لندن – «القدس العربي»: لم يكن التقارب الإيراني ـ الخليجي مؤخرا مفاجئاً للعديد من المراقبين في منطقة الخليج، خاصة عقب رسائل «الغزل» التي دارت بين طهران والرياض عن طريق توجيه دعوتين من الخارجية السعودية لوزير الخارجية الإيرانية جواد ظريف.
وجاءت زيارة أمير الكويت الأخيرة الى طهران لتتوج هذا التقارب خاصة وان الأمير حمل العديد من الرسائل في جعبته للحكومة الإيرانية من الرياض، الا ان الأزمات التي تمر بها دول في المنطقة خاصة سوريا والتي تعتبرها ايران «خطاً احمر»، وضعت هذه الزيارة في اطار العلاقات العامة.
ويرى ايرانيون مقربون من الحكومة ان القضايا الإقليمية العالقة يجب مناقشتها مع السعودية باعتبار ان طهران والرياض دولتان لهما ثقل في الإقليم.
وقال عماد ابشيناس رئيس تحرير صحيفة «ايران برس» لـ «القدس العربي» ان «المسؤولين الايرانيين يريدون حل جميع المشاكل العالقة مع السعودية لأن ايران حاليا توصلت لحل خلافتها مع قطر وبالنسبة لعُمان والكويت ليست هناك اي خلافات اما البحرين فان حل هذا الخلاف سيكون من مصلحة المنطقة وأمنها ولن يتم الا عبر السعودية، بالاضافة الى ان هناك علاقات جيدة بين طهران والرياض حتى على المستوى غير الرسمي».
واضاف ان»حل الخلافات مع السعودية سيرفع الضغوط الإقتصادية والسياسية عن ايران، اما ما يخص البحرين فان ايران لا تتدخل في شأنها، لكن بالنسبة لسوريا فطهران تعتبرها خطا أحمر والعائق الموجود حاليا بين ايران والسعودية بشأن الموقف من الأزمة في سوريا هو ان الرياض تعتبر الأزمة في دمشق لم تحل بعد، على عكس ما تؤمن به طهران. وانا شخصيا التقيت دبلوماسيين اوروبيين يعتقدون ان الأزمة السورية قد تم حلها ولا يريدون عودة مئات الجهاديين الى اوروبا من سوريا لكن السعودية لا تقبل هذه النهاية».
وحول الزيارة المقررة لوزير الخارجية الإيراني للرياض قال ابشيناس «في آخر مقابلة للمتحدث الرسمي باسم الخارجية الإيرانية أمير عبد اللهيان مع صحيفة «المونيتر» قال ان هناك دعوتين وجهتا لوزير الخارجية ظريف، دعوة خاصة لزيارة الرياض والثانية عامة وتشمل جميع وزراء خارجية الدول الإسلامية، ولكن الإعلام تلاعب بهذا الموضوع، واعتقد شخصيا ان وزير الخارجية الإيراني لا يريد الذهاب الى الرياض في دعوة عامة ولكنه يريد ان تكون الزيارة خاصة حتى يتطرق الى جميع الامور العالقة مع الرياض».
ويرى مهتمون بالشأن الإيراني ان المحللين السياسيين في العالم العربي ينظرون الى ايران الرسمية ككتلة واحدة، فيما الأمر في طهران يدار بشكل مختلف حيث تتوزع الادوار بين التيارين المسيطرين على مقاليد الحكم، هناك المحافظون والاصلاحيون، اضافة الى الحرس الثوري الايراني الذي تصدر من قادته بعض الاحيان تصريحات تشعل الخلاف بين دول المنطقة وخاصة دول الخليج. ويقول ابشيناس: «بالنسبة لتصريحات الحرس الثوري الايراني او الجيش فأنهم قبل كل مناورة يقومون بها في الخليج فانهم يعلنون صراحة بأن هذه المناورات رسالة صلح للجيران ويجب على السعودية ان تقبل ان ايران لها امتداد جيواستراتيجي بالمنطقة كذلك السعودية ومصر وتركيا، ولا يستطيع اي طرف ان يحسم الأمر ويخرج الطرف الآخر من المعادلة الاقليمية، ويجب على دول المنطقة ان تتعايش مع هذا النفوذ وتتعاون والا لا يمكن ان نعيش بسلام في المنطقة».
ويضيف: «ايران والسعودية من أكبر دول المنطقة وبالطبع هناك في ايران مجموعات ترفض تحسن العلاقة بين البلدين، كذلك في الرياض هناك صقور وحمائم، لكن الآن نحن في ظرف يجعل المجموعات التي تريد حل الأمور في الكفة الراجحة واغلب الحمائم الآن في ايران هم في المناصب التنفيذية للدولة، كما ان الملك عبدالله بن عبد العزيز هو من اكبر المتحمسين لحل الخلافات مع ايران، وكذلك هناك العديد من الأمراء في السعودية لا يريدون حلحلة الامور، لكن يجب ان نصل الى خط وسط بين الطرفين وعلى الجانبين السعودي والإيراني ان يقدما تنازلات».
وحول موقف امريكا من التقارب السعودي الإيراني قال ابشيناس: «أمريكا لا تريد ان يكون هناك تقارب سعودي ـ ايراني بل ترغب ان تستمر العداوة حتى تبقى المنطقة مشتعلة وتستمر في استغلال الدول العربية عبر بيعها الأسلحة واستنفاد ثرواتها، فلو لم يكن هناك صراع لن يكون هناك بيع اسلحة من قبل واشنطن، وايران أكدت أكثر من مرة انه يجب ان تكون هناك اتفاقات أمنية مع دول الجوار. ولكن الجزر المتنازع عليها تعتبرها طهران ايرانية وليست قابلة للبحث او التنازل».
وحول مدى جدية الرئاسة الايرانية الحالية في انهاء الخلافات مع الدول العربية قال حسين رويوران الاستاذ في كلية الدراسات الاستراتيجية في جامعة طهران لـ «القدس العربي» ان «منذ وصول السيد حسن روحاني الى سدة الحكم قبل 19 شهراً كانت هذه هي النقطة الفاصلة في السياسة الخارجية الإيرانية، واراد انهاء جميع الخلافات الخارجية، خاصة عقب حكم أحمدي نجاد الذي كان يعتبر منغلقا على مستوى السياسة الخارجية مع دول الجوار، واعلن روحاني ان مبدأه في السياسة الخارجية هو احترام هواجس الآخر حتى ولو لم تكن مشروعة، ودخل في محادثات مع امريكا حول المشروع النووي الإيراني، ولم يكن يؤمن باستفزاز الآخر بل كسبه، ومنذ وصوله الى سدة الحكم بنى سياسته الخارجية على هذا الأساس. واضاف ان هناك تعدداً في مراكز القرار في ايران خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، وهذا يطرح سؤالاً عن مدى صلاحيات روحاني في ادارة هذه الملفات، لكن الاجابة على هذا السؤال تكمن في ان روحاني طالب المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية علي خامنئي منذ توليه رئاسة الجمهورية بأكبر قدر من الصلاحيات. وتم اعطاء روحاني كل ما طلب، والا ما كان بدأ حوارا جادا مع واشنطن حول الملف النووي الايراني».
وحول مدى تأثير الحرس الثوري على قرارات الرئيس الإيراني روحاني قال: «بعد شهرين من وصول روحاني الى الرئاسة أعلن ان على الحرس الثوري ان لا يتدخل في السياسة الخارجية ولا الاقتصاد وان يبقى في الاطار المحدود له وهو الدفاع، واعلن ان الجميع لهم وجهات نظر ولكن الملفات الخلافية يجب ان تتولاها الدولة، ولم اسمع ان هناك رئيس جمهورية ايراني تحدث الى الحرس الجمهوري ضمن هذا الإطار، وهو ما يوضح انه يمتلك ضوءاً أخضر لإدارة الملفات الخلافية، وأثبت جدارة بالدفاع عن مصالح ايران ولم يتنازل عن حقوقها الثابتة وهذا جعله يمتلك شرعية في الشارع الإيراني».
احمد المصري