لم تكن مساء أمس تظاهرة واحدة، بل اثنتان، الأولى لأولئك الذين رفعوا أعلام فلسطين، وبالأساس كاستفزاز، فليست المساواة ما يطلبون ولا التعايش، بل شطب حق وجود إسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي. أما الأخرى فكانت لأولئك الذين يحتجون على التمييز ويكافحون في سبيل المساواة، وهؤلاء يعتقدون بأن قانون القومية سيسيء إليهم. الأوائل يريدون تعميق النزاع، والآخرون يريدون التغيير من خلال الاحتجاج على المشروع.
أغلبية ساحقة من عرب إسرائيل يصوتون للقائمة العربية المشتركة، التي تقف على رأسها قيادة من أفضل الأوائل، قيادة استفزازية، قيادة ترفض حق وجود إسرائيل، قيادة تؤدي أقوالها وأفعالها إلى هتافات إلى نمط: «بالروح بالدم نفديكِ يا فلسطين». وأمس، وكم هي خسارة! هذه الهتافات أسمعت في ميدان رابين.
من جهة أخرى، فإن كل استطلاعات السنوات الأخيرة تشير إلى أن ما نسبته 50 ـ 53 في المئة يؤيدون تعريف إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، فهم لا يؤيدون كل سخافة للقيادة، بالضبط مثلما لا يؤيد مصوتو الليكود كل إعلان عن بناء آخر للإغاظة خارج الكتل و/ أو خارج جدار الفصل، والتصويت هو موضوع هوية وليس موضوع موافقة على كل تصريح.
لقد طلب منظمو التظاهرة عدم رفع أعلام فلسطين، وأرادوا التحدث إلى الجمهور الإسرائيلي، وكان هذا قرارًا مناسبًا، لأن من يرفع أعلام فلسطين في هذه التظاهرة فإنه جاء كي يستفز أعلام إسرائيل. وهو مع القومية الفلسطينية وضد القومية اليهودية. ولكن عندما سُئل أحد المتحدثين، عاموس شوكن، عن رفع الأعلام كان أكثر تعاطفًا، وبدلا من الانضمام إلى دعوة المنظمين وجد تفسيرات وتبريرات. يمكن الافتراض أن هذه الهتافات «بالروح بالدم نفديك يا فلسطين» وجد بعض اليهود، ممن جاءوا، أمس، جملة من التبريرات.
رغم القيادة، ورغم الهتافات، يجب الإنصات لأصوات المعتدلين، وهم موجودون. وينبغي السير نحو أولئك الذين يطالبون بالمساواة والاندماج بالضبط مثلما ينبغي وقف الميزانيات لأولئك الذين يمجدون ثقافة الشهداء والقتل باسم «حرية الفن والإبداع». عمليًا، إن الحكومة الحالية بالذات، في مجال الميزانية، تفعل أكثر من كل الحكومات التي سبقتها، فالخطة الخماسية تعمل منذ الآن، وهذه ليست مجرد استثمارات كبرى في البنى التحتية، بل وفي التمييز التعديلي أيضًا.
ثمة نتائج، فكثير من عرب إسرائيل يجتازون أسرلة وليس فلسطنة، ومزيد من العرب يدخلون مجالات التكنولوجيا العليا، الصيدلة والطب، وهم مواطنون متساوون وموالون دون أي حاجة لقسم الولاء، لأن الاندماج هو المستوى العملي للولاء، والسبيل إلى المساواة الكاملة لا يزال طويلًا. وهو لا يمر بالميزانياتفحسب، بل بالمشاعر أيضًا. عليهم أن يشعروا بأن إسرائيل هي الوطن، وتغيير صغير في قانون القومية، بإدخال مادة المساواة، لن يمس بحق القومية اليهودية، ولكنه سيحسن الأجواء. الطريق إلى المساواة، كما ينبغي لنا أن نذكر، تتضمن مساواة في الواجبات أيضًا، وعلى رأسها الخدمة الوطنية، لأنه الأصوليين والعرب لن يكونوا في أي مرة متساوين دون أن يدخلوا إلى الفكرة المشتركة التي تتضمن الأخذ والعطاء.
مساء أمس، كان في ميدان رابين استفزازيون ومطالبو مساواة، الأوائل هم أعداء من الداخل، والآخرون هم شركاء ينبغي الإنصات لهم، من أجلهم ومن أجلنا أيضًا.
يديعوت 12/8/2018