إيران: خطاب «مغاير» للرئيس روحاني

أخيراً، وبعد أسابيع من التحضير والإعداد، ألقى الرئيس الإيراني حسن روحاني خطاب تنصيبه لحقبة رئاسية جديدة.
أهمية الخطاب لم تكن تكمن فقط في المناسبة، التي هي مهمة بلا شك، حيث جرت العادة أن تلقي الكلمات الافتتاحية الضوء على مشروع الرئيس وأولوياته خلال أعوام حكمه المقبلة، بل اكتسب الخطاب أهمية مضافة بفعل الظرف الزماني الذي حمل الكثير من المتغيرات، التي من أبرزها أن إيران لم تعد مدللة من قبل الإدارة الأمريكية، كما كانت في عهد أوباما وأفراد فريقه من الذين كانوا يراهنون على توقيع الاتفاق بأي شكل ومهما كانت النتائج. لم تعد إيران كذلك، بل صارت مهددة من قبل رئيس لا يرى في هذا الاتفاق إلا «غباءه» و»فظاعته».
الانفتاح الذي ساد خلال أيام الرئيس روحاني الأولى سرعان ما انطفأ. ولم تعد العبارات الدبلوماسية والابتسامات اللطيفة للقادة الإيرانيين مقنعة، مع وجود ذلك التناقض بينها وبين الممارسات على الأرض. على سبيل المثال، وبخلاف الدعم المعلن للجماعات المسلحة والميليشيات في أكثر من مكان، فإن النظام الإيراني لم يتوقف عن تجريب أسلحته الباليستية، وهو أمر ينتهك بشكل صريح قرارات مجلس الأمن الدولي. آخر التجارب المثيرة للجدل كان في السابع والعشرين من يوليو الماضي. كان صاروخاً باليستياً حمل اسم طائر أسطوري فارسي «سيمرغ».
أوروبياً، تتابع الدول التي استفادت من فتح الأسواق الإيرانية لحركة التصدير والاستيراد، أعمالها التجارية من دون الكثير من التعليقات السياسية، خصوصاً على الموقف الأمريكي الحاد، وهو موقف أضعف بكثير مما كان ينتظره حكام طهران الذين ظنوا أن فتح الباب على مصراعيه للشراكة مع أوروبا قد يوفر لهم غطاء سياسياً يمكن الاستناد إليه. أما على صعيد الولايات المتحدة فقد تحولت الإدارة هناك، التي كان يفترض أن تأخذ وضع الشريك الأهم، لأكبر مشكّك في جدوى هذا الاتفاق، لدرجة وصلت حد المطالبة بنقضه.
خطاب التنصيب يعتبر من الخطابات المزدوجة التي تتوجه للجمهور في الداخل وللمتابعين في الخارج في الوقت ذاته. في الأحوال العادية تقتضي الحكمة أن يخرج الخطاب متوازناً بين مخاطبة التطلعات الداخلية، عبر بث روح التفاؤل الشعبي والتأكيد على مميزات سياسة الانفتاح من ناحية، ومحاولة إقناع الخارج بسلمية البلاد وأن مشاريعها، بما فيها المشروع النووي نفسه، إنما تهدف لاستخدام التكنولوجيات الحديثة، في سبيل التطور والمدنية من ناحية أخرى. لكن مثل هذا الخطاب «اللطيف» لم يكن ممكناً، حيث كان الرئيس يواجه احتقاناً داخلياً كبيراً وصدمة وسط الكثير من شرائح المجتمع، من الذين كانوا ينتظرون تغييراً اقتصادياً ملموساً وسريعاً يؤثر بشكل مباشر على سوق العمل والوظائف ومعدلات التضخم.
لم يكن بإمكان روحاني تجاهل هذا الاحتقان، خاصة مع إدراكه أن بعضاً من مظاهره كانت تأتي بفعل تحريض ممنهج لبعض الجهات الداخلية المتضررة من هذا الاتفاق، التي تعتبر أن هذه العلاقة الجديدة مع الغرب لن تتمكن من النجاح وبلوغ النهايات إلا على حساب مصالحها ومكتسباتها السياسية والاقتصادية. هذه الجهات وأبرزها مؤسسة «الحرس الثوري» سارعت للاستفادة من التهديدات والعقوبات الأمريكية، من أجل الترويج لفكرة أن الانقتاح على الغرب وهم، وأن المتحمسين له سوف يعمدون إلى تقديم تنازلات قد تضر بالأمن القومي، بل قد تؤدي إلى تلاشي الدولة.
هذا هو السر وراء ما تم وصفه من قبل بعض المحللين بأنه «تغير» في خطاب الرئيس، الذي بدا وهو يستخدم عبارات وإشارات راديكالية أقرب لمعسكر التشدد من معسكر «الاعتدال». روحاني، الذي كان يعتبر أبرز وجوه معسكر الاعتدال، وبدلاً من أن يواجه الأسباب الحقيقية التي جعلت الاقتصاد الإيراني يخفق في الاستفادة من مكتسبات الاتفاق النووي، عمد إلى تعليق كل شيء على مشجب الغرب والامبريالية المتآمرة على إيران. استخدم روحاني بنجاح تكنيك قطع الطريق على المتشددين، عبر اختطاف خطابهم، وهو يؤكد أن الاتفاق إنما تم بتوجيه من المرشد، الذي كان يتابع كل شيء منذ البداية. هذا الأمر بالتحديد ينسف بشكل تام الرؤية الخيالية لدى البعض، التي تعتبر أن الرئيس والمرشد إنما يمثلان مقاربتين مختلفتين. في هذا الخطاب ينسف الرئيس المعتدل كل ذلك، مؤكداً على أنه إنما يسير على هدى الولي الفقيه. كانت هذه اللفتة مهمة جداً داخلياً وناجحة في إرسال رسالة مفادها أن محاولة الوقيعة بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسات القيادة الروحية غير ممكنة.
هذا «الاختطاف» الذي قام به الرئيس روحاني، والذي استفاد منه بالفعل ولقي على إثره الكثير من الترحيب على الصعيد الداخلي، كانت له محاذير مهمة، وآثار ربما تظهر خلال الفترة المقبلة. على سبيل المثال كانت إيران توظف في السنوات السابقة ما اصطلح على تسميته بصراع الأجنحة الداخلية بين الاعتدال والتشدد.
كان هذا الصراع الوهمي الذي يتم التركيز عليه، خاصة خلال فترات الانتخاب يوفر الكثير من فرص المراوغة للنظام الإيراني، وهو ما أجبر الكثير من السياسيين في الغرب والشرق على دعم الرئيس روحاني، ظناً منهم أنه بصدد حمل رؤية جديدة قد تؤدي في القريب إلى إحداث تغييرات حقيقية في بنية النظام السلطوية.
محاولات التماهي مع صوت المؤسسة الدينية المتشددة كان واضحاً، لدرجة أن روحاني لم يطلق على نفسه صفة المعتدل وإنما الإصلاحي، الذي يريد إحداث بعض التغيير من داخل المؤسسات التي هو جزء منها: «نحن مصلحون في السياسة الخارجية والداخلية».
الاستمرار في سياسة التماهي هذه قد يكون مفيداً لتثبيت الأقدام داخلياً، خاصة في هذه الفترة الصعبة، لكنه بلا شك خطر على علاقات إيران بحلفائها في الخارج من الذين كانوا يبنون مساندتهم للرئيس روحاني على مشروعه المنفتح والمختلف مقارنة مع سلفه محمود أحمدي نجاد.
ربما يقوم روحاني خلال الأيام المقبلة بمراجعة استراتيجيته هذه، أما إبان الخطاب فقد كان من المهم بالنسبة إليه على سبيل المثال أن يبدأ مؤكداً على عقيدته الشيعية وعلى إيمانه بالإمام الغائب وبأسس الجمهورية الإيرانية وتعاليم مؤسسها الخميني. كما كان من المهم كذلك أن يخصص التفاتة قصيرة لتقديم التهنئة بميلاد الإمام علي الرضا، الإمام الثامن في عقيدة الشيعة الإثني عشرية. (مذهب البلاد الرسمي).
صحيح أن مزج الميراث الديني بالسياسة يعد ركناً أصيلاً من أركان الخطاب السياسي الإيراني المبني على العقيدة والشعبوية، إلا أن الأمر يأخذ بعداً مختلفاً مع الرئيس روحاني الذي بالغ البعض، خاصة الشركاء الأوروبيين، في وصف انفتاحه واعتداله حتى تم تصويره وكأنه زعيم ليبرالي يناضل ضد تيار الحكم المتشدد في بلاده.
بهذه الكلمة ذكّرنا الرئيس الإيراني بأنه ليس سوى ابن لهذه المدرسة المتشددة وهو ما سيجعل الكثير من مناصريه في الخارج في موقف لا يحسدون عليه.
كاتب سوداني

إيران: خطاب «مغاير» للرئيس روحاني

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية