« إن شاء الله أنا قادم في الانتخابات المقبلة» ..بهذه العبارة أفتتحت صحيفة «إعتماد» تقريراً عن أحدث تصريحات الرئيس الأسبق ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، أكبر هاشمي رفسنجاني عن الانتخابات المفصلية المقبلة والتي سيبدأ التسجيل لها بعد أقل من اسبوعين.
أكد رفسنجاني أنه سيخوض انتخابات مجلس الخبراء وهي في رأيه أهم بكثير من انتخابات مجلس الشورى «الانتخابات التشريعية»، وهي إشارة لها أكثر من مغزى عن طبيعة الاصطفافات السياسية التي أفرزها فوز الرئيس الحالي حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في حزيران/يونيو2013، ونجاحه المنقطع النظير في إنهاء صفقة «البرنامج النووي» في تموز/يوليو المنصرم.
وخلافا لكل المرات السابقة، لم يترك قرار مشاركته من عدمها في الانتخابات (الرئاسية مثلاً) إلى الدقيقة الأخيرة، وقطع الشك باليقين، وأعلن أنه سيرشح نفسه لانتخابات مجلس الخبراء المعني بانتخاب وتقييم ثم عزل الولي الفقيه أعلى سلطة في الجمهورية الإسلامية، لكنه ترك الباب مواربا بقوله «إن شاء الله» وكأنه يقول «ربما يمنعه مجلس صيانة الدستور، أو يضطر للانسحاب إذا طرأ ما يستوجب ذلك ، طبعا إن كان على قيد الحياة»!.
رفسنجاني، كان قد أزيح بسيناريو ساهم الحرس الثوري فيه، عن رئاسة مجلس الخبراء بسبب موقفه من الاحتجاجات التي اندلعت بُعيد الاعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية العام 2005 ، وهو الآن كما يبدو، يُعيد ترتيب مناصريه داخل النظام بعد ان نجح في إيصال «المحافظ المعتدل القريبب من الاصلاحيين» حسن روحاني، وألقم بذلك مناوئيه حجرا وهم الذين خططوا لعزله نهائيا عن الحياة السياسية حين رفض مجلس صيانة الدستور تأهيله لخوض الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
من شأن ترشيح رفسنجاني الذي كان قد أمسك العصا من وسطها إبّان فترة رئاسته الممتدة من 1989 إلى 1997، أن يساهم بقوة في تسخين الحوار الانتخابي، بعد إغلاق الملف النووي، وشعور غلاة التيار المحافظ بطعم الهزيمة، ورغبتهم في الانتقام، والتفاف تيار واسع من الاصلاحيين والاصوليين المعتدلين» حوله، وحول مرشحين جدد سيتم دفعهم في هذه الانتخابات لضمان تحقيق نتائج مبهرة فيها.
وصف رفسنجاني في لقاء مع طلاب جامعيين (الخميس) هذه الانتخابات بالأكثر أهمية في اأريخ الثورة الإسلامية وفي تقرير مصير النظام «ولابد أن تكون الظروف التي تحكم تطبيق القوانين والرقابة عليها تعزز الأمل في نفوس الشعب وأن تعد المجتمع لخلق ملحمة سياسية أخرى، وأنا سأشارك إن شاء الله». وأشار إلى الدستور الإيراني ومصدر تشريعاته وقال «أثناء حياة الإمام الخميني الراحل، كنا نستند إلى نصائحه في رسم السياسات العامة للبلاد حين يقف الدستور عائقا أحياناً» وهي إشارة إلى أهمية إيجاد تعديلات تأخذ بنظر الاعتبار تطورات المرحلة والظروف الاقليمية والدولية وحاجة الايرانيين للتغيير. ووجه رفسنجاني إنتقادات لاذعة لخصمه اللدود الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد موضحاً إخفاقات حكومته السابقة في تنفيذ خطط التنمية بما يتوافق مع السياسة العامة للبلاد، وبيّن أن أحمدي نجاد (دون أن يذكره بالاسم) لم يتقيد لا بالخطة ولا بنصائح قائد الثورة الاسلامية آية الله علي خامنئي «وللأسف لم تأخذ حكومته بعين الإعتبار حاجات المرحلة ، في تطبيق خطط التنمية» وأضاف «لو فعلت لكنا تمكنا من تنفيذ 23 في المئة من أهداف خطة التنمية الرابعة والباقي كان سيتم تنفيذه بشكل تلقائي».
وأقرَّ رفسنجاني بشكل لافت في الفشل أيضا في مواجهة إنتشار الإدمان على المخدرات، وأيضا المتاجرين بها متحدثاً عن أهمية إصلاح قانون مكافحة المخدرات بسبب فشله في الحد من الإتجار بالمخدرات وقال «كان بامكاننا، مع تدوين وتطبيق عقلاني للسياسات العامة، أن نمنع إنتشار المخدرات في البلاد..وبعدها إكتشفنا ظهور المخدرات الصناعية ما زاد الأمور تعقيدا على مجمع تشخيص مصلحة النظام» الذي يرأسه ويشارك في عضويته الرئيس السابق. وأكد ضرورة إعادة النظر العقلاني والواقعي للقوانين المتعلقة بمكافحة المخدرات من أجل تجنيب الأسر والمجتمع الإيراني المخاطر المتأتية من المخدرات.
ولأول مرة يرد رفسنجاني بشكل غير مباشر على الاصلاحيين الذين دافع عنهم طوال السنوات الماضية التي أعقبت إندلاع أزمة إنتخابات 2009، الذين كانوا وجهوا له في السابق إنتقادات ساهمت في «إغتياله سياسياً» على حد تعبير مؤيديه.
فقد أشار لما وصفه بسياسة الإعتدال التي إنتهجها أثناء توليه رئاسة البلاد بعد الحرب العراقية الإيرانية، وتحسن علاقات إيران مع دول المنطقة وقال «كانت تستند قراراتنا بما يتعلق بعلاقات إيران الخارجية مع دول المنطقة ودول العالم الأخرى على عزة البلاد والحكمة وأخذ المصلحة العليا للبلاد بعين الإعتبار، وعلى هذا الأساس أعلنّا سياسة نزع فتيل التوتر».
وانتقد رفسنجاني أيضا بعض المحسوبين على التيار الأصولي واتهمهم بالعمل على عرقلة تطور البلاد بحجة الخوف على مستقبل الثورة والبلاد لتحقيق أهداف سياسية وانتخابية وقال «كلما أرادت البلاد أن تضع قدما في طريق التطور تواجه صعوبات تعرقل ذلك بحجج واهية، ولذلك تتراجع البلاد اقتصاديا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا وحتى أخلاقيا ما يضر بالبلد».
واعتبر رفسنجاني وكأنه يطلق حملته الانتخابية مبكرا جدا «أن ارتفاع نسبة البطالة في صفوف الشباب الإيراني يعيق إزدهار الاقتصاد، وعلينا التحرك لانهاء هذه الظاهرة المتفاقمة خصوصاً لدى خريجي الجامعات فهي تضر بصورة النظام».
وأشار إلى «سوء إدارة « الموارد المالية وإعتبرها أحد العوامل التي تؤدي لرفع نسبة البطالة قائلاً «يمكن إستثمار السيولة المالية الموجودة بالنحو الصحيح وإعتبارها فرصة جيدة في مكافحة البطالة التي أراها تهديدا جديا، وعلى البنوك تقسيط الديون على أصحاب المصانع والشركات المنتجة للمساعدة في إزدهار الإنتاج، وعلى البنوك أن تكون في خدمة العمل والنشاط الاقتصادي والإنتاج».
ملف القوميات
وفي لفتة لها أكثر من معنى تحدث رفسنجاني عن أهمية منح القوميات غير الفارسية حقوقها المشروعة التي أقرها الدستور مشيرا بشكل خاص إلى العرب وما وصفها «المشاكل» التي يعاني منها سكان محافظة خوزستان ذات الغالبية العربية (مركزها الأهواز) ومن بينها مشكلة البطالة والتلوث وقال «نظرا للأراضي الخصبة للزراعة هناك وتنفيذ مشاريع بنى تحتية في مجال المياه والري وقربها من أسواق العراق، بإمكاننا وضع خطة مدروسة لتصبح المنطقة منصة إزدهار اقتصادية لإقليم خوزستان ولعموم البلاد» وقلل من مخاطر إنتشار الأفكار القومية وذكر «أن سكان خوزستان (العرب) نجحوا سابقا في هذا الإمتحان وأثبتوا ولاءهم للنظام».
ومع أن دستور الجمهورية الإسلامية ينظر إلى عرب إيران على أنهم مواطنون من الدرجة الأولى، يحق لهم ممارسة طقوسهم الثقافية باللغة العربية، إلا أنهم يشكون من أن البنود المتعلقة بهذه الحقوق معطلة، رغم أنهم ممَـثـلُـون في مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، وفي مجلس الخبراء المكلف بعزل أو تعيين قائد النظام (الولي الفقيه)، وحتى في الحكومة.
ودعا رفسنجاني إلى المزيد من الاهتمام بتنمية الأهواز وباقي المدن ذات الكثافة السكانية العربية، وسحب البساط من جهات خارجية تحاول دق إسفين بين العرب ونظام الجمهورية الإسلامية على حد قوله.
ويرفض الأهوازيون العرب تعليق أسباب ما يعانونه من مشاكل خصوصاً في حقوقهم القومية على شماعة الخارج، بالرغم من وجود تنظيمات تدعو إلى الانفصال، تتّـخذ من الخارج مقرّا لها.
وفي الغالب، فإن مطالب عرب الإقليم تتلخّـص (بُعيد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979) في منحهم العدالة والإنصاف من قِـبل السلطات، وتطبيق بنود الدستور الذي شاركوا في صياغته، بعد أن ساهموا بفاعلية في إسقاط نظام الشاه، إلا أن التراخي في تحقيق هذه المطالب طيلة العقود الأخيرة، من شأنه أن يعجِّـل في تطبيق خُـطة أمريكية لرسم خريطة شرق أوسطية جديدة عبر تحريك ملف العرقيات في المنطقة، خصوصا داخل إيران لتفكيكها وتغيير النظام القائم فيها، وهو ما يحذر منه الكثيرون في إيران.
هل يمنعونه؟!
وكان رفسنجاني مُنع من الترشيح للانتخابات الرئاسية الماضية بحجة «كبر سنه» ودوره في «فتنة « الاحتجاجات على إعادة انتخاب أحمدي نجاد، لكنه نجح ببراغماتية فريدة من الدفع بروحاني شكّل فوزه، نجاحا لخطة بديلة لجأ إليها رفسنجاني للتعويض عن فشله الشخصي في الترشح للانتخابات الرئاسية.
ففي تلك الانتخابات، أبقى رفسنجاني على موقفه من الترشح، في المنطقة الرمادية وسط تكهنات متباينة بأنه لن يرشح نفسه، ولكنه بدا وكأنه أكل «الطُعم» بعد أن رفض البرلمان توصية شرط السن من حكومة أحمدي نجاد التي كان يراد بها منعه من الترشيح، فاعتبر أن الطريق صار سالكا أمامه ليرشح نفسه للانتخابات.
وسبقت خطوة رفسنجاني في ترشيح نفسه في اللحظة الأخيرة، قيامه باستدعاء نجله مهدي من لندن التي كان يقيم بها، ليمثل أمام القضاء بتهم خطيرة منها الفساد ودعم الاضطرابات والاحتجاجات، رغم تلويح الادعاء العام بعقوبة قاسية تصل للإعدام. فقد كان على رفسنجاني أن يتخلص من عبء محاكمة نجله مهدي وبنته فائزة لدورها أيضا في تلك الاحتجاجات، ليخوض الانتخابات الرئاسية التي حرم منها.. بملف نظيف.
لكن حسابات الحقل وحصاد البيدر لم يأتيا متطابقين لما كان يتوقعه «الشيخ الرئيس»، فهو نسي أن إقصاءه من إمامة صلاة الجمعة المنبر الإعلامي الهام، ومن رئاسة مجلس الخبراء بسبب دوره هو في الاحتجاجات، ما كانا ليتما من غير مباركة خامنئي الذي نسي ان رفسنجاني هو من «عيّنه» قائدا للجمهورية الإسلامية العام 1987، وهو الذي منحه لقب «آية الله» ليصبح مجتهدا مطلقا، واعدا في صلاة الجمعة التي تلت وفاة الخميني، بشرح مفصل للقب «آية الله» دون أن يفي بوعده حتى يومنا هذا!.
فهل سيلجأ مجلس صيانة الدستور لمقص الاقصاء، ويمنع رفسنجاني مرة ثانية من المشاركة في الانتخابات المقبلة في آذار/مارس سواء انتخابات مجلس الخبراء أو الانتخابات البرلمانية؟!.
نجاح محمد علي