أن تنهار حصون الاحتلال الإسرائيلي خارج حدود فلسطين وتحديداً في أوروبا فهذا أمر ليس غريبا، لا سيما وأن تكميم أفواه الناس وتعصيب عيونها لم يعد أمراً سهلاً، خاصة مع انتشار سبل التواصل الإلكتروني وشبكات الإعلام الاجتماعي وتنافس الناس على الخبر بالصوت والصورة والنقل الحي، فضحاً لعنجهية الاحتلال الإسرائيلي وسياساته القمعية.
عالم الصورة اليوم يهزم الخطابات المتكلسة والشعارات الرنانة، التي اعتاد البعض منّا على إطلاقها دونما رابط فعلي، بقصصٍ حية وإنسانية تدور في الميدان. فرواية الفلسطيني الشخصية أكثر تأثيراً في العالم اليوم من الموقف الجمعي، خاصة لأن الناس لا تتعاطف في معظمها مع الشعارات، لكنها تتأثر برواية طفل يحجبه عن مدرسته جدار عنصري، وامرأة تلد على حاجز عسكري، وطفل تحرقه قنابل الفسفور الإسرائيلية، ومريض لا يحصل على تصريح ما فيموت قهراً قبل موته جسداً.
رواية العذاب الفلسطينية الذاتية وأدلة الموت الواضحة، هزت أركان العالم مدعمة بمسيرة نضالية تراكمية عمدت بدم الشهداء ومعاناة أجيالٍ متعاقبة من الأسرى والجرحى ومرتبطة بحكمة سياسية فلسطينية، ولدت في مجملها ضيقاً عالمياً واسع النطاق بالاحتلال الصهيوني ورواياته الممجوجة ومحاولاته البائسة لتبرير الاحتلال. وعليه خرج ممثلو الشعب في فرنسا ولوكسمبورج والسويد وإيرلندا وبريطانيا وإسبانيا والبرتغال والبرلمان الأوروبي، وإحدى مقاطعات بلجيكا وغيرها سيأتي قريباً لتقول: لنعترف بفلسطين ولنسحب اعترافنا بالاحتلال الصهيوني.
لكن المشهد وعلى فرحنا به يلوثه الانقسام الفلسطيني المستمر، وما يترتب عليه من بؤس متراكم للناس، خاصة في غزة والقدس والأغوار وكل بقعة فلسطينية. لذا فإن انتصار الشعب الفلسطيني، وإن تحقق على منابر التصويت في برلمانات العالم قاطبة، لن يرى النور إلا بانتهاء الانقسام قولاً وفعلاً.
أما إسرائيل وبتركيبة حكومتها المتطرفة اليوم فلن تقبل بإنهاء الاحتلال وستصارع أركان الأرض لتبقي على القناعة العجيبة، بأن ابتلاع إنشٍ إضافيٍ من الأرض العربية لهو أكثر أهمية من كوكب الأرض ومن عليه، وبذلك فإن نقمة الفلسطينيين لن توازي إلا حجم الطمع الصهيوني المتنامي. ولذا فإن إنهاء الاحتلال اليوم وبإذعان إسرائيلي أمرٌ غير ممكن، لكن انهيار الاحتلال أخلاقياً ومعنوياً وعسكرياً وسياسياً ومالياً في أعين العالم، أمر فعلي ممكن ليس بفعل الإرادة الفلسطينية التي لم ولن تنضب، ولكن هذه المرة كنتيجة لإرادة دولية وبنمطٍ مهم، بحيث لا يمر يومٌ من أيامنا هذه إلا ونرى إرادة الخلاص من المحتل تتجسد في برلمانٍ ما ومنبرٍ ما ومؤسسةٍ ما.
إن تصويت العالم ضد الاحتلال ليس حدثاً رمزياً ولا مرتجلاً، وإنما هو تعبير واضح عن ضيق العالم بالرواية الإسرائيلية المتآكلة وملل العالم الحر من استمرار الصراع العربي الإسرائيلي وارتداداته «الداعشية» و»القاعدية» وغيرها ما سيتبع من عجائب الدنيا وأهلها.
لقد انتهت مرحلة «استغباء» العالم و»استغفاله» ودقت ساعة الخلاص من المحتل بوازع انهيار حصونه وتآكل شرايينه وموته الأخلاقي.. فهل بالفعل دقت ساعة رحيل الاحتلال؟
٭ كاتب فلسطيني
د. صبري صيدم