لندن – «القدس العربي»: لا يكاد يمر يوم إلا ونسمع عن حالات إنتحار بين الأطفال، في ظاهرة جديدة على مجتمعاتنا العربية. وتشير الأبحاث والدراسات الحديثة إلى أن ظاهرة إنتحار الصغار على مستوى العالم قليلة لكنها تشهد تزايدا في الآونة الأخيرة.
انها حقيقة صادمة ومشكلة حساسة ومعقدة، والسؤال: متى ستأخذ حقها في البحث والدراسة خاصة في دول مازال يعاني نظامها التعليمي والتربوي عجزا كبيرا بالإضافة إلى الفوضى وعدم استقرار الأمن والفقر الذي يشهده جزء كبير من عالمنا العربي؟
الدكتور فتحي المسعودي الاختصاصي النفساني التونسي وخبير شؤون الأسرة والتدريب على التعامل مع الحياة تحدث لـ»القدس العربي» عن خطورة وحساسية الموضوع بالنسبة لمجتمعاتنا فقال: الانتحار عند الأطفال أو حتى الكبار موضوع قديم قدم وجود الإنسان، وهو مسألة ليست خاصة بزماننا هذا لكنها تطورت بشكل كبير وأخذت أبعادا أخرى بحكم تطور الحياة وتسارعها ونوعيتها التي يغلب عليها الطابع المادي على حساب الجوانب الإنسانية والروحية والدينية والعاطفية. الإنسان افتقد هذه الأمور منذ أن بدأت الثورة الصناعية وبدأ يهتم بالجانب المادي.
وأضاف: مسألة الانتحار متعلقة بالقدرة الذهنية والعقلية والنفسية على مواجهة المشاكل، فعندما يشعر الإنسان بالعجز التام قد يؤدي ذلك إلى مرض عقلي، ويفقد القدرة على التعامل مع الحياة والسيطرة على عقله ومداركه وقد يبدأ الأمر بالإدمان على المخدرات أو الجنس أو العزلة أو السرقة أو التسرب من المدرسة أو الإحساس بالفشل.
وأكد أن ظاهرة إنتحار الأطفال خطيرة جدا ومقلقة لكل المجتمعات البشرية سواء العربية والإسلامية وحتى الغربية، وهي في المجتمعات الغربية أكثر حدة منها في العربية. هذه الظاهرة لم تكن موجودة أصلا بين الأطفال، بل انه في بعض الدول العربية مازال من المحرمات الحديث عن إنتحار الأطفال أو الكبار فهي مسألة تمس المجتمع وحتى لو انتحر طفل فلن يتم الإعلان عن انتحاره لحساسية الموضوع، يقال أنه مات لسبب ما كالمرض الشديد.
أما عن الفرق بين طريقة تعامل الغرب والعرب مع الظاهرة فيقول د.المسعودي: أن الفرق هو أن الغرب يهتم بهذه الظاهرة ويدرسها ويجمع الاحصائيات ويبحث في الأسباب والمسببات ويبرزها للإعلام، بينما في دولنا الأرقام شحيحة والبحوث قليلة وبالتالي وضع الحلول لهذه الظاهرة وتلافيها يعتبر أمرا صعبا لأنها ظاهرة تتفاقم وتزداد بشكل كبير.
كيف نحدس نية الطفل في الانتحار؟
عن التفكير في الانتحار أو الشروع فيه بين الأطفال يقول: أن أصحاب التخصص في الدول المتقدمة يبحثون عن الدلائل التي من الممكن أن تشير إلى أن الطفل عنده استعداد للانتحار، أو إن كان يفكر في الانتحار حيث يتم الاهتمام بالموضوع من قبل المدرسة والمعلم لأنه هو الذي يتعامل بشكل مباشر مع التلميذ ويستطيع معرفة أي تغير في سلوكه وتعامله مع الدراسة والزملاء من خلال شروده الذهني أو تغير تصرفاته لتصبح عدوانية ضد الآخرين مثلا، لذلك يتم تدريب المعلمين على ذلك كما يتم الاهتمام بالبيت وتدريب الآباء والأمهات على بعض المهارات للتعرف أو اكتشاف ما إذا كانت لدى الطفل أي علامة أو إشارة تدل على وجود رغبة أو دافع للانتحار.
ويؤكد أن محاولة الانتحار لا تأتي، فجأة في الأغلب، لها مقدمات وأسباب، فأكثر من 90 في المئة من الأطفال والمراهقين الذين ينتحرون يعانون من مشاكل نفسية أو أمراض عقلية والإكتئاب الشديد أحد أهم وأبرز الأسباب التي تؤدي إلى الانتحار.
الإكتئاب والتحرش الجنسي واللفظي
وعن الأسباب المؤدية إلى الإكتئاب يؤكد د.المسعودي أنها سلسلة مترابطة فأسباب الإكتئاب كثيرة قد تكون عقلية أو وراثية كما تقول بعض الدراسات، ومن الأسباب الأخرى الإحساس بالخوف من الحياة ومن الفشل وعدم الإحساس بالأمان في البيت بسبب الطلاق وانفصال الأبوين، فالطفل في حاجة إلى الأب كما الأم، وبالتالي يعيش هذه الأجواء والضغوط النفسية.
وعن التحرش يقول: إن التحرش الجنسي هو أحد الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى الانتحار بين الأطفال، حيث يكون داخل الأسرة من الأب، الأخ، أو أقرب الأقرباء. وهنا يفقد الطفل الشعور بالأمان وسط أسرته التي من المفترض أن ترعاه وبالتالي لا يشعر بالأمان خارج العائلة خاصة أن قصص التحرش بالصغار لا تقتصر على البيوت بل أصبحت في كل مكان حتى في المدارس للأسف الشديد. ويضيف: هناك أسباب أخرى كالخوف من الفشل في الدراسة أو العقاب في المدرسة أو من النتائج الضعيفة فيعاقب من الأهل بسببها وأيضا التمييز ضده من قبل التلاميذ كأن يعاني من الوزن الزائد فيكون عرضة للسخرية.
الفقر والحاجة والإعلام
ويضيف: في بلادنا الفقر وعدم توفر الحاجات الأساسية من المأكل والملبس والسكن والمقارنة مع الأطفال الآخرين من أهم أسباب شروع الأطفال في الانتحار.
ويؤكد أن الإعلام هذه الأيام بدأ يتطرق إلى ظاهرة الإنتحار بشكل أكبر وبالتالي تصبح عدوى إجتماعية وتقليدا أعمى لدى فئات واسعة من الأطفال بسبب حب المغامرة والفضول فالكثير من البرامج التلفزيونية والأفلام وحتى برامج الكارتون تشجع على الإنتحار بالإضافة إلى ألعاب الفيديو التي تحتوي على العنف. إن الجلوس أمام هذه الألعاب لساعات طويلة مدمر للعقل حتى للإنسان الكبير فما بالك بالصغير، ناهيك عن ازدياد الوزن فالألعاب كلها قتل وعنف وهذه تؤثر على مدارك الطفل وبالتالي يصبح عنيفا في تصرفاته ويشعر بالإكتئاب نتيجة ما يشاهده والأخطر عندما يغلق باب غرفته ويستخدم الكمبيوتر في الحديث مع أشخاص إفتراضيين غرباء في غياب كامل للأهل.
المشكلة في المدرسة والبيت
ينصح المسعودي الأهل بضرورة الجلوس مع الطفل ومتابعة ما يشاهده وتوضيح خطورة ما يشاهده، المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام والتعليم. في البلاد العربية للأسف المعلم مجرد إنسان يعطي معلومات للتلميذ ولا يهتم بالأمور الأخرى كنفسية الطفل لأنه هو نفسه يعيش أزمة نفسية نتيجة الظروف الاقتصادية، المعلم يعيش ضغطا نفسيا وقهرا إجتماعيا وظلما وحيفا فكيف سيراعي التلميذ وكيف سيكون قريبا منه؟ علاقة التلميذ بالمعلم علاقة قوية فهو يتعلم منه العلم وكيفية مواجهة الحياة، وبالعكس عندما يرى المعلم أن الطالب لا يركز على الدرس يتجه إلى القسوة عليه أو إيذائه لفظيا وللأسف فما زال أسلوب الضرب قائما عند البعض وهذا في حد ذاته شيء خطير ويحول التلميذ إلى إنسان عدواني متمرد ويصبح عرضة للاستخفاف من زملائه مما يؤدي إلى الإنحراف أو الإكتئاب الذي يقود إلى الإنتحار، بدل أن يبحث عن الأسباب للأسف لا يوجد ذلك في بلادنا لحد الآن.
الإنتحار الجماعي بين الأطفال
في تونس منذ أسابيع فقط حاولت 7 طالبات تتراوح أعمارهن بين 12 إلى 14 الانتحار بطريقة جماعية من خلال تناول سم الفئران في المدرسة، لكن المحاولة لم تنجح. هذه مشكلة خطيرة يقول د.المسعودي وتنم عن وجود أزمة حقيقية في المجتمع ككل،لأن هؤلاء الأطفال عندما يقدمون على الإنتحار بهذا الشكل الجماعي بتناول دواء سم الفئران الذي يأتي في المرتبة الثالثة من حيث أدوات الانتحار إذ يأتي السلاح في المرتبة الأولى وفي الثانية الشنق بالحبل دون معرفة السبب فهذا أمر مقلق ويؤكد تأثر الأطفال بالفوضى التي بها البلاد. على الدولة والمجتمع الإنتباه لهذه المسائل فهي أمور ليس من السهل علاجها وتحتاج إلى ثورة حقيقية تعليمية إجتماعية عائلية، يجب على الآباء أن يفتحوا مجالا للحوار مع أطفالهم. فالأزمات التي تعيشها تونس البلد والثورة والإضطرابات الإجتماعية سوف تزيد من حالات الانتحار.
الاستماع والحضن الدافئ
عاشت مجتمعاتنا عقودا من الظلم والقهر والحيف الإجتماعي حتى أصبح الأب يدكتاتورا مثل الرئيس. كل شخص عنده مملكة ينصب نفسه ديكتاتورا عليها بالتالي هناك الكثير من الأسر غير مسموح فيها بالحوار والنقاش وغير مسموح للأطفال بالتعبير عن مشاعرهم حتى لو كانت سلبية مثل الغضب والكره والإحساس بالفشل. الإقتراب من الطفل والاستماع إليه مهم جدا والشعور بالأمان شيء يحتاجه الطفل حيث الاحساس بان في هذه الحياة من هو على استعداد لأن يقف معه ويساعده فيحل المشاكل التي قد يتعرض لها وأن يفتح معه حوارا دون توبيخ أو عقاب. علينا أن نتقبل كل شيء من الطفل فليست لديه القدرة مثل الكبير، على أن يحلل ويفكر يجب أن يسمح له بالتعبير عن الأفكار والمشاعر السلبية.
الإهتمام بالمعلمين
المعلم في بلادنا غير مدرب على التعامل مع التلاميذ أما في أوروبا فهو يتعلم قليلا من علم النفس وكيفية التعامل مع التلاميذ. الفريق التعليمي يتلقى دورات تدريبية بشكل مستمر من أجل ذلك، من الحارس إلى السكرتيرة حتى المديرة الكل يجب أن يتدرب على كيفية التعامل الأفضل مع الطالب ومعرفة احتياجاته، أما عندنا وللأسف يأتون بأستاذ يمسك «عصاية» كيف يمكن التعامل مع أربعين طالبا داخل قسم واحد في مدارس بعضها آيل للسقوط وزجاج الشبابيك مكسر والمدارس بعيدة؟
«حابب أقتل نفسي»
أحيانا يتحدث الأطفال في أمور قد لا يعير الأهل أي أهمية لها كأن يقول الطفل مثلا «أنا حابب أقتل نفسي» أو «أنا أحسن أنتحر» فالأم تقول دون قصد روح إنتحر. لو حدث هذا في الغرب تؤخذ الأمور بجدية وتتم متابعة الطفل ومراقبة تصرفاته وفي المدارس يجب الإنتباه إلى ما يكتبه الطفل عن رغبته في التخلص من الحياة والشعور بالحزن الشديد ورفض المجتمع له وحتى يخلص العالم من تبعات مشاكله ينتحر أو يفكر في الإنتحار. الكل مسؤول، البيت والمدرسة والنظام التعليمي والإعلام في تكوين سلوك الطفل وفي انحرافه وإيجاد طرق للتخلص من حياته، وفي ظل منظومة تعليمية فاسدة وفوضى إجتماعية وأخلاقية عارمة يجب على الأهل أن ينتبهوا ويعوا خطورة هذه الظاهرة التي قد تطال أي طفل اذا لم تتوفر له فرص النجاة. الإستماع والإحتضان والحب والإستقرار الأسري والعاطفي كلها عوامل تحمي الطفل وليس من العيب عرض الأمر على المختصين في حال شعر الأهل بوجود علامات سلبية أو إضطرابات نفسية فهذا سوف يعالج المشكلة قبل أن تتفاقم وتؤدي إلى الانتحار.
وجدان الربيعي: