لا يجد متابع نشرات الأخبار في اللغات الأوربية، وحتى في الفارسية والأرديّة والعبرية والتركية أي غلط نحوي أو لغوي. وكأن الغلط صار صفة مميزة لجيلنا العربي الذي هزم نفسه بنفسه.
لقد أخذ القوم أنفسَهم بإتقان لغاتهم، وأخضعوا من يتصدى لأداء نشرات الأخبار، وإدارة ندوات الحوار، لاختبارات عديدة لا تركّز على لون العدسات اللاصقة ولا على كحل العيون وإسبال الجفون. أما محررو الصحف فلا يكونون كذلك إلا بعد طريق (صعب وعسير سُلّمه).
فرنسا تفرض غرامات مالية على أية وسيلة إعلام تستعمل ألفاظا من لغة أخرى. وفي المملكة المتحدة يلتزم من يستخدم كلمة فرنسية أو ألمانية أو من أية لغة أخرى بأن يضعها بين قوسين () أو يكتبها بخط مائل، حتى إذا لم يفرض أحد عليه ذلك. (وللعلم فإن الإسرائيليين أوجدوا لهم لغة (عبرية) بعد أن اندثرت لغتهم الأصلية).
أما قومنا فقد ظنوا أنّ الغلط طرافة وربما لهم بهذا الغلط مآرب أخرى.
وقد شاء سوء طالعي أن أشاهد ندوة شعرية في فضائية عربية (من بطولة) اثنين من الشعراء صخّوا أسماع المتابعين بإنشاد كأنه (ناقور) يوم القيامة. ثم أعقب تلك (الوصلة الشعرية) حسب وصف مقدمة الندوة، حديث (النقاد) المليء بالأغاليط التي أكتفي بأن أذكر جانبا واحدا منها:
* قال أحدهم: (كِلا الشاعران أظهرا عبقريتهما)!
* فنغّم له الأخر: (ولا تنسى أن كِلا الشاعران رسما طريق جديد في الشعر)!
* فردح الثالث: (… كِلاهما غنيان عن التعريف)!
* مقدمة الندوة ابتسمت بإغراء وأسبلت جفنيها لا أدري دلالا أم حياء!
فأما إطلاق صفات العبقرية على الشاعرين فلا علاقة لنا به. فتلك ألسنتهم وهم أحرار يلعبون بها كيفما شاؤوا. ولكن الإساءة إلى لغة ليست ملكا خاصا بهم فمسألة تعنينا.
واتبعنِي:
(كِلا) للمثنَّى المذكّر، و(كِلتا) للمثنَّى المؤنث. ويجب أن يُعاملا معاملة خاصّة بموجب هذه النقاط:
1- هما إسمان مفردان، أي: لفظهما لفظ مفرد، بالرغم من دلالتهما على المثنَّى. فعليك أن تقول: كِلا الرجلين خرج، وكلتا المرأتين خرجت. فكأنّك قلت: خرج كِلا الرجلين وكِلتا المرأتين. ولا يهمّ أن يكون الخروج للعمل أم للتسكع على أرصفة المخازن الكبرى وسلالمها المتحركة.
وفي القرآن العزيز: (كِلتا الجنتين آتت أُكُلَها) ولم يقل: آتتا. وقال الشاعر:
كلانا ينادي يا نزار وبيننا
قناً من الخطيّ أو من قنا الهندِ
فقال: كلانا ينادي، لا (يناديان). ومراد الشاعر أنّ الحرب توقّدت بين أبناء قبيلة واحدة ذات جد واحد هو نزار. وتلك من مآسي الأيام وجشع بعض بنِي البشر المؤدي إلى الدمار والانهيار، أن يتقاتل مَن يجمعهم نسب أو انتماء إلى مجتمع واحد، أو عقيدة واحدة، أو فكر واحد. وربما استنجدا بمن يقضي عليهما معا. كما استنجد آخر أمراء البويهيين بأمير السلاجقة بالضدّ من أخيه، فقتل أخاه ثم قتله قائلا: هل رأيت رُخّا يدخل على رُخّ؟! (يريد ما يجري في لعبة الشطرنج).
2- إذا كان (كلا) و(كلتا) مضافين إلى ضمير فيعاملان معاملة المثنَّى رفعا ونصبا وجرا، فتقول: أنشد الشاعران كلاهما، وسخر الناس من الشاعرين كليهما. لأن (كِلا) و(كِلتا) يكوّنان كلمة واحدة مع الضمائر المضافة إليهما.
3- أما إذا أضيفا إلى الأسماء، وهي معرفة بطبيعة الحال، فيعاملان معاملة الاسم المقصور، أي تبقى الألف فيهما ثابتة لا تتغير. كما في قولك: سمعت كِلا الشاعرين يصرخ بالويل والثبور وعظائم الأمور! وهو صراخ طبيعي جدا فقد كان شعرُ الشاعرين كِليهما صراخا فحسب، لأنهما يعبّران عن جيل صوتيّ دخل بقوة إلى (موسوعة غينيس) للأصوات الصاخبة.
وقد وجّه أحد الظرفاء (نصّا) للشاعرين كِليهما والنقاد ومقدمة الندوة ظهر في أسفل شاشة (التلفاز) يقول فيه: (إن يُخرسكُم الله فلا مانعَ لدينا)!
باحث أكاديمي عراقي- لندن
هادي حسن حمودي