إيران بعد الاتفاقية النووية: هيمنة كاملة على المنطقة تدفع العرب إلى أحضان إسرائيل

نيويورك – «القدس العربي»: معالم شرق أوسط جديد تكتب هذه الأيام. تحالفات جديدة تنسج وقديمة تنهار. إصطفاف عربي إسرائيلي تقابله دولة إيران القوية المتماسكة التي لا تسعى إلى تهديد إسرائيل أو الغرب بل إلى أن تكون القوة المركزية الأولى في المنطقة بحيث تفرض إرادتها على دول الخليج خاصة والمجموعة العربية عامة. دولة ستحتل مرتبة متقدمة في الاقتصاد العالمي بعد رفع العقوبات وإعادة قيمة الريال وإنتعاش الاقتصاد. دولة مستقرة ذات نظام قوي وقاس لا يرحم من يعارضه. دولة لها وجهان يبدوان متناقضين لكنهما يؤديان نفس الغرض- الوجه الديمقراطي والوجه الثيوقراطي- يتكامل الوجهان في تشكيل نظام فريد من نوعه في العالم ممثلا في دولة قوية ومستقرة وطموحة: فإذا بحثت عن الوجه الديمقراطي تجده في الانتخابات والبرلمان وتبدل الأيدي في الرئاسة والمناصب الأخرى وإذا بحثت عن الجانب الديني فهو موجود وثابت وهو صاحب الكلمة الأخيرة عند الاختلاف مع الديمقراطي. البراغماتية تحاور وتتفق وتمد الجسور مع الغرب وتهادن إسرائيل وتهدد العرب والثيولوجيا تتكلم عن تدمير إسرائيل ومبادئ الإسلام ونشر الثورة الإسلامية.
البراغماتية تسيطر على عواصم عربية أربع والثيولوجيا تتحدث عن الإسلام ومبادئ التسامح والتعاون بين الأديان وحوار الحضارات وفتاوى تحريم الأسلحة النووية. على العرب أن يستعدوا من الآن لإيران المقبلة بعد التخلص من قيود العقوبات والانفتاح على الغرب واستقرار النظام وابتعاد شبح التهديديات وتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة وتسابق الشركات الأوروبية للاستثمار. سيندم أولئك الذين تآمروا على العراق ثلاث مرات: يوم أن دفعوه ليدخل حرب الثماني سنوات مع إيران ويوم جروه إلى مصيدة الكويت عام 1990 واستقبلوا قوات «عملية عاصفة الصحراء» التي دمرت البنى التحتية في العراق وفصلت الشمال الكردي، ويوم ساهموا في إحتلال العراق عام 2003 والذي أطلق الغول الطائفي الذي نكتوي بنيرانه الآن.
من المستفيد؟
بعد شهور من المفاوضات العسيرة توصل الإيرانيون ومجموعة الخمسة + واحد إلى تفاهم حول المبادئ الإطارية التي ستترجم إلى إتفاقية شاملة يوم 30 حزيران/يونيو المقبل توقف بشكل تدريجي وتراكمي برنامج إيران النووي وتفتح منشآته لتفتيش أكثر حزما مقابل رفع العقوبات تدريجيا وإعادة تأهيل إيران كعضو فاعل في المجتمع الدولي بعد سنوات العزلة والشيطنة والحروب العلنية والسرية والاغتيالات والانفجارات الغامضة والاقتصاد المترنح والريال الضعيف. لقد أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعد التوصل للاتفاق المبدئي في لوزان يوم الأربعاء الفائت: «إنه إتفاق جيد. إتفاق يلبي أهدافنا الأساسية. سيجعل من بلدنا ومن حلفائنا والعالم أكثر أمنا». من الواضح أن هذه الاتفاقية قد أنهت أي إمكانية لإنشاء قوة نووية إيرانية على فرض أن هناك نوايا لإنشائها. وكثير من الكتاب والمحللين مقتنعون بأن فكرة الأسلحة النووية ما هي إلا تكتيكا ذكيا للحصول على تنازلات غربية والاعتراف بمركزية الدور الإيراني في الشرق الأوسط. ولعل الجعجعة الإسرائيلية حول قدرات إيران النووية وإمكانية تطوير أسلحة نووية عبارة عن وسيلة ذكية لتغييب القضية الفلسطينية وتهميشها تماما والدفع بالعرب للجلوس في أحضان إسرائيل على أنها الحليف الجديد لهم بعد أن غدرت بهم الإدارة الأمريكية وباعتهم من أجل التوصل للاتفاق مع إيران.
إيران كسبت الكثير من هذه الاتفاقية معنويا وماديا. فقد أثبتت خلال سنوات المفاوضات أنها مفاوض صلب لا يتنازل بسهولة عن أي من المبادئ المتعلقة بسيادته وخطوطه الحمراء. قدمت إيران من التنازلات ما يمكن تقديمه دون المساس بجوهر السيادة والكرامة الوطنيتين. لقد إلتزم المفاوض الإيراني بخطوط المرشد علي خامئني الحمراء التي حددها في تموز/يوليو من عام 2013 وهي : لن يتم إغلاق أي منشأة نووية ولن يتم الوقف الشامل للأنشطة النووية وستستمر إيران إنتاج ما تحتاجه من الطاقة النووية لأغراضها السلمية. لقد كفلت هذه الاتفاقية إلى حد كبير تلك الخطوط الحمر. إحتفظت إيران بالقدرة على الاستمرار في تخصيب اليورانيوم بطريقة بطيئة وبنسبة لا تثير الشكوك الخارجية لمدة 10 سنوات حسب الرواية الإيرانية و 15 سنة حسب الرواية الغربية، مقابل رفع العقوبات المطبقة على إيران من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة فورا بمجرد التوقيع حسب الرواية الإيرانية وهو ما يناقض الرواية الغربية التي تتحدث عن رفع تدريجي للعقوبات وبطريقة مرتبطة بوفاء إيران بالاتزاماتها. لكن من المؤكد أن إيران ستزيد من إنتاجها للنفط وستضخ مزيدا منه في الأسواق العالمية مما سيحسن وضعها الاقتصادي وهو ما سيؤثر سلبا على الاقتصادين الروسي والسعودي وعلى أسعار النفط في الأسواق العالمية بشكل عام. أضف إلى ذلك ما ستوفره إيران من تكاليف باهظة عند وقف تخصيب اليورانيوم وبيع بعض المرافق التي ستفككها في الأسواق العالمية.
لقد رفضت إيران أن تربط موضوع الاتفاقية بأي مسألة إقليمية أخرى مثل دعم النظام السوري أو حزب الله وحركة حماس أو الحوثيين في اليمن. موضوع الاتفاقية محصور في القضية النووية فقط. وهذا ما تم بالفعل.

إعادة التأهيل
العالم الآن مشغول بقضية الإرهاب التي تمثله الجماعات التي صنفت نفسها بأنها تنتمي للمذهب السني مثل الدولة والنصرة والقاعدة وبوكو حرام في نيجيريا والشباب في الصومال وأنصار الشريعة في ليبيا واليمن وأنصار بيت المقدس في سيناء وغيرها الكثير. لقد شكلت الحرب على تنظيم الدولة فرصة تاريخية لإعادة تأهيل إيران وترطيب الأجواء بينها وبين الدول الغربية إذ تأكد للولايات المتحدة أن هزيمة التنظيم لا يمكن أن تنجز إلا إذا لعبت إيران دورا رئيسيا في الحرب الأرضية. الولايات المتحدة تعرف أن هزيمة التنظيم من الجو غير ممكنة وأن القوات البرية لا بد منها عاجلا أو آجلا وتعرف كذلك أن الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي الطائفية ومعهما قوات البيشمركة الكردية غير قادرة على هزيمة التنظيم لوحدها، إذن لا بديل عن الدور الإيراني. فمن أجل هذه المواجهة دخلت إيران الحرب ضد تنظيم الدولة إلى جانب دول التحالف بقيادة الولايات المتحدة دون أن تكون جزءا من التحالف لكن التنسيق بين التحالف وإيران عن طريق العراق مستمر من خلال غرفة العمليات التي يقودها المستشارون الأمريكيون. وقد شوهد قاسم سليماني على مشارف تكريت ليثبت حقيقة الدور الإيراني في تحرير المناطق التي تسيطر عليها الدولة وهو ما يجري الآن تدريجيا.
لقد شملت إعادة تأهيل إيران مجموعة من التغييرات السياسية العميقة في تناول ملفات المنطقة. فقد عادت الولايات المتحدة وغضت الطرف عن الدور الإيراني في دعم النظام السوري وتراجعت عن سياستها السابقة حيال نظام بشار الأسد الذي وصفه الرئيس باراك أوباما في بدايات الأزمة بأن «أيامه معدودة» وعاد ليعلن جون كيري مؤخرا أن النظام «جزء من الحل». كان النظام الإيراني يدرك أن بقاء النظام السوري أمر إستراتيجي بالنسبة للأمن القومي الإيراني وإذا تم إسقاط الجبهة السورية فالبديل لا يمكن إلا أن يكون مسلما سنيا، مما سينعكس على أوضاع العراق وتصبح الطريق سالكة إلى عمق الجبهة الداخلية لإيران. ولذلك لم يعد سرا أن إيران دفعت بنحو عشرة آلاف مقاتل من الحرس الثوري إلى سوريا بحجة حماية الأماكن المقدسة مثل مقام السيدة زينب في دمشق مسنودة بـ»عصائب أهل الحق» و»كتائب أبو الفضل العباس» العراقيتين. كما دخل حزب الله بإيعاز من إيران الحرب في سوريا إبتداء من نيسان/أبريل 2012 واستطاع أن يعيد السيطرة على العديد من المناطق المهمة التي كانت قد وقعت بأيدي المعارضات المسلحة. لقد تعاظم الدور الإيراني في سوريا ولبنان على حساب الدور السعودي الذي وجد نفسه ضعيفا ومشتتا وفي تراجع متواصل.
لقد بلعت الولايات المتحدة الدور الإيراني في كل من العراق وسوريا وأصبح التعامل مع القضايا الشائكة في المنطقة يمر من البوابة الإيرانية والتي أثبتت جدارتها بما تملكه من إمكانيات وقدرات على المناورة والخداع واستخدام العنف المفرط أو تحريك الميليشيات الموالية المدعومة بالحرس الثوري إذا لزم الأمر.

المواجهة في اليمن
المشهد الآن في اليمن ينبئ بحرب طويلة مدمرة وقد لا تحسم في سنة أو سنتين إذا إستمرت الوتيرة الحالية بحيث يكون الاصطفاف بين الجماعة الحوثية مدعومة من إيران مقابل تحالفات سنية قبلية مدعومة من دول مجلس التعاون الخليجي ماديا وعسكريا إضافة إلى العمليات الجوية التي تشنها قوات التحالف العشري من خلال عملية «عاصفة الحزم». ومع أول غارة قام بها تجمع الدول العشر يوم الخميس 26 آذار/مارس تكون السعودية قد إختارت المواجهة المسلحة مع المجموعات الطائفية المدعومة من إيران. لكن الحروب لا تحسم من الجو وقد يجد هذا التحالف نفسه في وضع صعب إذا حقق الحوثيون تقدما نحو عدن فيضطر إلى الدفع بقوات برية لحسم المعركة. وإذا تم ذلك بالفعل فكيف سيكون رد الفعل الإيراني؟ إيران لن تتهور بمغامرة أرضية أو تدخل جوي مباشر. من الأرجح أن تبقى إيران تلعب دورا من وراء الستار بتسهيل وصول آلاف المتطوعين الشيعة من العراق وسوريا ولبنان إلى اليمن من جهة ومن جهة أخرى تستمر في تفريغ حمولات سفن الأسلحة في الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون. وفي الوقت نفسه تستمر في شجب الحرب والتدخل الخارجي في اليمن ودعوة الأطراف اليمنية إلى طاولة المفاوضات. إن أي تدخل إيراني مباشر قد يعرض الاتفاقية النووية للخطر وخاصة أن مجموعة الدول الأوروبية حذرت على لسان وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، من أن تصرف إيران في القضايا الإقليمية سيبقى موضع المراقبة الشديدة. فبعد إبعاد شبح النزاع حول برنامج إيران النووي وتطبيع العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة لا نعتقد أن إيران ستغامر بتعريض تلك العلاقات المربحة للخطر.
إن قرار الجامعة العربية بتشكيل قوة مشتركة لمواجهة التمدد الإيراني خطوة متأخرة وتشير إلى ارتباك ويأس وتسرع ولم تقنع الجماهير العربية العريضة التي شاهدت إفلاس النظام العربي في مواجهة إسرائيل والحروب على العراق والتآمر على الثورات العربية الواحدة بعد الأخرى. فكيف يقتنع أبناء العروبة بمثل هذه الخطوة التي أنجزت على عجل كرد فعل على إقتراب الحوثيين من حسم المعركة في اليمن أمام تراخٍ دولي ولامبالاة أمريكية؟
إن أفضل خطوة تقوم بها هذه الدول هي تمتين جبهاتها الداخلية بالانفتاح على جميع مكونات الشعب وتعزيز المواطنة المتساوية وتوسيع دائرة الامتيازات لتشمل الجميع بدل التهميش والعزل والإقصاء والاستئثار بالسلطة. عندها لا تجد إيران من تستند عليهم من الداخل الذين يرحبون بالتدخل الخارجي هربا من الظلم الداخلي.من جهة أخرى نود أن نحذر هذا التجمع أن أي تقارب مع إسرائيل سيفقد هذا التحالف أي شرعية أو تعاطف في الشارع العربي. فاذا كان للجماهير العربية أن تختار بين إيران وإسرائيل فلا نشك أين سيقع الاختيار. الحل إذن لا يكون بالهروب من رمضاء إيران إلى نار إسرائيل على حساب قضية فلسطين بل بتكوين رافعة وطنية عربية حقيقية مستندة إلى الجماهير العربية العريضة تقف ندا للقوتين اللتين تتقاسمان النفوذ حاليا إسرائيل وإيران.

عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية