إنشائية الوهم المضاد في أقاصيص «حرب لم تقع» للاردنية جميلة عمايرة

حجم الخط
0

نفكر في هذا النص في ظاهرة سردية تتصل باستراتيجية الحكاية وبنيتها الحدثية. ولعل الأمر يتعلق هنا بالانزياح عن مسار التحليل الوظائفي مثلما حدده فلاديمير بروب في تحليله للقصص، وتحديدا تقويض وظيفة النهاية التي تتميز باعتبارها لحظة انفراج وتتويج، وهو ما سميناه الوهم المضاد. فليس الوهم غريبا عن النصوص السردية باعتبارها بنى خيالية ورقية، مثلما استقر ذلك في السرديات الحديثة، وخصوصا منها الشكلانية والبنيوية. وما من شك في أن كتابة النص السردي هي كتابة تتوهم أحداثا وشخصيات وفضاءات يبتدعها الكاتب على لسان الراوي، ويوهم بها القارئ، فالنص القصصي نص قائم على الوهم والخيال، وهو يتسم ببنية متكاملة خطية أو غير خطية تسير بالحكاية نحو التعقد أو الانفراج في نهاية المطاف، ولكن هذه الكتابة التي نحن بصددها تختار الانزياح عن الإيهام الأول وتجاوزه وظهور تصور جديد للحكاية يسير بها نحو النهاية.

«حرب لم تقع»

انتبهنا إلى هذه الاستراتيجية وأهميتها في النص القصصي الجديد، ونحن نقرأ مجموعة «حرب لم تقع» للكاتبة الأردنية جميلة عمايرة، وقد لاحظنا في بعض قصصها هذه النزعة التخييلية نحو الانقلاب على الحكاية الأولى ومحوها في نهاية النص السردي وهو ما سنقف عليه في بعض نماذجها…
في هذه القصة يفضح السارد شخصيته ولحظة انفراج حكايتها، فيكون الوهم مسندا إلى شخصية وموجها إلى بقية الشخصيات الورقية لا إلى القارئ الذي يعلم الكذبة. فنحن أمام حكاية واحدة بوهمين، وهم أول يتبناه الراوي ويتعلق بحكاية المرأة التي غاب عنها زوجها لأسباب مجهولة «غياب غامض، لم تعرف المرأة له سبباً واضحاً أو محددا «، ووهم ثان هو ما اختارته شخصية الزوجة لتبرر به ما جرى، إذ التجأت إلى اللغة الخيالية لترتق أوجاعها: «ستقبض عليه باللغة وتُحضره. ربما لهذا لم تغضب المرأة أو تشتكي أو تندب حظها القليل. لا، الغياب بالفكرة ليس غياباً. أكدتْ لنفسها، ستكتبه ثانيةً كما يطيب لها، وستمنحه حياة جديدة كما تشتهيها، وستدعه بالقرب منها». هذا الهروب نحو اللغة ولّد وهما جديدا وهو حكاية الموت في الحرب: «لذا قررَت المرأة وبدون شعور بالندم أو المرارة أو الأسى، أن تعتقد أن الحرب أخذته، والحرب بغتة، أخذته الحرب ذات ليلة بعيدة، تشبه هذه النهارات والليالي، هو وآخرون كثيرون في المدينة. انتهت الحرب بغتة كما بدأت، وعاد من عاد، إلا أنه لم يكن بينهم». ولم تكتف الزوجة بتخيل الحكاية بل صدقتها وأثرت على مشاعرها، «اقتنعت المرأةُ بالحكاية وصدقتها، أصبحت حكايتها، إذ إن خيوطها متماسكة ومتينة، اطمأنت للنتيجة بحيث بدأت ترويها للآخرين بثقة كبيرة، وهي تشعر بالفخر به كبطل من أبطال هذا الزمان، فاليوم هو أقرب بكثير مما كان عليه في ما مضى». فالقارئ يدرك أن الكاتب اختار أن تكون لحظة الانفراج أو الحل لحظة وهمية وخيالية ومزيفة، ولعلنا بصدد حكاية مناقضة لما أورده السارد، ولكنها من تخييل شخصية. فالإيهام القصصي في هذه القصة يبدو إيهاما مزدوجا، أحدهما ينتسب للسارد والآخر ينتسب إلى الشخصية، والحقيقة أن هذا الأمر لا يخلو من دلالات، وليس مجرد حل لتشويق القارئ وكسر أفق انتظاره وإنما تعبير عن موقف ما.

«الرجل الذي كان ميتا»

تتجلى الاستراتيجية نفسها في هذه القصة، حيث يبرز السرد المضاد الذي يقرأ ما جرى بطريقة أخرى ويشكل ظهوره لحظة نهاية للقصة. يدور الوهم الأول الذي سوّق له السارد وصاغه ويتمثل في عثور بدوي على رجل مغمى عليه والشك في موته ثم السعي إلى إسعافه في منزله. هذه الحكاية يعيد الرجل الميت في مختلف ردهات القصة صياغتها فيصبح المنقذ محل اتهام من طرف هذا الرجل بعد شفائه.»عليك اللعنة من الله. قال الرجل الميت: كنت تريد دفني وأنا حي، أنت وصاحبك، ألا تخافان الله؟ لم أكن ميتاً. كدت أن أصرخ بكما أن توقفا، فقط كنت أشعر بالبرد ينخر عظامي كلها، جردتني من ملابسي، حتى الكنزة الصوفية التي لا تفارق جسدي صيف شتاء سرقتها أنت وصاحبك، إلا أنني لم أتمكن من الصراخ لوقفكما، شيء ما منعني من ذلك، ربما البرد. وربما الخوف فاستكنت مرغماً لصمتي». فمن وصف بالرجل الميت يقدم تصورا جديدا مخالفا لما كان السارد يقدمه، ولعل السارد نفسه قد اختار هذه التقنية للخروج وإنهاء النص… ولعل ظهور من وصف بـ»الرجل الميت» حيا في نهاية القصة يخالف وصفه في بدايتها ويعدل عن اعتباره شخصية ميتة، وهو ما أوحت به عتبة العنوان وهي بذلك تنغمس في بعض العجائبية.
نخلص إلى أن جميلة عمايرة اختارت في هذه النماذج العدول عن نهاية سردية مألوفة واتجهت نحو نهاية تخرج عن مسار القصة الحكائي ولعل ذلك يدخل في باب البحث عن تشكيل جديد للنص القصصي والاشتغال على تجديد البنية السردية وهي من مشاغل السرد الجديد.

٭ ناقد تونسي

إنشائية الوهم المضاد في أقاصيص «حرب لم تقع» للاردنية جميلة عمايرة

رياض خليف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية