الاحتفال فيها بالمدارس التركي لعشرات السنوات لكن أردوغان أعاد هذه الاحتفالات إلى المدارس تدريجياً في السنوات الأخيرة وقام بالفعل بإضافة دروس تتحدث عن «انتصارات الدولة العثمانية» وخاصة «معركة كوت العمارة»، على المناهج التعليمية.
وقال أردوغان في إحياء الذكرى المئوية الأولى للمعركة: «هذه صفحة مضيئة في التاريخ العثماني، ومثالا للوحدة بين الأمة الإسلامية»، وعن المناهج التركية قال أردوغان: «من المؤسف، أننا أعددنا تاريخنا الرسمي لسنوات، بالشكل الذي أراده البريطانيون.. كتب التاريخ في تركيا، ناقصة، الذين يشرحون التاريخ التركي القديم، وينتقلون مباشرة إلى تاريخ الجمهورية، متجنبين، ذكر تاريخ حقبة زمنية استمرت 600 عام (في إشارة إلى الدولة العثمانية)، هم أعداء لنا».

إنتاج ضخم وتكاليف هائلة

المسلسل الجديد من إنتاج «محمد بوزداغ» الذي حقق نجاحا باهرا من خلال إنتاج وكتابة سيناريو مسلسل «قيامة أرطغرل» الذي دبلج إلى عدة لغات من بينها العربية، ولاقى متابعة كبيرة لا سيما في الدول العربية، حيث وعد بوزداغ الجمهور بمسلسل ضخم جرى التحضير له على مدى عامين.
ولفت المنتج إلى «التحديات في المسلسلات التي تجسد فترة تاريخية، وأبرزها هي تجهيز الجنود، وتدريب الممثلين على ركوب الخيل، وجاهزية كادر التصوير»، مشيراً إلى أنه جرى تدريب طاقم المسلسل، على مدى خمسة شهور، من ممثلين وفنيين يتراوح عددهم ما بين 150 و200 شخص، بحصص تدريب تبدأ من الساعة الثامنة صباحا، وتستمر حتى منتصف الليل أحيانا.
وقال: «بنينا مدينة كوت العمارة من جديد، نصبنا آلاف الخيام، وصنعنا آلاف البنادق والأسلحة وكميات كبيرة من الأسلحة. طاقم مؤلف من حوالي 60 أو 70 شخصا، راجعوا أدق تفاصيل مشروع المسلسل»، وأضاف: «الممثلين الذين سيؤدون الأدوار في المسلسل تلقوا تدريبات على يد أكفأ الجنود الأتراك، من ركوب الخيل والتدريبات العسكرية التي كانت في الجيش العثماني بالقرن التاسع عشر».
وسيكون المسلسل من بطولة سيردار كوك هان، وقان تاشانير، وإسماعيل أجه شاشماز، وإلكار آكسوم، فيما بدأت الفضائيات العربية بمحاولة الحصول على حقوق بث وترجمة المسلسل إلى اللغة العربية، حيث أعلنت القناة التركية أنها منحت حقوق ترجمة المسلسل وبثه لأحد المواقع العربية.

أرطغرل و«عاصمة عبد الحميد»

ما شجع على الانتاجات التاريخية الجديدة النجاح الكبير الذي حققه مسلسل « قيامة أرطغرل» الذي تدور أحداثه بين ولايتي حلب السورية وأنطاكية التركية في القرن الثالث عشر الميلادي، في زمن الصراعات بين الإمبراطوريات بالمنطقة، ويتناول سيرة «أرطغرل بن سليمان شاه»، والد عثمان الأول، مؤسس الدولة العثمانية، في سياق رحلة البحث عن أرض يستقر فيها مع قبيلته لإنهاء معاناتهم وتنقلاتهم، بعد مرحلة طويلة من الخطر وغياب الأمن والبحث وعدم الاستقرار.
ويستعرض المسلسل نزاع المغول والروم على المنطقة، حيث كان المسلمون يعانون الكثير من المشاكل في القرن الثالث عشر خاصة ضعف الخلافة العباسية، وكان العالم الإسلامي بانتظار قائد بطل، ليظهر أرطغرل متحدياً كل الظروف.
وحاز المسلسل على إشادة من أردوغان في مقابلة تلفزيونية، قائلا إنه يحظى في الآونة الأخيرة باهتمام وإعجاب الجميع صغارًا وكبارًا، وأن أفراد أسرته أيضًا يتابعونه عن كثب، واصفا إياه بأنه بمثابة ردّ على أولئك الذين يستخفون بقدرات تركيا وشعبها.
وفي فبراير/ شباط الماضي، بدأ عرض أولى حلقات مسلسل «عاصمة عبد الحميد»، حيث يوثق المسلسل أبرز الأحداث في الأعوام الـ 13 الأخيرة (1896-1909) من حياة السلطان عبد الحميد الثاني (ولد عام 1842 في مدينة إسطنبول) وهو الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، والسادس والعشرين من سلاطين آل عثمان الذين جمعوا بين الخلافة والسلطنة. وتولى الحكم عام 1876، وانتهت فترة حكمه عام 1909.
وكثفت تركيا خلال السنوات الأخيرة انتاجها من المسلسلات التي تقول إنها باتت تعرض في 100 دولة حول العالم، وتترجم إلى عشرات اللغات، وبلغت عائدات المسلسلات مئات ملايين الدولارات وساهمت في تعزيز الاقتصاد التركي بشكل عام من خلال تعزيز السياحة ومبيعات العقارات والملابس والأثاث الذي تشجع عليه هذه المسلسلات.

إنتاج ضخم لمسلسل يروي انتصار كوت العمارة في العراق و«الاستسلام الأكثر إذلالاً» في تاريخ الإنكليز
حث الرئيس التركي على إبراز تاريخ العثمانيين أنتج مسلسلات «أرطغرل» و«عبد الحميد الثاني»
إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية