الاتجاه العام في وسائل الإعلام البريطانية والأجنبية هو التركيز على الجوانب السلبية والتخويف وخلق بعض المخاوف غير المبررة، التي تجعل بعض الذين صوتوا بالخروج يتشككون في قرارهم.
وقد قال بوريس جونسون، أحد قادة معسكر الخروج، إن الحكومة البريطانية الحالية برئاسة كاميرون لا تقوم بالدور المنوط بها بتسليط الضوء على الايجابيات، وهو ما يعد تقصيرا في الاستجابة لصوت الشعب الذي قرر الخروج من الاتحاد الاوروبي، وإن لم يكن كاميرون فعل ذلك.
سأتعرض في هذا المقال لأهم الايجابيات، لوضع الأمور في نصابها وتحقيق التوازن في طرح تلك القضية الخطيرة.
تتعدد البرامج التلفزيونية والاذاعية وصفحات الجرائد حول الخروج والمأساة التي تنتظر المملكة المتحدة، مثل خسارة السوق الاوروبية الموحدة وخسارة العمالة، ولاسيما في المجال الصحي وخروج كفاءات مالية ورؤوس أموال خارج بريطانيا وارتفاع مشاعر العنصرية ضد الاجانب. قد يكون ذلك صحيحا في الأمد القصير، ولكنه سيتغير في الأمدين المتوسط والطويل.
يتحدث مؤيدو البقاء عن أن مساهمات المهاجرين الاوروبيين أكبر من المساعدات الاجتماعية التي يتلقونها، ولكن لا توجد إحصاءات تؤكد ذلك، وكلها عينات لا يمكن الاعتماد عليها، إضافة إلى أن الممارسات العنصرية التي تم التأكد منها قليلة جدا وبالتالي يجب عدم تهويلها. كما ان عدم اليقين الذي اعقب التصويت بالخروج في الاسواق المالية قد عدل نفسه بعد عدة أيام.
إذا نظرنا إلى الإيجابيات التي يجب تسليط الضوء عليها فهي متعددة. ويمكن الاستفادة من الحديث عن تلك الايجابيات في المفاوضات مع الاتحاد الاوروبي الذي يتصور ان بريطانيا هي الخاسر الوحيد من الخروج وهو غير صحيح، فعلى سبيل المثال قال وزير خارجية بولندا، إن خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي هو خسارة لاوروبا ولبولندا. ستستمر الاوضاع على ما هي عليه بصورة ما حتى يتم تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، وبعد ذلك اتباع برنامج زمني لمدة عامين لفك الارتباط بين الجانبين.
تتلخص أهم الجوانب الإيجابية في التالي:
أولا: أن أوروبا بحاجة إلى بريطانيا مثلما تحتاج بريطانيا إلى أوروبا. وهناك بعض التصريحات من جانب بعض الاصوات في اوروبا التي أكدت على ان التجارة بين الجانبين ستتواصل بغض النظر عن خروج بريطانيا من الاتحاد، لان هناك مصالح مشتركة. ومن هنا فيمكن اعادة رسم شكل العلاقة ولكن المصلحة المشتركة موجودة داخل السوق الموحدة وخارجها.
ثانيا: إن موقع بريطانيا كمركز مالي عالمي لن يتأثر بالخروج لوجود عدة عوامل، مثل اللغة والكفاءات المالية التي لن تغادر بريطانيا كما يشاع، وكذلك القوانين والضمانات التي تعطي للمستثمرين الطمأنينة للعمل في بريطانيا.
ثالثا: يمكن إعادة ترتيب أوضاع الاوروبيين الذين يعملون في بريطانيا، وليس كما يشاع سيتم طردهم، بما يسمح باستمرار دوران العجلة الاقتصادية، ولكن الذين لا يعملون فقط ويعيشون على المساعدات يجب ارجاعهم الى بلدانهم.
رابعا: إن بريطانيا من أكبر ثلاثة مساهمين في ميزانية الاتحاد الاوروبي. على الجانب الاخر فان اليونان وبولندا والمجر هي اكبر ثلاث مستفيدات من مساعدات الاتحاد الاوروبي. وبالتالي الاموال التي تدفعها بريطانيا للاتحاد يمكن استخدامها في الداخل البريطاني على الصحة والتعليم وغيرها. وقد صرح احد اهم المرشحين لخلافة دافيد كاميرون وهو مايكل جوف بأنه سيوجه 100 مليون جنيه استراليني من تلك الاموال إلى قطاع الصحة بصورة أسبوعية.
خامسا: إن الخروج سيوفر لبريطانيا القدرة على السيطرة على حدودها وتنظيم عملية الهجرة بما يعكس الاحتياجات المحلية للعمالة، مثل نظام النقاط الذي تتبعه استراليا. إن حرية التنقل يجب ان يتم ضبطها ووضع قيود عليها لتحقيق نمو اقتصادي من جانب والحفاظ علي الأمن من جانب آخر. إن بريطانيا والذين صوتوا بالخروج ليسوا في غالبيتهم ضد الهجرة والمهاجرين ولكنهم مع تنظيم الهجرة والتحكم فيها وفق للحاجة.
سادسا: سيمكّن الخروج تحقيق الأمن بصورة أكبر. يمكن الاشارة الى ان مبدأ حرية التنقل وفقا لاتفاقية الشنغن بين 27 دولة اوروبية (بريطانيا ليست عضوا في تلك الاتفاقية) هو الذي مكن بعض الاسلاميين المتشددين من الهروب من فرنسا الى بلجيكا بعد ارتكابهم أعمالا ارهابية في باريس. ان غياب الحدود يسهل مهمة الارهابيين. يضاف الى ذلك أن هناك بعض المؤمنين بفكر تنظيم «داعش» اندسوا مع المهاجرين السوريين الذي تدفقوا على اوروبا، وقد يشكلون خطرا أمنيا شديدا عند حصولهم على الإقامات في تلك البلدان وحرية التنقل بينها. أكثر من ذلك يمكن التعاون والتنسيق الامني لمواجهة الارهاب بين الدول المختلفة غير الاعضاء في الاتحاد الاوروبي، لان المصلحة مشتركة. وتكفي الإشارة إلى تصريحات الرئيس الفرنسي فرانسو اولاند بأن الاتفاقية الامنية بين بريطانيا وفرنسا لن تتأثر بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
سابعا: تخفيف الضغط على المدارس والمستشفيات والمساكن والمواصلات: لقد تغير الشكل المعماري في بعض المناطق لاستيعاب الاعداد المتزايدة من المهاجرين. ومن هنا فالخروج سيوقف ويقلل من البناء المتسارع للعمارات الشاهقة. وسيوفر أماكن للمواطنين في المدارس وسيجعل الضغط على الخدمات الصحية أقل.
هناك أزمة حقيقية في المدارس والمستشفيات والمساكن والمواصلات، وإن كان المهاجرون ليسوا سببها، ولكنهم ساهموا في تفاقم الاوضاع بها لعدم مواكبة تلك الخدمات لأعداد أكبر من السكان.
ثامنا: يمكن لبريطانيا الاستفادة من منظمة التجارة العالمية وعمل شراكات تجارية مع دول أخرى، مثل الصين والهند ودول أفريقية وغيرها. وبالتالي هناك فرص لتنويع الشركاء التجاريين والتعويض عن خسائر السوق الاوروبية الموحدة، بل أن بعض الدول مثل الصين قد تجد من السهل عمل اتفاقيات تجارية مع بريطانيا بالمقارنة بالاتحاد الاوروبي.
هناك ملاحظة يجب الإشارة اليها هو أنه لا توجد إحصاءات كاملة حول مساهمات المهاجرين الاوروبيين مقارنة بالمساعدات الاجتماعية التي يتلقونها. ولا توجد احصاءات متكاملة عن اوضاع البريطانيين في دول الاتحاد الاوروبي، وإن كانوا يستفيدون من نظام رعاية اجتماعية مثلما يتمتع به الاوروبيون في بريطانيا.
وادعو المسؤولين إلى اعادة هيكلة نظام المساعدات الاجتماعية بشكل جذري حتى تقل جاذبية بريطانيا لمحترفي استغلال هذا النظام غير العادل الذي يشجع على عدم العمل. كما يجب النظر الى المهاجرين غير الاوروبيين الذين ينتهكون القوانين مثل تعدد الزوجات. كما يجب إعادة النظرة في عدد الاطفال الذين تقدم لهم مساعدات، لأن بعض العائلات تستغل ذلك بزيادة عدد الاطفال فيحصلون على مساكن اكبر ومساعدات اكثر. يجب توقيف مساعدات الاطفال بعد الطفل الثاني ومن يريد ان يكون لديه اكثر من طفلين يتكفل بهم من كل النواحي التعليمية والصحية وغيرها.
في النهاية أود أن أقول إن التخويف غير مقبول اذا لم يتم توازنه بعرض الايجابيات. كما ان الدعوات والمظاهرات لاجراء استفتاء ثان هو ضد قواعد العمل الديمقراطي، لان الشعب قال كلمته. ولكن يجب التعامل مع فريق البقاء لانه فريق مهم والتعامل مع مخاوفهم من خلال عرض الايجابيات من الخروج من تلك المنظمة البيروقراطية التي يتمتع موظفوها بمزايا لا يتمتع بها مواطنو الدول الذين يدفعون مرتباتهم.
٭ كاتب مصري
د. سعيد جوهر