إني اتهم… مرافعة «من أجل المسلمين» في فرنسا: «كل إنسان يحمل الشكل لكامل للشرط البشري» مونتيتن

حجم الخط
1

يقدم أدوي بلينيل في كتابه «من أجل المسلمين» الصادر عن دار لاديكوفيرت في باريس، تشريحا عميقا للأسلاموفوبيا في فرنسا الراهنة. وعبر استعادة صرخة إميل زولا الشهيرة في نهايات القرن التاسع عشر. وطرحها في صيغتها المعاصرة، من دون مساحيق أو أقنعة من تلك التي يتدثر بها اليمين واليسار على السواء، وبعض المثقفين الغارقين في «الوهم الاستعماري».
يفكر المؤلف بصوت جهير، في السؤال الهوياتي المضني الذي يقض مضجع فرنسا «المريضة»، ونخبها الانعزالية المحتمية بالتاريخ والمسكونة بفوبيا الإسلام، والضواحي والمهاجرين والأقليات من غجر وروم وغيرهم. فرنسا التي تتنكر اليوم، لتقاليدها الراسخة في التعدد والاختلاف واحترام الآخر. وتقبله كما هو وليس بالانصهار والذوبان، وهذا ما يصنع مجد فرنسا بلغة زولا دائما.
إن الخطاب العنصري يعتبر حضور الأفراد المسلمين، يشكل قلقا حضاريا لمنظومة القيم الفرنسية مجتمعة، بسبب أصلهم وثقافتهم وعقيدتهم المختلفة، بدوافع حماية « فرنسا الأصلية» (الان فينكلكروت) ومواجهة الاستبداد الكبير (رونو كامي).
هناك حالة من العمى والتعسف الثقافي والإعلامي، ضد من هم على الهامش، تماما كما حصل مع المشكلة اليهودية قبل قرن من الزمن، حيث يتم التعبير عن كل الأوهام والوساوس، بانفعالات وتخريجات فكرية ضحلة تعمق الإقصاء واللامساواة، التي ستكون نتائجها وخيمة، بالنظر إلى الماضي القريب متمثلا في الحربين العالميتين، والجرائم المروعة التي حدثت في ظل أنظمة شمولية سعت لاستعباد الإنسان وإذلاله.
إن السلوك العنصري، وكراهية الأجنبي ـ يضيف المؤلف ـ لا يتولدان تلقائيا، بل هما حصيلة سياسات نستسلم لها وندعمها، إذ لابد من المساندة الأخلاقية للمهاجرين والأقليات، والتصدي للمواقف الكزينوفوبية تحصينا للمجتمع والأفراد من الانزلاق في متاهة الأحكام الجاهزة.
فالخطاب العنصري يربح مساحات يوميا، ويتغذى من تآكل الثقة في أوروبا، التي باتت تمشي مطأطأة الرأس وفاقدة لأي مشروعية شعبية، من شدة تماهيها مع التنافسية الاقتصادية ولغة رأس المال المتوحش. وبفضل خبرته في تأمل التجارب التاريخية، للمفكرين والكتاب والمجتمعات، وأيضا بهويته الشخصية الغنية والمتعددة الروافد والمرجعيات، يستعيد صوت الكاتب الفرنسي إميل زولا وشجاعته وحدسه اللامع، للتنديد بالعنصرية واحتقار الآخر «وقتله» رمزيا «قضية الضابط دريفوس»، داعيا إلى الوحدة الإنسانية وانتفاضة ضد المجرمين والمتورطين في الوساوس الدينية. مضحيا بنفسه ومفضلا المنفى في لندن إلى حين عودته وموته الغامض مخنوقا في شقته في باريس.
ويسائل المؤلف كل أطراف المعادلة الفرنسية، بدءا من اليمين التقليدي الذي يقف ضد المساواة، على اعتبار أن الحضارات ليست لها القيمة نفسها وفق تراتبية انثروبولوجية، مبنية على الفرز والانتقاء. ويسار «منافق» وحائر يقف ضد الإخاء، معتبرا أن الثقافة الإسلامية، تعارض القيم الديمقراطية وتمثل «عدوا داخليا» ينطوي على مخاطر جمة.
ويذهب ايدوي بنيليل إلى أن وضع الأقليات، هو الذي يعزز القيمة الأخلاقية الكبرى للمجتمع، ويمنع بالتالي حرب العوالم وتلافي حقد بغطاء ديني. إنها باختصار شديد انتفاضة الضمائر.
وينتهي المؤلف في سياق تحليله للظاهرة، إلى أن الخوف هو محفز جميع أشكال الشزينوفوبيا والعنصرية، فوحده قبول الآخر كما هو (سارتر) و«القرب من الآخر والمبادرة إلى لقائه (ليفينياس) من أجل«التقمص الوجداني للآخر» (نيكول لابيير) كفيل بردم تلك الهوة السحيقة والمؤلمة.
وخلاصة القول إن العنصرية والكزينوفوبيا، تميزان فترات الانتقال والارتباك في اللحظة التي يبدأ فيها العالم القديم بالتلاشي والاحتضار، ويتعثر العالم الجديد في الوصول والانبثاق. وبتعبير فكتور هوغو، فإن «الفوضى هي التي تحفر الهاوية ولكن البؤس هو الذي يعمقها»، فالخطاب العنصري والتمييزي، يضع حاجزا خارجيا لا مرئيا غير قابل للاختراق، يستهدف سكان أوروبا «غير المؤهلين» للتحول إلى مواطنين أوروبيين، فقط لأنهم جاؤوا من أصقاع خارج المجال المسيحي، أو بسبب الأصل والمظهر أو العقيدة. لذلك يعتقد ايدوي بلينيل أنه لابد من الدفاع عن وجود «إسلام أوروبي»، عرفانا وإخلاصا لإرث أوروبي، تشكل عبر الزمن في اللغات والأديان والأصول، وحرية الأفراد وتسامح المجتمعات.

كاتب من المغرب

عبد اللطيف بن اموينة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية