إيديولوجيا الإرهاب

حجم الخط
0

في الايام التي أعقبت الهجوم الإرهابي في باريس يتوحد المجتمع الدولي تحت الراية المريحة والمتفق عليها لمحاربة الإرهاب العالمي. إبداء الزعزعة من الفظاعة في نادي بات كلين هو شيء مشترك للجميع من موسكو حتى لندن ومن دمشق حتى نيويورك.
لكن الحقيقة المستبعدة في الاستنكار العام للعنف، المقبول على الجميع، هي أن الإرهاب هو أداة تخدم هدف. مثلما أن بندقية الكلاشينكوف هي أداة، استُخدم الإرهاب بقوة كهذه في باريس يوم الجمعة الاخير وفي نيويورك قبل 14 سنة على خلفية صلة معينة ـ الالتصاق بالايديولوجيا، التطرف. وفي الحالتين مثل باقي اعمال الإرهاب في العالم في العقدين الاخيرين، ينبع الإرهاب من ايديولوجيا إسلامية متطرفة. هذا موقف ديني وسياسي يدير ما يعتبره حربا مقدسة ضد الاعداء، والإرهاب هو الأداة الاكثر بروزا في هذه الحرب.
في إسرائيل كما هو حاصل منذ عشرات السنين، اندلع فورا الجدل بين السياسيين واصحاب الاقلام من اليمين واليسار، حيث إن كل حدث يستخدمه الاطراف كدليل قاطع آخر للصحة المطلقة بخصوص الجدل حول الاحتلال.
هؤلاء يقولون إن جميع المسلمين متشابهون وإنهم جميعا أعلنوا الحرب على الديمقراطية الغربية وتشمل إسرائيل، واولئك يقدمون التفسيرات حول الفرق بين الإرهاب الذي له دوافع شرعية وبين الإرهاب الذي دوافعه ممنوعة، وفي نفس الفرصة يقدمون مبررا غير مباشر ومتذاكي للعمليات ضد اليهود في المناطق.
فعليا يدير الفلسطينيون صراعا طويلا من اجل التحرر الوطني ضد إسرائيل. لكن لا يمكن التغاضي عن أن هذا الصراع له بُعد ديني ايديولوجي بارز آخذ في الاتساع كلما استمر الصراع وتصاعد. البُعد الديني بارز في عملية الكنيس في هار نوف قبل سنة حيث قتل يهود بالسكاكين والبلطات اثناء تأدية صلاة الصباح، ايضا سلسلة العمليات طويلة منذ بداية تشرين الاول وهي ايضا تتأثر إلى حد كبير بأفلام «داعش» التي يظهر فيها قتل ممنهج للكفار بأدوات مشابهة.
هذه الخلفية تحرج إلى مستوى معين الفلسطينيين حيث انضمت الوحدتين السياسيتين في الضفة وغزة إلى موجة التنديد الإعلامية لعمليات باريس. بعد مرور سنة تقريبا على الانتفاضة الثانية واجه عرفات مشكلة مشابهة على خلفية عمليات 11 ايلول في 2001 في الولايات المتحدة. عرفات خفض اللهب عدة ايام لكن العمليات استمرت. ووريثه محمود عباس، بخلافه، لا يؤيد الإرهاب ومن شأنه أن يضطر الآن إلى كبح المخربين خشية من التشابه بين الفلسطينيين وبين «داعش». والدعاية الإسرائيلية ستحاول استغلال ذلك إلى أبعد مدى.
الدعاية الفلسطينية لا تتوقف عند الضوء الاحمر. ففي مقال في صحيفة «الحياة الجديدة» التابعة للسلطة الفلسطينية كتب أمس وكأن الموساد الإسرائيلي الذي هو مسؤول عن العمليات الاخيرة في باريس وبيروت، وأن نتنياهو هو المسؤول (حسب تقرير موقع «نظرة للصحافة الفلسطينية»). في المناطق كان في السابق من يروجون للنظرية القائلة إن الموساد هو الذي فجر ابراج التوائم.
في اوروبا يتشاور قادة بريطانيا والمانيا بشكل متسارع، أما فرنسا وبلجيكا فتقومان بملاحقة عضو الخلية الذي كما يبدو نجح في الهرب. إلى جانب التردد حول الخطوات المطلوبة الآن فان هؤلاء القادة قلقون من الناحية السياسية.
اذا كانت موجات اللاجئين من الشرق الاوسط في الصيف الماضي قد أشارت إلى زيادة التوجه نحو اليمين في الرأي العام في الدول الاوروبية، فان العمليات في باريس قد حولت ذلك إلى سيناريو واقعي. ومن المعقول أن منطق «ليس في الساحة الخلفية لي» الذي عكسه المصوتون خلال سنوات، سيحظى بمزيد من الشعبية في معاملة المهاجرين. مئات آلاف اللاجئين من الشرق الاوسط وافريقيا تم استيعابهم في الاشهر الاخيرة في اوروبا ومن المشكوك فيه أن تحظى موجات الهجرة القادمة بمعاملة مشابهة.
القائد الاكثر تعرضا للضغط هو الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند. اضافة إلى ملاحقة الإرهابيين، يمكن أن يتخذ هولاند خطوات هجومية. وقد يرسل طائرات سلاح الجو من اجل القصف الشديد كما يفعل الروس لعاصمة الخلافة لـ«داعش»، مدينة الرقة في شمال شرق سوريا.
وكالعادة فان الخطوات التي تتخذها القوى العظمى مكلفة أكثر من خطوات الإرهابيين. لقد استثمر «داعش» في الاشهر الاخيرة في تخطيط الهجوم في باريس، لكن هذه العملية كلها لم تكلف التنظيم أكثر من عشرات آلاف اليوروهات. فرنسا ستحرك الآن حاملة الطائرات والطائرات القتالية بتكاليف تبلغ الملايين، لكن مشكوك فيه أن تستطيع تحقيق نتائج قاتلة مثل تلك التي يحققها «داعش» أو أن تحقق انجازا بعيد المدى في الصراع ضد الإرهاب.
في الشهر الماضي اثناء لقاء غير رسمي بين دبلوماسيين وخبراء ورجال أمن من فرنسا وإسرائيل، أبدى الفرنسيون خشية من هجوم إرهابي آخر على اراضيهم، بعد العمليات في مبنى صحيفة «شارلي إبدو» والسوبرماركت في باريس في كانون الثاني. نقطة الخطر الأكبر بالنسبة لهم كانت اولئك المواطنين المهاجرين المسلمين الذين مروا بعملية راديكالية على خلفية الحرب الاهلية في سوريا. وأضافوا أن المعلومات التي لديهم حول منظمات الإرهاب التي تعمل عندهم هي جزئية، وعلى نفس المنوال استمروا في الدفاع عن سياسة استيعاب اللاجئين التي تقوم بها حكومتهم. عمليات صعبة اضافية في فرنسا، كما اعترفوا، هي فقط مسألة وقت. «نحن قررنا التدخل في الشرق الاوسط. ولن ننجح في منع مشاكله من ملاحقتنا حتى ساحتنا البيتية».

هآرتس 16/11/2015

عاموس هرئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية